العودة للعصر الحجري.. هل الصوماليون "أناريكون" بطبيعتهم؟

"الدولة ليست كيانا يمكن اسقاطه ولكنها حالة أو علاقة معينة بين البشر، او شكل للسلوك الإنساني، يمكن إسقاطها بعقد علاقات أخرى وانتهاج سلوكيات مختلفة"
   

وجود الدولة تعتبر من الضروريات الأساسية للمجتمع الحديث، فغيابها تعني الفوضة والدمار، لذلك يعتبر وجود الدولة أمرا ضروريا للتنظيم الاجتماعي الحديث، وبما أن وجود هيكل الدولة أمر مرتبط بالقانون وتطبيق العدالة، فإنه من الصعب العيش بدون دولة. هذه هي حجة مناصري وجود الدولة بحيث يصفون الأناركية بأنها دعوة للتدمير والفوضى، وهي بمثابة العودة الى عصور الانحطاط والعصر الحجري. وغالبا يستخدم بعض الكتاب والمحللين السياسيين عبارة الفوضوية باعتبارها ترجمة للأناركية، ويسقطونها على حالة الصومالية، التي عاشت قرابة أكثر من عقديين بدون مؤسسات سيادية تدير شؤون البلاد.

   

علاوة على ذلك؛ هل الصومال مجتمع أناركي بطبيعته؟ للإجابة على هذا السؤال علينا أن نأخذ جولة طويلة نربط بين المجتمع الصومالي وبين مفهوم الأناركية، للوصول الى إجابة معقولة تفكك الحجج التي تصف المجتمع الصومالي بانه مجتمع أناركي بطبيعته.

    

ما هي الأناركية؟

كلمة أناركي مشتقة من الكلمة اليونانية anarkhia والتي تعني ضد السلطة أو دون حاكم. والأناركية مذهب ينادي بإلغاء الرقابة السياسية داخل المجتمع مقررا ان الدولة أكبر أعداء الفرد وأن إلغائها قضاء على الآفات والشرور، ويرون أن العلم والعقلانية هما المعول في إرشاد المجتمع. ويرون أن الانتقال إلى المجتمع الأناركي يتم بطريقة تدريجية وسليمة في حين يرى بعضهم الأخر أن الانتقال إلى المجتمع الأناركي يجب أن يتم طفرة واحدة عن طريق الثورة.
         

يرى الأناركيون أن الدولة آلة قهرية قائمة على أسس قسرية وعقابية، بحيث تضيق الحريات وتسلب الحقوق

من الناحية التاريخية نشأت الأناركية ليس فقط كتفسير للفجوة بين الأغنياء والفقراء في أي مجتمع، ولا أيضا بسبب اضطرار الفقراء الى صراع من اجل نصيبهم من الملكية العامة، لكن كإجابة متطرفة للسؤال "ما الخطأ الذي حدث؟" وذلك بعد الثورة الفرنسية والتي انتهت بانتكاس مطالب الثورة والرجوع الى الملكية مرة أخرى. وكذلك فان الأناركية هي مظهر ثاني للاشتراكية واليسار الذي فقد الإيمان من قدرة الدولة في إدارة الملكية والحقوق، والتي في النهاية تحولت إلى آداة قمعية. وفي نظر الأناركيون فان الدولة هي العدو، وليس أن الدول تراقب المجتمع وتعاقبهم فحسب، بل لأنها تحمي امتيازات ذوي النفوذ.  

  

خلاصة مما سبق إن مشكلة الأناركية تكمن في وجود الدولة؛ لكن ما عيب الدولة: يرى الأناركيون أن الدولة آلة قهرية قائمة على أسس قسرية وعقابية، بحيث تضيق الحريات وتسلب الحقوق، وكل الخدمات التي تقدمها الدولة حسب الأناركيون فهي من أجل حفاظ الدولة وليس من اجل رفاهية المجتمع. بالنسبة لهذا التعريف المختصر عن الفكر الأناركي، فأننا سنقدم خطوة الى الامام للنظر عن العلاقة بين المجتمع التقليدي وبين الدولة الحديثة، لكي نحدد وجود نزاعات مشتركة بين الفكر الأناركي وبين المجتمع الصومالي التقليدي. 
     

المجتمع التقليدي وطبيعة الدولة الحديثة:

إن مشكلة المجتمع التقليدي هو كونه مجتمع غير صناعي عموما، وهذا الوصف بات معروفا من قبل العلوم الاجتماعية، وبالتالي فان مشكلة التي نتجت عن العلاقة بين المجتمع التقليدي والدولة الحديثة هو بالمختصر مشكلة الصومال. وان طبيعة الصراع بين المجتمع التقليدي وبين الدولة الحديثة هو صراع على السلطة وهو بطبيعته انصدام نتج عن التحول اللاطبيعي الذي أصاب جسم المجتمع. والاعتقاد ان المجتمعات العشائرية يخلو منها نظام سلطوي هو اعتقاد خاطئ تماما، لأنها لم تراعى ان المجتمعات العشائرية مجتمعات ابوية ذات سلطة هرمية. والمشكلة ان الانتقال الى الدولة الحديثة هو انتقال غير طبيعي وذلك من ناحية النظام الاجتماعي، فالدولة الحديثة يصنعها مجتمع صناعي حديث.

   

فالحلقة بين المجتمع العشائري واقصد بها هنا المجتمع الصومالي والدولة الحديثة هي من نسج الاستعمار الأوروبي وليس نتيجة تراكمات سلطوية أدت في النهاية الى نشوء دولة حديثة نسبيا مثل مجتمعات الخليج العربي. وقبل ذلك التاريخ لم يكن هناك نظام سياسي سلطوي يملك مؤسسات ضخمة تتدخل الشؤون وتعيد الإنتاج المجتمع مثل ذلك النظام الحديث المعروف الان بالدولة الحديثة، ولكن من المعروف في تاريخ الصومالي وجود سلطنات إسلامية ونظام عشائري هرمي يمتلك سلطة سياسية واجتماعية، وانطلاق من هذا التاريخ فانه من غير الطبيعي القول بان المجتمع الصومالي كان خاليا من نظام هرمي سلطوي، وذلك ينفي طبيعة المجتمع العشائري القائم على الصراع السلطة (الاقتصادية والاجتماعية) فما حدث في الصومال عموما هو صراع بين الدولة وبين المجتمع، وعلى هذا الأساس يجادل بعض الناس بانها أناركية بامتياز.

   

وهذا القياس في مجمله جدال عقلاني لان المجتمع الصومالي في فترة التسعينات فقد الايمان بقدرة الدولة على إدارة المجتمع، لكن الاساس لم يكن رفضا كليا لمؤسسات الدولة، بل كان نتيجة الظلم والقهر، فلم تسعى الجبهات التي اسقطت الدولة بإنتاج مجتمع ذاتي التنظيم قائم على التعاون الطوعي بدلا من الاكراه، وهذا بمجله حلم الفكر الأناركي.

  
والدولة الحديثة هي فعلا آلة تحتكر العنف حسب مقولة فيبر، وبالتالي فإنها تعادي أي جهة او مؤسسة تحاول ان تخرج من هذا السياق. ومن ثم فان سلطة الدولة قابلة للانحراف بشكل مستمر، بحيث تتحول الى آلة للقهر والقتل، وضبط المجتمع وإعادة انتاجه. وكذلك فان المشكلة الأساسية القائمة بين القبيلة باعتبارها نظاما اجتماعيا والدولة باعتبارها نتاج للحداثة، هي صناعة المجال العام؛ بحيث تسعى الدولة الحديثة صياغة المجال العام ووضع القوانين التي تحدد أدوار المؤسسات الاجتماعية وضبطها، ومن خلالها تحتكر الدولة الحديثة المجال العام، وعلاوة على ذلك فان الإشكالية بين الدولة الحديثة والقبيلة هو إشكالية التحول وإدارة المجال العام، ولذلك هل يمكننا ان نقول ان الصراع الدائر بين القبيلة والدولة هو فعل أناركي؟

      

فشل الدولة في الصومال كانت من أوائل النتائج التي أظهرت فشل الدولة الحديثة في استيعاب المجتمعات التقليدية، ويمكن بعضنا أن يستدل هذا الفشل باعتباره نزعة أناركية عند المجتمع الصومالي
   
المجتمع الصومالي القبيلة ضد الدولة.. هل هي أناركية؟

ماريو دي فيكي الحاكم العسكري التابع للمستعمر الإيطالي في مقديشو انتهج سياسة قمعية، بحيث نزع السلاح من كافة القبائل والقى القبض على كل من عثمان محمود سلطان مجيرتين وعلي يوسف كينديد سلطان هوبيه وتم سجنهم في مقديشو، ومن خلال هذه السياسات القمعية استطاعت إيطاليا فرض سيطرتها كاملا على جنوب الصومال. بينما كانت بريطانيا تستخدم سياسات مختلطة تتغير حسب المتغيرات الاجتماعية والسياسية، بحيث جمعت بين القوة الناعمة والصلبة في آن واحد، من بين توزيع الأسلحة وتعزيز الوجود النزعة القبلية في الساحة والتعامل مع العشائر بشكل مستقل عن التكتلات القبلية التقليدية. هذا النوع من الإرث السياسي هو الذي شكل الدولة الصومالية ومن رحم الاستعمار خرجت الدولة الصومالية، كمشروع حداثي يسعى الى خلق مجتمع صومالي حديث.

  
في البداية انخرطت القبائل الفعل السياسي، كنوع من الديمقراطية الرعوية بحيث تمثل القبيلة مؤسسة سياسية وعلى أساسها يتمكن المجتمع ممارسة السياسة. ولم تنجح هذه المحاولة بحيث انتشرت المحسوبية والفساد الإداري على مؤسسات الدولة، وتحولت الأحزاب الى أحزاب عشائرية تخدم مصالح ضيقة. وعلاوة على ذلك تم تأسيس أكثر من ثمانين حزبا سياسيا ذات جذور قبلية وهو انعكاس طبيعي للنظام الاجتماعي المهمين على الساحة.

  
في نهاية حقبة الستينات كانت الثورة الشيوعية تكتسح الدول الافريقية، وانضمت الصومال لاحقا الى ركب الشيوعية. مما جعل الصراع بين القبيلة ومؤسسة الدولة الشمولية التي اختارت نهج القمع أكثر شراسة من قبل، فأصبحت مؤسسة القبيلة ومؤسسة الدين في خندق واحد ضد الدولة، إضافة الى ذلك المشاكل الاقتصادية والسياسية التي أحاطت المنطقة في تلك الفترة، جعلت المؤسسات التقليدية تشعر بالإقصاء والإهمال بشكل كبير، وبالتالي ثارت القبيلة ضد تسلط الدولة، وتم التخلص من الدولة كليا.
  
رفضت القبائل سلطة الدولة على المجتمع، لكنه في الأخير كان صراعاً بين سلطتين، ويظهر ذلك بعد اسقاط الحكومة الشمولية، تكونت سلطات هشة لكنها قائمة على تراتبية قبلية وسلطوية، يقودها جنرالات لا فلاسفة، بالسلاح والرشاشات وليست بالأوراق والاقلام، ومن هنا نفهم ان طبيعة الصراع بين القبيلة والدولة في الصومال كانت نتيجة فشل الدولة في احتواء المجتمع، وعلى هذا الأساس يمكننا ان نقول إن فشل الدولة في الصومال كانت من أوائل النتائج التي أظهرت فشل الدولة الحديثة في استيعاب المجتمعات التقليدية، ويمكن بعضنا أن يستدل هذا الفشل باعتباره نزعة أناركية عند المجتمع الصومالي، رغم ان الفشل لم يكن من قبل المجتمع بل من قبل الدولة ومؤسساتها. وان المجتمع الصومال مجتمع عشائري، وهو أيضا مجتمع تراتبي سلطوي بطبيعته، لان النظام العشائر هو نظام سلطوي قائم على القوة والقهر، وليس نظاما أناركيا.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة