ماذا بعد ثورة أبريل في السودان؟

في أكتوبر 1964م اندلعت ثورة ضد نظام الرئيس إبراهيم عبود مطيحةً به، ثم تلتها انتفاضة 6 أبريل 1985م ضد نظام الرئيس جعفر نميري، ثم أعقبها نظام مكث في الحكم ثلاثون عاماً عاش فيها أهل السودان ضيقاً في العيش بعد سعة في سنينها الأولى فتراجع الإقتصاد فيها إلى الحد الذي أفقر الدولة، وبعد مرور سنين من الصبر بدأ أهل السودان في تسجيل حراكات ضد الدولة منددين بسياساتها في الإفقار، فكان إنتفاضة سبتمبر 2013م وذلك بعد أيام من رفع الحكومة السودانية للدعم عن السلع الاستهلاكية والوقود، واستطاعت الحكومة قمع تلك التظاهرات، وفي ديسمبر2018م خرج الشارع السوداني مجدداً بعد أيام من انعدام متكرر للبنزين وارتفاع في سعر الخبز وشح في العملة النقدية المحلية والارتفاع في أسعار الدولار، كذلك أخمدت تلك الإحتجاجات وهدأت ثورتها نسبيا، والإشكال أن النظام كان يتمادى في الوعود بتقديم المعالجات ولا يسعى فعليا لإيجاد حلول ناجعة للإصلاح والتغيير.

بعد ذلك خرجت تظاهرات أخرى إمتداداً لثورة ديسمبر 2018م، وتحرك الشارع، لكن هذه المرة كان سقف المطالب عالياً فلم يكن لتحسين الوضع المعيشي وحل مشكلة السيولة فحسب، بل كان من أجل إسقاط النظام. نعم النظام الذي تجاهل كل مطالب الشعب وفشل في الخروج من الأزمات المتفاقمة، ولا يزال متشبثا متمسكا بزمام الحكم، فكان المطلب الرئيسي هو أن يزول هذا النظام مرددين العبارة الحاسمة لتلك الوعود، والمبينة للغاية النهائية للحراك والتي صارت شعارا واحدا للثورة (تسقط بس).

السودان مليء بالخيرات به موارد مائية، وزراعية، وصناعية، به كفاءات علمية عملية فلابد أن يكون الهم الأكبر هو الإستفادة من كل هذه الموارد لبناء سودانٍ مكتفٍ ينعمُ بحكم الذات

تعاملت الحكومة مع هذا الحراك على أنه كسابقه سرعان ما يتم إخماده إما بالقوة أو بالوعود المعسولة، وما كان من إيمانها أن تتركه ليكون مؤذنا ببداية زوالها وثورة لنهايتها. إلا أن الحراك قد استمر وارتفعت وتيرته رغم بطش القمع وشدة التنكيل، فأصيب وسقط خلاله عدد من أبناء الوطن الشرفاء في العاصمة وغيرها من الولايات مما كان دافعا موحدا للشعب المتزايد في الفضب لأن يستمر في المطالبة برحيل النظامٍ الذي بات معتبرا عنده بأنه دموي فاسد، فاعتصمت جموع الشعب بالقرب من مقر القيادة العامة للقوات المسلحة بالعاصمة الخرطوم في 6 أبريل مؤكدة بأن مطلبها بات واحدا وهو رحيل النظام ومحاسبة رموزه.

بعد أيام من الاعتصام وكسر لكل قيود وضعتها الدولة لفضه تحقق مراد الشعب الثائر الثابت العازم بأن نال جزءاً من ثمار ثورته بإنحياز الجيش له فكان إعلان إنقلابه على سلطة النظام الحاكم في 12 أبريل 2019م فرحل نظام مكث في الحكم ثلاثون عاماً بالسودان، وحتى لا تكون الثورة كسابقاتاها لابد من رؤية واضحة متزنة للتغيير وإستراتيجية شاملة للبناء والتعمير وتقبل للغير وإعمال للحكمة، ليكتمل قطف ثمارها.

ثم ماذا بعد الثورة؟

في دول كثيرة وُجِهت الثورات الشعبية بثورات مضادة أفشلت كل حلم انتظره الناس، ودمرت كل خيرٍ أمل الناس في الحصول عليه، وذلك لأن الهدف بعد نجاح الثورة يكون غامضاً، وكذلك تنفتح أسقف المطالبة بالحريات المطلقة المكبوتة، أو أن الناس تفرقت كلمتهم بعد نجاح ثورتهم حيث لاحت أمامها المناصب والثروات، واختلفت الغايات. وحتى ثورات السودان السابقة لم تثمر تغييراً يجعل السودان في مصاف الدول الرائدة في البناء والتعمير رغم أن البلاد بها من الموارد الكثيرة، والخيرات الممتدة، فنجاح الثورات ليس في إسقاط الأنظمة الفاسدة فحسب، بل في إستراتيجيات التغيير بعد سقوطها، فكم من أنظمة سقطت تمنى أهلها أن لو ما حدث ذلك، لما كان بعدها من غياب للإصلاح، وشتات وعدم اتفاق، وفتح لأبواب المطالب. نعم نجحت ثورة أبريل في إزالة نظام ذاق منه الشعب ويلات كثيرة، وافتعلت في عهده كثير من الأزمات، ولما كان الطريق للحصول على ثمار هذه الثورة طويل، والعقبات فيه كثيرة، وحتى تجنى ثمارها كاملة فهنا عدة نقاط موجزة لبيان بعض الأمور التي قد تجيب على السؤال: ماذا بعد ثورة أبريل في السودان؟

أولاً: على الحكومة القادمة أن تعلم أن هذا الجيل هو جيل التغيير، جيل يأنف الظلم له عزة وكرامة، فقد سطر بعزمه ودمائه أروع التضحيات، ولابد أن تعلم أن موقع الحكام هو موقع الخادم لشعبه لا المتسلط عليهم، فهذا الشعب كما أزاح السابقين قادر بعزمه على إزاحة اللاحقين.
ثانياً: على الأحزاب والحركات أن تعلم أن السودان يبنيه أهله بتكاتفهم والعمل فيما بينهم، حين يجنبوه الخلافات ويكون الهم الأكبر تعمير الوطن والحفاظ على أمنه واستقراره، فعلى كل منهم أن يقدم من حزبه صاحب الكفاءة والخبرة ليشارك الكل في بناء وطن قوي يسع الجميع.
ثالثاً: المرحلة المقبلة تتطلب تقديم الناس وفقاً للكفاءات لا الولاءات، فما تأخر الناس في سابقهم إلا بسبب الترضيات على حساب المصالح العامة، فمن يتقلد الأمر إن لم يكن همه بناء دولة ذات تنمية وحضارة وإنما كرس كل جهده ليبقى أطول مدة لتحقيق مآرب كيانات فسيلحقه الفشل ومصيره سيكون كسلفه، فوضع الرجل المناسب في المكان المناسب يختصر على الناس جهداً في التفكير ووقتا للتدبير.

رابعاً: السودان مليء بالخيرات به موارد مائية، وزراعية، وصناعية، به كفاءات علمية عملية فلابد أن يكون الهم الأكبر هو الإستفادة من كل هذه الموارد لبناء سودانٍ مكتفٍ ينعمُ بحكم الذات من دونِ تسلطِ لجهاتٍ يكون لها فضلٌ أو يدٌ تتحكم بها في قرارات الدولة، وأن يكون الشعار للمرحلة المقبلة (سودان يسع الجميع) يتسع للأراء ويقبل النقاشات.
خامساً: لابد من إعداد خطط ودراسات علمية للتطوير يتفاكر فيها أصحاب الإختصاصات كل بحسب مجاله. دراسات في مجال التعليم والصحة والصناعة والزراعة وغيرها، تطرح للتفاكر وتكون موضع تنفيذ، فالعمل وفق خطط مدروسة مختصة يضمن الإستمرار والمتابعة وتحديد القصور ومواطن النقص بحول الله تعالى وقوته.
سادساً: عند الشباب طاقات ينبغي أن تفجر بحراسة أهل الخبرة، فعهد إمساك الكبار بزمام مقاليد الأمور وإبعاد الشباب الذين يمثلون أغلب المجتمع وإقصاءهم قد ولى، فجيل الشباب يمتلك مهارات وقدرة على إحداث التغيير، والواجب إتاحة الفرص أمامهم وتحفيزهم على تقديم إبداعاتهم وصناعة قادم مستقبلهم والتمرس على إدارته برعايتهم و تحت إشرافهم وإرشادهم.

سابعاً: على الشعب حماية ثورته من أعداء الداخل، وأصحاب الثورات المضادة من الخارج، وذلك بمزيد تماسك وحسن تدبير واجتماع للكلمة وإبعادٍ للخلافات وتحكيمٍ للعقل وتقديماً لمصلحة البلد على مصلحة النفس والأحزاب.
ثامناً: تطبيق مبدأ المحاسبة فلا كبير على حدود الشرع و القانون، فمن أمن العقوبة أساء الأدب، وينبغي أن تكون العقوبات للكبار قبل الصغار، لا أن يعاقب الصغير إذا أفسد وتحاك المبررات للكبير إذا في الفساد وقع، ففساد الرعية من فساد راعيها.
أخيراً: لنتذكر قول الله تعالى: "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ".



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة