شعار قسم مدونات

بعد خسارته إسطنبول.. هل يتراجع أردوغان عن تحويل آيا صوفيا إلى مسجد؟

blogs تركيا

انقشع غبار معركة الانتخابات البلدية التركية كاشفا عن نتائج ليست مرضية لحزب العدالة والتنمية الحاكم في البلاد. فعلى الرغم من احتفاظ الحزب بهيمنته على عموم تركيا، إلا أن خسارته لعدة بلديات كبرى وعلى راسها أنقرة وإسطنبول شكل ضربة وصدمة موجعة. فقد فاز رجب طيب أردوغان برئاسة بلدية إسطنبول الكبرى لأول مرة عام 1994 كمرشح عن حزب الرفاه واستطاع تحقيق إنجازات ملموسة وهامة على مستوى الخدمات العامة في المدينة مما أكسبه شعبية كبيرة ومنحه دفعة قوية على السلم السياسي التركي. وعندما وصل حزب العدالة والتنمية برئاسة أردوغان للحكم 2002-2003، احكم سيطرته بدون انقطاع على المدينة التي تمثل وزنا ثقافيا واقتصاديا وسياسيا وديمغرافيا لا يستهان به.

  

إلا أن إسطنبول أعطت إنذارا واضحا خلال الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأخيرة مؤشرة على زيادة كبيرة في نفوذ أحزاب المعارضة فيها وتحولها من حصن منيع للعدالة والتنمية إلى مدينة متأرجحة انتخابيا. وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي تم بذلها للحفاظ على إسطنبول في الانتخابات الأخيرة وتسمية شخصية معروفة ومقبولة كبن علي يلديريم مرشحا عن العدالة والتنمية لرئاسة بلديتها، إلا أن الحزب خسر المدينة فعليا لأول مرة وبفارق ضئيل من أصوات الناخبين لصالح تحالف الشعب المعارض ومرشحه أكرم إمام أوغلو. (علما بأن الحزب قد قدم طعونا بشأن اسطنبول أمام لجنة الانتخابات والتي لا تزال قيد النظر حتى تاريخ كتابة هذه السطور). هناك مجموعة من النقاط الهامة نود التوقف عندها وتحليلها.

أهمية الانتخابات البلدية في تركيا

لاحقا لمجموعة من الإصلاحات القانونية والتشريعية التي تم تمريرها خلال السنوات الماضية في تركيا كقانون البلديات رقم 5393 وقانون البلديات الكبرى رقم 5216، فقد اتسع نطاق المهام والسلطات والمسؤوليات الخاصة بالإدارات المحلية التي باتت تملك درجة عالية من الاستقلالية المالية والإدارية في مواجهة السلطات المركزية. يوجد في تركيا 81 محافظة و1397 بلدية موزعة على المدن والمناطق والاحياء التركية. تعتبر البلديات مسؤولة عن تنفيذ الأعمال المتعلقة بتطوير المدن والتحسين من مظهرها وخدماتها، وتنظم حركة النقل الداخلي، وإنشاء البنية التحتية كشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، وخدمات التنظيف وحماية الصحة العامة، وتخطيط الطرق والأنفاق والأسواق والمناطق الصناعية وغير ذلك.

  

  

من هنا تنبع أهمية البلديات باعتبارها خط التماس المباشر مع المواطن والذي يمكن الأحزاب الفائزة برئاسة البلدية من التقرب للناس وكسب ثقتهم وبالتالي كسب أصواتهم في الانتخابات العامة او الرئاسية. تبعا لذلك يمكننا القول أنه وعلى الرغم من أن الانتخابات البلدية هي انتخابات ذات طابع خدمي محلي، إلا أنها تشكل مؤشرا مهما لشعبية هذا الحزب أو ذاك، زد على ذلك أن الاستقطاب السياسي الحاد في الساحة التركية اليوم حمل هذه الانتخابات رسائل سياسية ثقيلة للغاية حتى تم وصفها من قبل البعض بالانتخابات المفصلية. ولعله ليس من المبالغة القول بأن أحد أهم أعمدة الانتصارات السياسية الكاسحة التي حققها العدالة والتنمية ورئيسه رجب طيب أردوغان منذ ما يزيد عن سبعة عشرة عاما يعود لاهتمامهم بالمستوى المحلي وتقديم خدمات مرضية وذات كفاءة للمواطنين بالقرب منهم مما مكنهم من كسب ثقتهم وأصواتهم.

  

أهم أسباب خسارة إسطنبول وانقرة

مجموعة من الأسباب أدت في النهاية لخسارة تحالف الجمهور الذي يقوده العدالة والتنمية لعدد من البلديات الهامة وعلى رأسها أنقرة وإسطنبول. ففي إسطنبول تحديدا، استمات تحالف الشعب للسيطرة عليها مهما كلف ذلك من ثمن وذلك للظفر بانتصار معنوي مؤثر، ولأجل ذلك فقد اتحدت المعارضة جميعها في وجه العدالة والتنمية وحليفه الحركة القومية. فحزب الشعوب الديمقراطي الكردي مثلا لم يقدم أي مرشح له في إسطنبول من أجل ضمان عدم تشتت الأصوات. لذلك فقد قام مناصرو هذا الحزب في المدينة بالتصويت لمرشح المعارضة بدلا من التصويت في محافظاهم الاصلية جنوب شرق تركيا وهذا ما أدى في النهاية لخسارة حزب الشعوب الديمقراطي لبلديتين مهمتين من مناطق سيطرته هما شرناق وبيتليس.

 

من جهة أخرى، لا يخفى تأثير الجانب الاقتصادي وحرب العملة الشرسة التي تقودها بعض الدول العربية والغربية على تركيا والتي أدت بالفعل إلى رفع الأسعار ونسب البطالة والتضخم في البلاد، مما أدى للتأثير على مجريات التصويت في الانتخابات البلدية بشكل سلبي تجاه العدالة والتنمية باعتباره الحزب الحاكم في البلاد حاليا. ثانيا: هل تشكل الانتخابات البلدية الأخيرة بداية المنحدر السياسي للعدالة والتنمية؟

 

صحيح أن العدالة والتنمية تلقى ضربة موجعة بخسارته لأنقرة وإسطنبول، إلا أنه من المبكر الحكم على مستقبله السياسي اعتمادا على نتيجة الانتخابات البلدية الأخيرة لعدة أسباب. أولها بان الحزب لم يخسر الانتخابات البلدية في عموم البلاد، بل احتفظ باليد الطولى وبنسبة أصوات وصلت لحوالي 52 بالمئة في عموم تركيا مقابل حوالي 38 بالمئة فقط لتحالف المعارضة. تبعا لذلك ونظرا لأن الانتخابات العامة والرئاسية ذات طابع أكثر مركزية بحيث يأخذ بعين الاعتبار مجموع أصوات الناخبين، فإنه لا مجال الان للقول بأن نجم حزب العدالة والتنمية ورئيسه رجب طيب أردوغان قد بدء بالأفول فعلا لأن الفرصة لا زالت سانحة لإعادة ترتيب الصفوف.

   

  

ثانيا، نظرا لأن الاستحقاقات الانتخابية الأهم على المستوى البرلماني والرئاسي ستجري بعد أربع سنوات من الان، فإن نتيجة الانتخابات البلدية الأخيرة يمكن أن تلعب دور "جرس انذار مبكر" سيفيد العدالة والتنمية لدراسة وتحليل واقعه الانتخابي وطريقته في إدارة الدولة والكشف عن أوجه القصور التي أدت إلى خسارته لمدن كبرى مثل إسطنبول وأنقرة بشكل يمكنه من تلافيها مستقبلا. وهذا تحديدا ما حرص الرئيس التركي على تناوله في خطابه، مؤكداً أن حزبه سيعكف ابتداءً من اليوم على دراسة النتائج والعمل على أساسها، في محاولة لاستعادة ثقة المواطن في المحافظات التي لم ينجح الحزب في كسب ودّ الناخبين فيها. عملية المراجعة هذه فيما لو تمت بشكل صحي وفعال فإنها ستكون حاسمة في إعادة تثبيت الأرضية السياسية للحزب الحاكم.

 

خسارة إسطنبول ومستقبل أيا صوفيا

أيا صوفيا من أهم صروح إسطنبول وأكثرها إثارة للجدل لما تملكه من رمزية تاريخية كبيرة لدى المسيحيين والمسلمين على حد سواء. لاحقا لهجمات نيوزيلاندا الإرهابية ضد مسجدين في مدينة كرايستشرش، وما تبعها من بيان عنصري مقيت تركه منفذ المجزرة وتحدث فيه عن "تحرير أيا صوفيا من مآذنها"، فقد تعهد رجب طيب أردوغان بتحويل أيا صوفيا من متحف إلى مسجد كما كانت أيام الإمبراطورية العثمانية، وهذا ما أثار حفيظة دول الغرب المسيحية وعلى رأسها اليونان. فهل ستؤثر خسارة العدالة والتنمية لإسطنبول عمليا على تعهد أردوغان المثير للجدل.

 

في الحقيقة وكما أشرنا أعلاه فان صلاحيات البلديات التركية تبقى محدودة في إطار خدمي ومحلي ولا يمكنها بالتالي التدخل في القرارات السياسية أو السيادية للدولة. تبعا لذلك، حتى لو خسر العدالة حزب العدالة والتنمية الحاكم بلدية إسطنبول التي تقع أيا صوفيا ضمن حدودها فإن ذلك لن يمنعه من المضي قدما في قرار تحويل أيا صوفيا إلى مسجد كما وعد بذلك قبيل الانتخابات باعتبار أن مثل هذا القرار يعتبر قرارا سياسيا وسياديا يمثل الدولة التركية ويخرج بالتالي عن الصلاحيات البلدية. تبعا لذلك فإننا نعتقد بأن الرئيس التركي سيمضي قدما في تنفيذ هذا القرار حتى لا يظهر بمظهر الضعيف بعد الانتخابات، ومع ذلك فإننا نعتقد بأن التأني في اتخاذ مثل هذا القرار سيكون مناسبا أكثر في الوقت الحالي نظرا لتداعياته المنتظرة على الصعيدين الداخلي والخارجي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.