توقفوا عن إنجاب أطفال الشوارع

blogs طفل مشرد

بائعة المنديل تتجول حافية القدمين في برد قارس، أزلت جواربي وألبستهم إياها. أراهم على هذه الحالة في كل مرة أمرّ من أمامهم، أنحني خجلا، فاشلة المفاصل وقد تأثر قلبي بشدة. لكن لا أستطيع مد يد العون، ليس لأن قلبي قاسي، ولكن ليس بيدي حيلة. بائع الورد، بائعة المنديل، بائع السجائر، وكل أطفال الشوارع هم ضحايا المجتمع، ضحايا إثر ظروف أسرية أو اجتماعية.

    

طفل الشارع ولد ككل البشر، عاش سعيدا لتسعة أشهر فقط، لكن للأسف سعادته لم تدم طويلا. فتح عينيه وسط ضوضاء الشوارع، في الشارع وضع، في الشارع ترعرع، في الشارع تعلم، في الشارع نام وفي الشارع أكل. كل هؤلاء الضحايا-ضحايا المجتمع- أطفال ضائعون، متشردون، لا مؤوى لهم، لا مسكن ولا شيء يحميهم. ليس متشردا برغبته، ولا سارقا بالفطرة، بل هكذا تحتمت عليه الظروف التي كانت أقوى منه. فإذا سرق لقمة فمن حقه، فاعلم فقط ان بطنه الصغيرة لم تستطع تحمل الجوع أكثر، إذا نام قرب منزلك أو سيارتك أو شركتك، فأيقظه برأفة، علم فقط أنه نام من شدة التعب، وإذا باع لك منديلا فاعلم أنه لا يريد سرقة أي شيء بعد الان، بل يريدها حلالا طيبا.

  

أكثر شيء يزعجني، هو كيف يستغل هؤلاء الأطفال في كل البلدان، بطريقة قذرة وبلا رحمة وشفقة. أما من قلب رطب لمن يستغل هؤلاء الأطفال والشباب في تجارة المخدرات والسرقة

طفل ضاع مستقبله، طفل ضاعت أحلامه، طفل سلبت منه حياته. لماذا لا ننظر إليهم، ولماذا لا نسعى إلى إنقاذهم من الضياع والموت والتشرد، لما نحن قساة القلوب إلى هذه الدرجة. ما السبيل؟ ما الحل؟ أو ماذا بعد؟ هل ندعهم في الشوارع إلى الابد، أندعهم ينامون وسط علب الكرتون وفي القطارات وعلى الأرصفة مدى الحياة. ولكن سؤال يراودني ألا تشتاق اليك أمك يا صغيري؟ هل حياتها رائعة بدونك؟ هل بحثت عنك يوما؟ هل أباك يعرف أنك موجود؟ أكيد أن من ننعتهم بأطفال الشارع وما هم إلا أبطال كانوا ضحايا جنس قذرة، ضحايا اغتصاب بلا رحمة، ضحايا حب زائف، ضحايا ثقة عمياء، وها هم اليوم يدفعون ثمن ما لا ذنب لهم فيه.

  

بطل الشارع هذا، للأسف لم يجني مال اليوم، أيذهب ليتحمل الضرب القاسي من زعيمه، أم ينام في الشارع تلك الليلة. رأيت هذه المعاناة لأول مرة وفي عمر صغير في حلقات من رسوم متحركة يدعى ريمي. فأكثر شيء يزعجني، هو كيف يستغل هؤلاء الأطفال في كل البلدان، بطريقة قذرة وبلا رحمة وشفقة. أما من قلب رطب لمن يستغل هؤلاء الأطفال والشباب في تجارة المخدرات والسرقة.. أما من قلب يحن لمن يرمي بهؤلاء الأطفال إلى الدعارة والاغتصاب.. أما من قلب يرأف بدل ان يستغل.

   

اتسمعني.. أتعلمه الإجرام بدلا من أن تجعل منه طفل شارع خلوق، ناجح، ومتفوق، أتعلمه الإجرام بدلا من أن تعلمه الأبجدية، أترسله لجمع المال وتسلبها منه بدلا من أن تشتري له بها هدية. أتصرخ عليه وتعنفه وتضربه بدلا من أن تفرش له أرض الحياة والحرية، أتحبطه بدلا من أن تجعل منه روحا نقية. لا تخرب طريقه نحو النجاح. كن له عونا يا من تستغله، قد يصبح أستاذا بفضلك، قد يصبح طبيبا بعنايتك، قد يصبح مهندسا بتشجيعك، قد ينجح يوما ولن ينساك حينها.

  

هذا كل حلمي، أن أجد يوما زعيمهم ومرشدهم نحو الهاوية والشر، يقودهم إلى النجاح والتفوق، أن يجدوا فيه روحا تعطف عليهم، ويحميهم من الشقاء والعناء، وأن يكون خير مؤنس ورفيق لهم. هذا كل شيء، هذه امنيتي الوحيدة، قد تكون أمنيتك أيضا، من طفل وجهه يغطيه الأوساخ إلى طفل نظيف مقبول البنية، ومن طفل يلتقط أكل القمامة، إلى طفل يجد أكلا متواضعا نظيفا. افرشوا لهم أرض الحياة، افرشوا لهم طريق النجاح، واسقوا لهم نبتة الهناء لحياة أفضل.



حول هذه القصة

blogs ذوي الاحتياجات الخاصة

المجتمع الذي يشكله أهل الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة يعتبر بيئة خصبة لبائعي الوهم، بمختلف أدوارهم في العملية التأهيلية، وعلاقتهم مع الطفل والأهل، والأمثلة كثيرة، منها رواج المدعين من الأخصائيين.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة