عُرْيُ الذات

الأدب في أصدق تعريفاته هو صوت الذات، وكل كلام يقوله البشر غير الأدب هو صوت أشياء أخرى لا صوت الذات. فأنت حين تفاوض الباعة لشراء احتياجاتك من السوق تحكي صوت معدتك الجائعة أو جسدك المتلهّف للدفء. وأنت تسأل العلماء والخبراء لتعرفَ ولتخزّن هذه المعرفة في ماكينة دماغك، ثم لتعيد تدويرها من جديد في مختلف أنشطتك كإنسان، سواء التعليمية منها أو المهنية أو غيرها.

 

كل حديثٍ غير الأدب هو أي شيء آخر إلا أن يكون حديث الذات، وهنا يطلُع الأدبُ كحُلم جميل للذات أو كساحة لتشظّيها. تخرج الذات من اختناقها في داخلك المعتم عبر فوهة الأدب، ولكنها تظلّ خجولة تأبى أن تتعرّى تمامًا على مرأى من ذوات القرّاء المتربّصة، فالذات عورة الإنسان الكبرى، يُحامي عنها بتقنياته النفسية التي طوّرها عبر السنين، وبحركات الجسد وحُجُب الكلام. ولهذا تُطلّ الذات من خلال الأدب رسائلَ مبطّنة بنسيج الحروف ورموزًا متلصّصة خلف الكلمات، وتكمن براعة الأديب في أن يُسرّب ذاته من بين أصابع النصّ مغافِلا القرّاء.. في أن ينقل وهجَها إلى القارئ دون أن يُسلّمه ملفَّ بياناته الفاضح كاملا!

 

أصدقُ النصوص هي تلك التي كتبناها لأنفسنا لا لأحد غيرنا، لأنّها تُخرج من حساباتها أي تأنُّق أدبي أو عُرفي أو ذوقي، فالآخَر مستبعَد تماما من الوعي عند الكتابة، ولا أحد هنا سوانا نحن، ذواتنا هي المكلَّم والكليم

الأدب مراوغة للذات، ترقص بإزاء النصّ رقصتها الحذرة، تترقّب الفجوات لتندفع من خلالها، ثم تكمُن متنكّرةً بين ركام الكلمات في النصّ. ترتدي أحيانا أكمامًا من الشعر، وتتزيّى في أحيان أخرى بشالاتٍ من القصّ، وربّما احتجبتْ تماما فقابلتْ قارئها ببرقع الرواية وجلبابها الطويل، فها هنا يمكنها أن تمتدّ على مساحات شاسعة.. أن توزّع شظايا بلّورها على قماش ملابسها التنكّرية! وهنا، لا تكون وظيفة القارئ أن يُلملم تلك الشظايا ليرسم صورة الذات الحقيقية للكاتب، فهذا تحقيقٌ بوليسيّ وليس تذوّقا للأدب! والحقيقة أنّ القارئ بإزاء الأدب بغير وظيفة، فهل هناك وظيفة لمن يجلس على شرفته ليحتسي القهوة ويرشف البحر؟ كلا، بل القارئ الحقيقي هو الذي يَعُبّ النصّ كؤوسًا من الخمر فيثمل منتشيًا به!

 

مشكلة الذات الحقيقية ليست مع القارئ الثمل اللطيف، بل مع الناقد الطُّفيلي، ذلك الذي وُلد بلا قلب وجاء إلى الدنيا دماغًا على قدمين، وربّما زادت الحياة شقاءه فأحرقتْ ما تبقّى له من عواطف تسرّبتْ من فطرته الأولى. فهذا الناقد خطير جدا، يحمل في حقيبته مباضع التشريح، يمزّق ملابس الذات التنكّرية، يُلملم آثارها حتى لو كانت شعرة على رداء، ويصنع لوحته الفاضحة ليصل إلى فرحته الحقيقية التافهة، وهي أن يعرضها على الناس ويقول لهم في الوقت الذي ترتسم على وجهه ضحكةٌ رقيعة: انظروا، هذه صورة الذات المتكاملة! لهذا يكره الأدباء هذا النوع من النقّاد، ويرون فيهم كائنات تتأكّل على ذوات الأدباء ثم تبصقها ترفًا نقديّا في أقرب صالون أدبي، حيث يجتمع مجموعة من الفاشلين أدبيّا ليتبادلوا قصص فشلهم على هيئة "نقد أدبي"!

 

أما أولئك الذين يدّعون أنّه لا حضور للذات في النصّ الأدبي فهم يتحدّثون في الغالب عن نصوص تحاول أن تكون أدبا ولكنها تفشل، لأنّ كل نصّ أدبي جميل هو جميلٌ بقدر ما تفنّن صاحبه في تمويه ذاته بين ثنايا الكلمات، فتارة تكون الذات عجينة النصّ، وتارة تكون توابله الحارّة اللاذعة، وتارة تأتي كمقبّلات سريعة لا ينتبه لها المتحلّقون حول مائدة النصّ، وإنْ كان قد وصلَهم طيبُها ونكهتُها بلقيمات قليلة ازدردوها مستمتعين أثناء التهامهم للوجبة الرئيسية!

 

ولكن هل بإمكان الذات أن تتعرّى تماما في النصّ الأدبي؟

لا أظنّ ذلك، لأنّ عُريَ الذات مقبرة الأدب، وكما أنّ الفلسفة أنصاف حقائق، فكذلك الأدب شظايا ذوات. ذاتٌ كاملة تساوي أدبا فاشلا ونشيج أطفال! والقرّاء لا ينتظرون من الأديب أن ينشج في حضرتهم، ربّما احتملوا تسريبه لبعض النشيج في صورة عزف، فحينئذ سيستمتعون بالمأساة، وربما ذرفوا بعض الدموع على لحنها الحزين الجميل! أما حين يُطلّ الكاتب على القرّاء برأسه كاملا فإنّ رأسه الكبير سيبدو ثقيلا جدا وسخيفا جدا، تماما كما لو حاول مُحرّكُ الدمى الخروج للجمهور بنفسه ليقابلهم بمنظره الكئيب، فهم لم يتفاعلوا معه هو، لأنّه بالنسبة إليهم مجرّد رافدٍ خفيّ لانفعالات الدمى. هم يريدون الدمية ولا يريدون مُحرّكها!

 

للأديب أن يسهر الليالي الطوال ليصنع عرائسه الجميلة.. له أن يجبِلها بدموعه وآلامه، ذكرياته ومتاعبه، بسماته وأحلامه. ثم عليه أن يُلقيها إلى القرّاء خفية في حجاب الليل، ليقتاتوا على دموعه وآلامه وذكرياته ومتاعبه وبسماته وأحلامه.. ليستهلكوها تماما، كلٌّ على هواه بغير اعتراض منه. فإذا قرّر الاعتراض وإعلان ملكيّته لنزيفه المسفوح على جدران النصّ، فإنّه سيعلن انتحار الأدب وسيَصْرف القرّاء عنه! ولكن متى يمكن للذات أن تتعرّى تماما؟ متى يمكن لها أن تنفجر أدبًا يحمل كامل تجربتها الشعورية؟ ألا يمكن أن يكون الملاذ هو أن تخاطب ذاتها.. أن تكتب لنفسها؟

 

أصدقُ النصوص هي تلك التي كتبناها لأنفسنا لا لأحد غيرنا، لأنّها تُخرج من حساباتها أي تأنُّق أدبي أو عُرفي أو ذوقي، فالآخَر مستبعَد تماما من الوعي عند الكتابة، ولا أحد هنا سوانا نحن، ذواتنا هي المكلَّم والكليم، منّا يخرج النصّ وإلينا يعود. وهنا، في دفء الذات، لا مجال للمواربة أو الخداع. لا مجال لإنكار الحقائق أو التجمّل الكاذب. لا مجال للرسائل المبطّنة والرموز المتلصّصة خلف الكلمات.. لأنّنا نعرف كل شيء عن النصّ!

 

نحن الذين جبلناه عاريًا من كل شيء. نحن الذين بنيناه حرفًا حرفًا وكلمةً كلمةً. نحن الذين حدّدنا امتداد الألف ودرجة انحناء الضمّة وانكسار الكسرة. لقد مزجنا فيه ذواتنا صهباء بِكرا في لحظة من غياب الوعي، ثم حين قرأناه بوعي صحنا بألم ودهشة: ما أصدقنا! ولكنّها عملية مرهقة لا يجرؤ عاقلٌ على ممارستها. تجربة مرعبة لا يخوضها إلا القليل من الناس، فمَن ذا الذي يجرؤ على رؤية ذاته وهي عارية إلا من ذاته!



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة