"chocolat".. حين تواجه المجتمع بالشوكولاته!

blogs شوكولا

دوما ما أفضل الأفلام التي تحاكي الواقع، أو على الأغلب تلك التي تعكس قضايا المجتمع، فالسينما في الأخير هي مرآة يجب أن تعكس واقعنا، كما الأدب تماما، لكن الأجمل هو عندما تمتزج السينما بالأدب، فتغدوا مثل قطعة من الشوكولاتة كما في فيلمنا هذا بالضبط الذي سنتحدث عنه، قد تقضي ساعتان أو أكثر وأنت تتابعه دون أن تشعر بملل أو تعب، بل تحس بذلك الخيط الناظم للحكاية ينساب من بين يديك في سلاسة وعذوبة، قد يكون ذلك بسبب أن الفيلم مقتبس عن عمل روائي جميل، فهو يعطيك متعة وسعادة، قلما تصادفها في غيره، لكن ما يهمني أكثر كما أشرت هو قضية الفيلم، أي ما يود قوله، أنا أومن بأن كلما كانت رسالة الفيلم كبيرة وهادفة، كلما كان نجاح الفيلم أو العمل الروائي أو المسرحي أو أيا كان ناجحا أكثر.

في عام 1999م نشرت الكاتبة الإنجليزية joane Harris رواية تحمل اسم chocolat رواية سحرية خيالية، تتخذ من إحدى المدن الفرنسية مسرحا لها، لاقت الرواية استحسانا كبيرا من قبل القراء، ونقلت إلى عدة لغات من بينها اللغة العربية بترجمة الدكتور مأمون الزائدي، ولنجاح الرواية فقد تحولت إلى فيلم يحمل نفس العنوان، أنتج عام 2000م، أي أنه لم يمض سوى عام واحد تقريبا على صدور الرواية، أخرج الفيلم المخرج السويدي الشهير لاس هالستروم، ولروعة الفيلم لم يقل نجاحه عن نجاح الرواية، فهو كما كتبت إحداهن أشبه بقصيدة منسابة، أعجبت بمقال الكاتبة وكان محفزا على مشاهدة الفيلم ولشدة تأثري به رشحته لأكثر من صديق، ومن ثم جاءت فكرة كتابة هذا المقال.

الجميل أن الكاتبة اشتغلت على هذه القضية وأدمجتها عبر حكاية طريفة وجميلة، فالقارئ للرواية أو المشاهد للفيلم الذي تتجاوز مدته الساعتان، لن يشعر بالوقت وهو يتابع أحداث الفيلم ذو الحبكة المحكمة

عقب الحرب العالمية الثانية وبالتحديد مع مطلع الخمسينات، تقصد أحد الأمهات مع ابنتها قرية فرنسية غريبة، والتي لم نعرف اسمها ولا مكان وقوعها بالضبط، يصادف وجودها هناك فترة الصيام في القرية، تستأجر مطعما وتقرر أن تحوله إلى محل لبيع الشيكولاتة متجاهلة بذلك فترة الصيام بالقرية، كان الناس يستغربون لفعلها ذاك، لكن سيزيد استغرابهم عندما يدركوا أنها لا تذهب للكنيسة، كما أن الطفلة التي ترافقها هي طفلة غير شرعية، كانت القرية محافظة ولها قوانين غريبة، لكن المرأة تقرر أن تواجه ذاك المجتمع لوحدها، وتخوض معركتها معهم هي وابنتها متخدين من صناعة الشوكولاتة مصدر رزق لهن.

كان عمدة القرية يطوف بين الناس ويحرضهم عليها، كان يشيع خبر أنها مع فتاة غير شرعية، كما أنه كان يحرضهم على مقاطعها ويعاقب كل من يذهب لمتجرها، لكنها مع ذلك لم تكن تهتم بل كانت تواجه كل ذلك بهدوء، كانت فقط تنتج أجود أنواع الشكولاتة، والتي لم يكن يستطيع مقاومة سحرها كل من يتذوقها، بل حتى أنها كانت تملك حدسا غريبا أي أنها تتنبأ لكل واحد بالنوع المفضل لديه من أنواع الشكولاتة، لكن رغم مقاومتها وصبرها الغريب، إلى أنها ستأتي لحظة وتنهار، وتقرر الرحيل من جديد إلى قرية أخرى، فهي مصابة بلعنة الطواف والترحال، كما نكتشف ذلك أثناء روايتها حكاية لابنتها قبل النوم، فهي ليست الوحيدة ربما التي تطوف هكذا، بل هذا أمر قد تكون ورثته عن جداتها وأجدادها.

هكذا الفيلم لا يعطينا لا عنوان القرية ولا اسمها، بل ولا حتى أدنى معلومات عنها، كما أن القصة الغريبة التي تحكيها المرأة لابنتها هي حكاية فانتازية غريبة، كل هذا يجعلنا نتساءل حول معاني الرموز والإشارات في الفيلم، قد نعمد إلى تحليل معين من غير أن نتعمد الاسقاطات عليه، بداية فالفترة التي يحيل لها الفيلم لها دور مهم، فهي تدلنا على حالة المجتمع قبل قيام الثورة الطلابية مطلع الستينات، قد نقرأ الرواية أو الفيلم قراءة ظاهرية إن صح التعبير، فمثلا هو ببساطة يجسد قصة امرأة في مواجهة تقاليد المجتمع التي اغتصبها في حقوقها، أو المجتمع الذي يفرض هيمنته عليها، لذلك فهي تقاوم ضده بإصرارها حتى تنتصر عليه، لكني أعتقد أن فكرة الفيلم أعمق وأعقد من ذلك ربما.

فمثلا كون الكاتبة تختار قرية فرنسية مسرحا تجري فيها أحداث روايتها، أمر له دلالة خاصة، ثم هذه القرية لا تحمل اسما محددا، لكن الأهم هو أن هذه المرأة لا نعرف أصولها ولا من أين قدمت، إلا تلك القصة الغريبة التي تحكيها لابنتها، كل هذا كما سبق يجعلنا نعطي للفيلم قراءة أخرى، فالمرأة في الفيلم هي رمز للحرية في اعتقادي، كون فرنسا مثلا بالتحديد، كلنا نعرف أنها كانت منبعا لانطلاق فكر التنوير، والإعلان عن الثلاثية المقدسة في مجال حقوق الإنسان، الحرية والأخوة والمساوات، فالحرية هي مثل ريح غربية هادئة، لا تختار مكانا محددا لها، كما أن كل الناس يستعذبونها وكأنها قطعة من الشكولاتة، وكل من ذاقها تغويه ويقع في غرامها، بل ربما أنه سيصبح أسيرها، ولن يستطيع مقاومتها.

الجميل أن الكاتبة اشتغلت على هذه القضية وأدمجتها عبر حكاية طريفة وجميلة، فالقارئ للرواية أو المشاهد للفيلم الذي تتجاوز مدته الساعتان، لن يشعر بالوقت وهو يتابع أحداث الفيلم ذو الحبكة المحكمة، كما أننا نجد أن العمدة عندما كان يحاول إقناع الناس بالابتعاد عنها، كان يعمد إلى تغيير خطب القس الذي كان يلقيها على الناس في الكنيسة، كما أن أهل القرية كانوا ملتزمين بشكل حرفي وجامد ببعض المبادئ الدينية، لدرجة أن ذلك كان يعود بالضرر على صحتهم الجسدية كما نجد في قصة الطفل، لكن المرأة ستسعى إلى تغيير القرية بطريقتها الخاصة، وفي الأخير نجدها نجحت في ذلك، واستطاعت أن تميل قلوب أهل القرية تجاهها، حتى العمدة الذي كان من أشد المعارضين لوجودها، نجده في الأخير يتذوق الشوكولاتة هو بدوره ويقع في غرامها، ولا يستطيع مقاومتها أيضا.