في يومه.. هل اهتم المصريون القدماء باليتيم؟!

كان المصري القديم – بطبعه – كريما خيّرا؛ وكان يفخر بعمل الخير قبل افتخاره بأي شيء آخر، فقد كان يدعو إلى إطعام الجائع وإسقاء الظمآن وإكساء العاري وإهداء الضال إلى سواء السبيل، حتى أن الحكيم "عنخ شاشنقي" كان يحث ابنه على المروءة وفعل الخير؛ فيقول: لا تكن ساقط الهمة عند الشدة، وافعل الخير، وإذا فعلت معروفا لخمسمائة إنسان ورعاه واحد فحسبك أن جزءا منه لم يضع.

 

كما اهتم المصريون القدماء باليتيم وحرصوا على الاعتناء به وتربيته كاعتنائهم بأبنائهم وتربيتهم، وعملوا على إسعادهم وترفيههم، ومن حبهم لذلك وصفوا معبوداتهم بذلك بل وابتهلوا إليها داعين بهذا المعنى، فها هم الكهنة يتضرعون إلى المعبود قائلين: "يا زوج الأرملة ويا أب اليتيم"، فقد كانوا يعتقدون أن المعبودات تقوم برعاية الأرامل والأيتام. ودعوا إلى مراعاة اليتيم والأرملة وكانوا يعتبروا ذلك من محاسن أعمالهم، ومن أقوالهم في ذلك: الرجل الطيب هو ابن للمسنين، وأخ للمطلق، وزوج للأرملة، وأب لليتيم، وهو كساء لمن يقرصه الصقيع، وملجأ له من الريح.

 

من العادات التي التزم المصريون القدماء بها أيضا تجاه اليتيم؛ أن مال والديه كان يصبح إرثا له، فكان الابن يرث الأرض وكانت الابنة ترث المجوهرات والأثاث

كما حثوا على كفالة الأيتام، وتبنيهم؛ فها هي رسالة من رجل لصديقه الثري العقيم ينصحه فيها فيقول: إنك وإن تك موفور الثراء إلا أنك لم تعمل على أن تهب شيئا لأحد، وأولى بمن لم يكن له ولد أن يتخير لنفسه يتيما يربيه، فإذا نما عنده صب الماء على يديه، وأصبح كأنه ولده البكر من صلبه. ومن عصر الرعامسة ظهرت وصايا قيمة حثت على أن الإنسان إذا أعطاه الله خيرا ألا ينسى اليتيم والفقير، فقالوا: إذا اغتنيت وواتتك المقدرة، وتعهدك ربك، فلا تكن جهولا إزاء قوم تعرفهم بل احترم كل إنسان، حرر غيرك إذا وجدته مقيدا، وكن معينا للعاجز، فلقد قيل طوبى لمن لا يتصنع الجهل، وإذا رجاك يتيم مسكين يضطهده آخر ويبغي هلاكه، فسارع إليه وهبه شيئا واعتبر نفسك منقذا له، فمن أعانه ربه وجب عليه أن يحيي كثيرين غيره.

 

وكان الاهتمام بالأرملة لا يقل اهتماما بالطفل اليتيم، وقد احتوت أدبياتهم على ما يؤكد ذلك، فكتاب الموتى يذكر أن الميت لحظة الحساب يتضرع إلى الرب بما كان يقدمه في حياته للأيتام والأرامل من رعاية وإطعام وكسوة. وها هو الحكيم "آني" ينصح ابنه؛ فيقول: لا تسأل عن شخصية أرملة، عندما تقبض عليها في الحقل، بل تذرع بالصبر في إجابتها، ان الله يحب اسعاد الفقير. أما أحد النبلاء – من عصر الأسرة الثانية عشر – الذي يُدعى "أميني" فيفتخر بحسن معاملته للناس والرفق بهم، فيقول: إني أعطيت الأرملة كما أعطيت المتزوجة، ولم أكن أفرق بين كبير وصغير وغني وفقير.

  

كما نرى أحد حكام الأقاليم فيتفاخر بحسن تعامله مع رعيته والرفق بهم أثناء فترة القحط والمجاعة، فيقول: وعندما شحت أقوات البلاد أغدقت على بلدي أرادب وكيلان من الغلال، وسمحت لكل مواطن أن يأخذ نصيبه ونصيب زوجته، وأعطيت منها الأرملة وولدها، وعندما تعاقبت سنوات المجاعة؛ منحتُ الأرملة كما منحتُ ذات البعل (أي المتزوجة)، ولم أميز كبيرًا أو صغيرًا فيما فعلته. حتى أن الملك "خيتى" ينصح ابنه "مري كا رع" قائلاً: يجب أن تواسي الباكي ولا تضطهد الأرملة ولا تحرم أحدا من ماله، ولا تطرد موظفا من عمله.

  

ومن العادات التي التزم المصريون القدماء بها أيضا تجاه اليتيم؛ أن مال والديه كان يصبح إرثا له، فكان الابن يرث الأرض وكانت الابنة ترث المجوهرات والأثاث. وهكذا كان الأيتام والأرمل في مصر القديمة يجدوا جوا أسريا حميما يدفع عنهم الشعور بفقدان الآباء والأزواج. 



حول هذه القصة

بعد تجربتي القصيرة مع فاتو، عرفت كيف يكون وجع اليُتم، وفهمت معنى تلك الآية العظيمة “فَأَمّا اليتيم فلا تقهر” التي جعلتني أفكر في بناء دار للأيتام في سنٍ مبكرٍ.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة