لا نجاح لثورة دون وعي شعبها

في الجزائر، كما في غيرها، تدار نفس اللعبة التي أديرت في غيرها من الأقطار العربية التي شهدت حراكاً شعبياً احتجاجاً على الفساد والسرقة والنهب من الحاكم وحاشيته.

 

الأحداث التي شهدناها في دول الربيع العربي متشابهة، ولن يكون النموذج الجزائري مختلفاً، فهي بالترتيب كالتالي: حراك شعبي، سلطة تحاول الالتفاف على مطالب الشعب بالتراجع خطوات لا معنى لها، صراع داخل السلطة على كيفية الخروج من المأزق والاتفاق على كبش محرقة للتضحية به، تدخل من المؤسسة العسكرية يبدو وكأنه المنقذ الوحيد، فتهلل الشعوب وتصفق مخدوعة بأن المؤسسة العسكرية خالية من الفساد وأن جنرالاتها لا يطمعون بالوصول للسلطة وسرقة خيرات الدولة. فيبدو الجنرالات في البداية زاهدين بالسلطة، لكنهم سرعان ما يبدأون ببسط سلطتهم ومن ثم سطوتهم ومن بعدها قمعهم للشعب، وتقوم الدولة العميقة بتمهيد ذلك من خلال ترويض الإعلاميين ورجال الأعمال وأصحاب المصالح، فيتراجع الشعب ويتنازل عن أحلامه ومطالبه، وتقتصر على تأمين لقمة العيش.

 

طالما أن الشعوب العربية لم تتحلّ بحد أدنى من الوعي، فمآل كل حراك شعبي سيكون الفشل. وتحقيق هذا الوعي لن يكون مهمة سهلة ولن يُقدم للشعوب على طبق من فضة

لن يكون السيناريو الجزائري مختلفاً عن غيره، الظروف مختلفة، الأطراف مختلفون، لكن النتيجة ستكون واحدة، وهي سلب أحلام الجزائريين والانقضاض على أي أمل لديهم بالتغيير، وتقديم نموذج دموي يكون عبرة لردعهم عن أي حراك مستقبلي. هي حلقة مفرغة تدور فيها شعوبنا العربية. يشكون من الفساد وقمع الحريات والاستئثار بالسلطة، وحين يتحركون تلتف عليهم السلطة بوسائل خبيثة ماكرة مستعينة بقلة وعي الشعوب، فتتراجع الشعوب وترضى بما تعتقده نصيبها وقدرها في هذه الحياة، وتترك السلطة لأهلها يمارسون فسادهم ونهبهم وقمعهم كيفما شاؤا.

 

الحلقة المفقودة التي تشكل مخرجاً لكل هذه الأزمة، هي أن تتحلى الشعوب بقدر كاف من الوعي والإدراك، وأن يتمتعوا بمناعة تجاه كل حملات التشويه وغسل الأدمغة التي تمارسها الأنظمة بحق شعوبها، ودون ذلك، ستظل الشعوب ضائعة تعاني اليأس والإحباط. وحين يبلغ اليأس مداه، تتحرك الشعوب وتتظاهر ضد النظام، الذي سرعان ما سيستغل قلة وعي هذه الشعوب للالتفاف على حراكهم، ومن ثم يعود إلى السلطة بصورة مختلفة وربما بأشخاص مختلفين، فتستمر السرقة والنهب والقمع مرة أخرى، فتخضع الشعوب حتى حين، ومن بعدها تتحرك مرة جديدة، ومن ثم يتم الالتفاف على ثورتها مرة أخرى، وهكذا.. في حين لو كانت الشعوب مدركة لخبث الأنظمة ووسائلها الملتوية لاستطاعت كسر الحلقة المفرغة، ونجحت في اختيار بديل حقيقي، تقوم بانتخابه ومن ثم محاسبته في كل استحقاق انتخابي، فتجدد له الثقة أو تستبدله، بعيداً عن حملات الشيطنة والتشويه التي تمارسها السلطة لخصومها.

 

النموذج التركي ماثل أمامنا. قدم الرئيس رجب طيب أردوغان لشعبه ما لم يقدمه رئيس قبله، سواء لناحية البنى التحتية أو الصناعات الثقيلة أو تراجع نسبة البطالة أو.. وباتت تركيا في مصاف الدول العظمى في اقتصادها وصناعتها ومنشآتها وسياستها الداخلية والخارجية. لكن كل ذلك لم يشفع لأردوغان وحزبه الحاكم في الانتخابات البلدية، فوجه له الأتراك رسالة موجعة تمثلت بصناديق الاقتراع، بعدما حملوه مسؤولية تراجع النمو الاقتصادي، وتراجع سعر صرف الليرة. يدرك الأتراك أن ما يعانيه الاقتصاد ليس تقصيراً من أردوغان، وعلى الأرجح هو نتيجة تآمر خارجي لإجهاض الاندفاعة التركية ودفع أنقرة للانهيار، لكن ذلك لا يعفي السلطة من مسؤولية إيجاد حل.

 

ليس تشاؤماً، لكن طالما أن الشعوب العربية لم تتحلّ بحد أدنى من الوعي، فمآل كل حراك شعبي سيكون الفشل. وتحقيق هذا الوعي لن يكون مهمة سهلة ولن يُقدم للشعوب على طبق من فضة، بما أن الأنظمة الفاسدة حريصة على استمرار تجهيل الشعوب، ضماناً لبقائهم في السلطة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة