مبادرة السيسي الاقتصادية.. أي سلعة يرتفع ثمنها اتركها

blogs السيسي

عندما تكون سياسة دولة "أي سلعة سعرها مرتفع لا تشتريها"، هل هذه المقولة قانون اقتصادي؟، أم جزء لحل معضلة صغيرة في الاقتصاد؟، أضع بين أديكم مقالاً تحليلياً لهذه الصرخة لتقديم أثرها على الاقتصاد بشكل عام وعلى الاقتصاد المصري بشكل خاص.

السؤال الذي يدور في ذهن الكثير من الناس، كيف ترتفع الأسعار في الأسواق؟، فالصور الاعتيادية لارتفاع الأسعار كما أشار لها علماء الاقتصاد قد تنحصر في حالات عدة، منها ارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج (المواد الأولية)، وارتفاع أجور العمال، وارتفاع عوائد القروض الاستثمارية، وارتفاع المواد التشغيلية كالطاقة والنقل والتغليف، ومنها قلة المعروض من السلعة الذي يصاحبه عدم استطاعة الجهاز الإنتاجي للدولة أن يلبي حاجة المجتمع، ومنها ارتفاع تكاليف الاستيراد من خلال الرسوم الجمركية والضريبية بأنواعها، ومنها انخفاض أسعار الصرف، ومنها أيضاً جشع التجار الذي يصاحبه حبس السلعة لترتفع الأسعار مستقبلاُ (ما يعرف بالاحتكار)، ويعتبر حصر استيراد السلعة على تاجر واحد أو على عدد قليل من التجار إحدى صور الاحتكار المسيّس والتي تمارسه بعض الدول فعلاً فتنعدم المنافسة التي تؤدي إلى تخفيض الأسعار بما يتناسب مع طموح التاجر وسيادة المستهلك.

إذا تم ترك السلعة في ظروف غير اعتيادية، ولا دخل للمنتج في رفع أسعارها، فإنها ستترك أثراً سلبياً في الطلب على المواد الأولية، مروراً بالطلب على مواد التشغيلية، ويتأثر الطلب على التمويلات البنكية

يشعر الناظر في كلام السيسي بأن بلاده تمر برحلة الرخاء الاقتصادي والذي يستطيع من خلاله الجهاز الإنتاجي أن يمارس نشاطه بشكل طبيعي، وأن ارتفاع الأسعار كنتيجة حتمية من جراء جشع التجار، بحيث إذا امتنع الناس عن الشراء بإمكان الجهاز الإنتاجي أن يغرق الأسواق لكي تنخفض الأسعار وهي الغاية من ترك الناس، ومفاد الكلام اتركوا السلعة ينخفض سعرها، وهذا ما يستحيل مروره بسهولة على الاقتصاد من غير مضاعفات وتشنّجات في ظل عدم توفير البدائل بالأسعار المناسبة.

فعندما تمر البلاد في حالة غلاء فاحش جراء أسباب رئيسية ومهيمنة على الاقتصاد وعلى عقلية صانع السياسة الاقتصادية المصري، فترك السلعة في ظل أوضاع لا يستطيع المنتج أن ينتج السلع في حدود تكاليف أدنى من تكاليف الوضع الراهن فإن هذا يعرف في الاقتصاد أن المنشأة تنتج في مرحلة عدم الاستمرار وعدم الاغلاق أو في مرحلة الإغلاق، فالقرار في هذا التوقيت جائر، وهو ما يتسبب في مجزرة اقتصادية والضغط على مكابح العجلة الاقتصادية غير آبه إلى مصلحة متوسطي وصغار المنتجين، فضلاً عن بعض الشركات الكبرى، وبالتالي استفحال ظاهرة البطالة والتضخم المستورد، والقضاء على الجهاز الإنتاجي للبلد.

السؤال مَن المفترس الذي يريد أن يستحوذ على هذه القطاعات مظنّة ملئ الفراغ، التي هي عاقبة هذه الصرخة المزيفة، تشير بعض التقديرات إلى احتمالية أن يكون الجيش إحدى الأطراف القوية والبارزة للتربع على عرش الاقتصاد، والذي جاري تأهيله لملئ هذا الفراغ، مع إمكانية إضافة شركاء له عبر الاستثمار الأجنبي المشبوه والمشوّه للجهاز الانتاجي، فالاستثمار الأجنبي لا يأبه إلى أهمية السلعة للمجتمع المصري بقدر الأهمية الربحية التي ستجنيها تلك السلعة مما يوقعهم في شراك فكرهم العقيم ويُردهم إلى المربع الأول الذي يحاول أن يحرّض الناس إلى ترك السلعة لكي تنخفض أثمانها، لتنسحب تلك الأموال ضاربة الجهاز الانتاجي غير ملتفة للوراء لكي تُشفق على الجوعى والمتضررين.

طمع الجيش في الجري لاهثاً في القطاعات الاقتصادية المختلفة وغير المتناهية، ليس المراد منها إلا تركيعه وتقييده بإحكام وتشتيت أفكاره وتشغيله بأقصى طاقة له بشكل لا يجعله أن يفكر في التمرد على الطغيان، لأنه لا يرى أمامه إلا الطاعة العمياء التي تجبره على التنفيذ الأجندات بصورة قد تحرم أبيه المزارع أو أسرته أو جاره من قوت يومهم، لا بد للجندي أن ينظر من حوله في حال أبيه وإخوانه وسائر المتضررين من جراء هذه العقلية الفتاكة والمتلذذة في تركيع المجتمع والجيش عبر انقاص هيبته وتشويه صورته وانحراف مسيرته عن الخطوط التي من أجلها تم تعبئته وتدريبه، وهذا الحال المأساوي المثير يمثل حال بعض جيوش أوطاننا التي تهادن العدو وتعادي شعوبها وأهلها، فالسياسيون أسهبوا كثيراً في هذه الجزئية فتركناها لهم.

فإذا تم ترك السلعة في ظروف غير اعتيادية، ولا دخل للمنتج في رفع أسعارها، فإنها ستترك أثراً سلبياً في الطلب على المواد الأولية، مروراً بالطلب على مواد التشغيلية، ويتأثر الطلب على التمويلات البنكية، وبالتالي تنخفض عوائدها فتحجب البنوك إلى حد ما عن منح التسهيلات الائتمانية، فتتحسن أسعار الصرف لاعتدال ميزان المدفوعات، إلا أن قرار رفع الأجور سيضاعف من تدهورها، وهذا ما ستشهده الشهور المقبلة. 

فعادة ما يتم استيراد المواد الأولية من السوق الدولي، وما تأثير طلب السوق المصري على كل مادة بمفردها مقارنة بحجم الطلب العالمي لتلك المادة لا يُذكر، ربما تحتاج لعمليات حرمان متراكمة لعدة أيام أو شهور حتى يكون لها صدى في السوق الدولي وتأثيراً في أسعار المواد الأولية، وقد تكون السلعة الأولية مصنوعة محلياً وعلى رأسها السلع الزراعية، فإن تخفيض ثمن السلع الزراعية أو السلع التي تعتمد على السلع الزراعية على حساب المزارع المصري أيضاً سيترتب عليه هجر مهنة الزراعة، وأما إذا كان تخفيض أسعار السلع على حساب تخفيض أجرة خدمات النقل والشحن، فالضرر المترتب على شركات النقل المحلية مركب، الأول انطلاقاً من تنفيذ الصرخة في ترك أصحاب وسائل النقل للسلعة المرتفعة الثمن، والثاني عبر تنازله عن جزء من أجرته التي يتقاضاها لقاء الشحنة الواحدة بعد مقاطعة المجتمع للسلع لأنه سيخفض من ثمن خدماته حتى تنخفض أسعار السلع.

 undefined

والثالثة من خلال انخفاض الكمية المنتجة أو المستوردة لانخفاض الطلب عليها مما يخفّض من عدد مرات الشحن التي يتقاض عليها أجرة، وبالتالي هذه الصرخة أو المبادرة البائسة سلاحاً ذو حدود، فهو يضرب قطاع الزراعة والنقل بهذه الدعوة، وإذا كان تخفيض أسعار السلع عبر تخفيض أسعار مواد التشغيل (الكهرباء، الغاز، النفط، تغليف، تعليب، إلخ) فإن المردود المالي للموازنة العامة للدولة سيتضرر في الوقت التي تعاني فيه عجزاً دائماً بشكل يظهر معه حالة الإيرادات العامة لا تكفي لتغطية المصروفات والنفقات العامة، ومع هذا من الاستحالة بمكان تخفيض أسعارها، إلا أنّ الكميات المطلوبة ستشهد انخفاضاً في صورة تغطي معها الفشل الراهن في توفير الكميات المطلوبة من الطاقة، "أو إحدى الأساليب الخبيثة لحل أزمة الطاقة"، أما شركات التغليف والتعليب وما شابهها من مواد التشغيل، فإنّ ضررها يشابه ضرر سائق الشاحنة في تخفيض ثمن خدماتها والتي يترتب عليها أيضاً تخفيض الكميات المطلوبة منها، مما ينعكس سلباً على هذه الفئة تدريجياً وعلى المجتمع بأسره. ولم تتطرق المقالة إلى إمكانية تخفيض الضريبة والجمارك للعجز المتفاقم في الموازنة ولأنّ الغاية من الخطط الاقتصادية قد وصلتكم، إفقار الغني وإعدام الفقير والدولة تطعم الجميع كلٌّ بحسب كفايته لا حاجته.

وأخيراً وليس آخراً لتعدد مبادرات السيسي مستقبلاً، فإن قرار زيادة الرواتب، ستتسبب في زيادة الكتلة النقدية أو زيادة سرعة دوران النقود، وكلاهما فإذا لم يقابلهما زياد في الكميات المنتجة محلياً، فإن الطلب سيرتفع مما يرتفع معه الأسعار بشكل مضطرد، أما على صعيد توفير السلع ناجمة عبر التجارة الدولي، فإن الزيادات النقدية المتمثلة بالرواتب ستنتقل إلى السوق الدولي، وهذا بمثابة سياسة إغراق السوق الدولي بالجنيه المصري والتي يعقبها انخفاضات حادة في أسعار الصرف، يمثل انخفاض سعر الصرف ارتفاع الأسعار محلياً، وأيضاً تقود إلى التفكير جدياً لتسحب بعض المنشآت الأجنبية استثماراتها لانخفاض قيمة عوائدها عند تحويلها للخارج نظير انخفاض أسعار صرفها بالعملة الأجنبية، لكن هذا كله مفهوم، وغير المفهوم هو دعوة السيسي إلى ترك السلع ذات الأسعار المرتفعة ورفع الأجور في آن واحد. هذا نداء السيسي يا كرام فحاربوا أنفسكم فطاعة السلطان واجبة.