العاطفة والانتقام أم النهضة الحقيقية.. ما الذي نريده من ثوراتنا؟

يميل الإنسان في تفسيره للأشياء بأن يعتمد فقط على ما يراه أمامه من نتائج، سلوك وأحداث. القليل منا يدرك أن ما نراه هو نتيجة عملية معقدة فيها العديد من العوامل. فعلى مستوى السلوك الشخصي، قد نحكم أن فلانا حساس بطبعه وفي محاولة فهم هذا السلوك سنجد أن ذلك جاء نتيجة قناعة للشخص بأن الآخر يريد التقليل من شأنه وهو يستجيب لهذه الفكرة. هذه القناعة تكون قد تولدت غالبا بسبب عوامل أخرى كافتقاده للتقدير في طفولته ووجود عوامل بيئية أخرى. التغيير في السلوك يجب أن يبدأ من تغيير القناعات الذي بدوره يؤثر على المشاعر فالسلوك. 

في إطار الحديث عن الثورات العربية. ظن الكثير منا أيام الربيع العربي أن ما رأيناه من تنحي أو استبعاد بعض الرؤساء كان حدث كافيا أو شبه كاف للتغير في البلاد العربية. في الحقيقة أن هذا الحدث المهم هو جزءا من أربع مستويات ولعله يعبر عن المستوى الأسهل في تحقيقه. المستويات الثلاث الأخرى بناءا على أهميتها وصعوبة تحقيقها هي نمط التفكير للعقلية التي تحكم أنظمة الدولة، بنية الدولة وهيكليتها، والتوجهات المجتمعية.

 

أهم سمات التوجهات المجتمعية التي على الثورات أن تحققها هي تغيير دور المواطن السلبي في تقبله للظلم والاستبداد وعدم استشعاره لمسؤولياته في المساهمة في إصلاح المجتمع

يجب أن تهدف الثورات بشكل أساسي إلى تغيير طريقة التفكير لعقلية المؤسسات التي تحكم الأنظمة المختلفة (الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية والسياسية)، التغيير هنا مرتبط بنمط التفكير وليس بالضرورة أو فقط تغيير الأشخاص. ما الذي نريد تغييره في هذه العقلية؟ هناك سمات مشتركة بين العقلية الحاكمة للأنظمة في دول الثورات والأهداف الكبرى للثورات يجب أن تغير هذه السمات إلى عكسها تماما. خارجياً: علينا أن نتخلى عن تبعية أنظمة الدولة لدول الاستعمار (السيطرة الناعمة). داخليا: أن نتجاوز فكرة سيطرة العقل الأمني وأيدولوجيا معينة على الدولة وبالتالي تغيير منطق القوة التقليدي الهرمي (من أعلى إلى أسفل) إلى فكرة التعاون بين مركبات المجتمع (الشبكات الاجتماعية). 

ثورات الربيع العربي الماضية امتلكت نقطة قوة مهمة أدركت القوى المضادة أنها الأكثر خطرا على وجودهم، وهي تجاوز الثوار للأيدولوجيات المختلفة، على الأقل في بداية الحراك. أؤمن أن هذه النقطة تحديدا هي التي أرقت الأنظمة العميقة. الأنظمة العربية التي جاءت بعد الاستعمار تتقن فن وأد الثورات الأيدلوجية، لذلك كان الهدف نقل ثورات الربيع العربي من دائرة تجاوزها للأيدولوجيات إلى دائرة أضيق وهي إضفاء صبغة جديدة بأيدولوجيا معينة، وبذلك يسهل تصنيفها وتفتيتها واستهدافها. للأسف كان الإسلاميون هم الأداة في تحقيق ذلك بدون وعي منهم. ونجحت الأنظمة العميقة وتحديدا في مصر في تحويل الثورة في كونها ما بين الشعب والنظام إلى الإخوان والنظام، هذه اللحظة تحديدا كانت بداية انتكاسة الثورة وانتقالها إلى الدائرة الثانية التي يسهل السيطرة عليها. وقد كان الإسلاميون أكثر وعيا في هذه النقطة في تونس، لذلك أنقذوا انتقال الثورة للدائرة الثانية في اللحظات الأخيرة.

 
على الأيديولوجيون أن لا يتقدموا في إدارة المشهد في الجزائر وتحديدا الإسلاميون لأنهم من ناحية، سيجذبون القوى الخارجية التي ترى في الإسلاميين الخطر الحقيقي في وجودهم ومن ناحية أخرى أنهم بأدوارهم السابقة الإصلاحية والاجتماعية غير قادرين على تبني دور جديد سياسي متقن في فترة قصيرة والأهم من ذلك كله أنهم سينقلون الحراك الجزائري من كونه يعبر عن الجميع إلى صورة تبدو وكأن الإسلاميين هم المستفيدين الوحيدين من هذا الحراك. 

الأهداف الأخرى المرتبطة ببنية وهيكلية الدولة يجب أن تتوائم مع الأهداف الأكبر من التخلي عن تبعات الاستعمار الناعم وتجاوز فكرة أن تحكم أيدولوجيا واحدة الدولة. عندها فقط يمكن الحديث عن ما نحتاجه من تغيير في الدستور أو في بنية مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية حول صلاحيات ومسؤوليات المستويات المختلفة للسلطة. هذه عملية ليست بالسهلة وتحتاج كفاح ونفس طويل ولكن على الثوار أن يعو جيدا الأهداف الكبرى حتى يسهل قياسها. لعل ترويض المؤسسة العسكرية المهمة الأصعب للثوار فهي من تمتلك القوة الخشنة لوقف أي تغيير إن شاءت، لذلك فإن أهم أداة يمتلكها الثوار الآن هي كون المطالب شعبية تعبر عن الجميع ولا تعبر عن أهداف أيدولوجيات بعينها. التمسك بهذه الأداة سيسهل كفاح الثوار في ترويض المؤسسة العسكرية، واستغلال البعض للثوار ومحاولة إضفاء صيغة أيدولوجية على الحراك في الجزائر سيقوي المؤسسة العسكرية وبالتالي إمكانية الفشل في تحقيق المطالب ستكون أكبر بكبير.

الأهداف الأخرى التي تحققها الثورات تتمثل في تغيير توجهات المجتمع، ولعل هذا النقطة قد تأتي كسبب أو نتيجة في تغيير البنى المختلفة للدولة. من أهم سمات التوجهات المجتمعية التي على الثورات أن تحققها هي تغيير دور المواطن السلبي في تقبله للظلم والاستبداد وعدم استشعاره لمسؤولياته في المساهمة في إصلاح المجتمع إلى دوره الإيجابي والمطلوب في رفض الظلم ومحاسبة المستبدين، من السمات الأخرى هو شعور المواطن بالاستقلال النفسي والثقافي الذي يغنيه في الاعتماد الكامل على الثقافات الأخرى الغير منسجمة مع قيمه ومبادئه. وجود هذه التوجهات المجتمعية يعني أن يصبح المواطن ورفاهيته هو جوهر وجود الأنظمة المختلفة بدلا من بقاء المستنفذين في جهاز الدولة.

إذا هناك أهداف كبرى مرتبطة بثلاث مستويات مختلفة على الثوار أن يحققوها. أصعبها تحقيقا وأكثرها عمقاً هو تغيير نمط التفكير للعقلية الحاكمة للنظم المختلفة للدولة (النظم الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية والسياسية) يلي ذلك تغيير أو تعديل بنية ودستور الدولة بما يناسب المصالح الكبرى، وكذلك تغيير التوجهات المجتمعية. عند تحقيق الأهداف المرتبطة بهذه المستويات الثلاث، حينها نستطيع أن نقول إن ما نراه من نتائج مرتبطة بالتنمية تعكس تغييرا حقيقيا وعميقا وبعيد المدى في الدولة.

لا شك أن هناك وعيا متزايدا في تحديد أهداف الثورة ومتطلباتها، يمكننا قراءة ذلك في ردة فعل الشباب العربي عند تنحي مبارك ومقارنته بتنحي بوتفليقة، هل تعامل معظمنا بنفس المشاعر والتفكير؟ لا أعتقد ذلك. نعم تنحي بوتفليقة خطوة مهمة في التغيير لكن هناك خطوات أهم وأصعب تحت الجليد. هذا الوعي المجتمعي شيء عظيم ويعول عليه كثيرا، لذلك فإن الشباب الجزائري المثقف الذي يدرك ذلك لن يتوقف في مطالبه الأكثر عمقا من تنحي الرئيس وكأن لسان حاله يقول "تنحي الرئيس هي بداية الكفاح الحقيقي". نعم المرحلة القادمة أكثر خطورة وحساسية وتحدياتها كبيرة ولكن الاستمرار والكفاح فيها أقرب لملامسة التغيير الحقيقي. آمل أن تكون الجزائر المثال الملهم بوعي شبابها المثقف.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة