عبد الحميد بن باديس.. مجدد مصلح أم شيخ خاضع للاستعمار؟!

يتردد اسمه أكثر من أي شخصية تاريخية أخرى.. واليوم تعود الجموع لتصدح بأشعاره وكلمات رفاقه في مواقف عديدة من الحراك الذي يعرفه الشارع الجزائري هذه الأيام، يصفه محبوه بالمجدد المصلح وصانع جيل الثورة، بينما ينفي ذلك عنه بعض مخالفيه لعبارات نشرت على بعض الجرائد التي أشرف عليها ولعلاقة والده بالاستعمار الذي قلده وسام الشرف.. فمن هو عبد الحميد بن باديس إمام مصلح مجدد أم مجرد شيخ خاضع للاستعمار؟

 

ولد عبد الحمد بن باديس في الرابع من ديسمبر من العام 1889 في عائلة مرموقة قدمت للجزائر العديد من الحكماء والعلماء والقادة والأمراء والقضاة والفقهاء.. عائلة ٌ حرصت على تربيته وتنشئته على حب الدين والعلم واللغة والوطن، حظي عبد الحميد بعناية شديدة من والده واشتهر الابن ببره لوالديه وحبه للناس من حوله وغيرته وامتعاضه مما يفعله المستعمر الفرنسي بأبناء وطنه خصوصا ً مع تردده على حلق القرآن وتشربه لمعانيه. لمّا قوي حفظ ابن باديس للقرآن وازدان سلوكه به قدمه شيخه محمد المداسي لإمامة الناس في صلاة التراويح بعد أن ختم القرآن وهو في سن الثالثة عشرة.

 

جالس عبد الحميد الكثير من الشيوخ والعلماء في فترة حفظه للقرآن وإمامته للناس لتلقي مبادئ العلوم العربية والإسلامية. ترك هؤلاء الشيوخ في نفس ابن باديس أثرا ً بالغا ً فعندما ظهر لشيخه حمدان الونيسي القسنطيني نبوغه وتفوقه حرص على ألا يكون أداة في يد السلطات الاستعمارية فأوصاه بأن يطلب العلم للعلم لا للوظيفة وعاهده عبد الحميد بذلك ألا يقرب أي منصب لدى الحكومة الفرنسية.

 

بدأ الشيخ عبد الحميد ابن باديس طريق نضاله في الجزائر بإلقاء الدروس في المساجد، حيث كان يرى أن ْ لا طريق لتحرر البلاد من المستعمر دون تحريرٍ للعقول مما بثه فيها من جهل وتشويه

دفع حب ابن باديس للعلم وشغفه بعلوم الشريعة واللغة إلى الانتقال إلى جامع الزيتونة بتونس عام 1908 ليواصل دربه في طلبه والاستزادة منه، فجلس هنالك بين يدي ثلة من علماء وكبار مصلحي تونس ورموز فكرها وعلى رأسهم العلامة الطاهر بن عاشور والشيخ محمد النخلي القيرواني وغيرهم.. يسطع نجم عبد الحميد من جديد ويظهر تميزه وإجادته فيقدمه أساتذته في جامع الزيتونة للتدريس ليصبح بعدها عبد الحميد بن باديس الإمام والشيخ! أكسبته هذه التجربة مكانة كبيرة وعلما ً واسعا ً جعله يشنف أسماع الحضور بإلقاء درس في المسجد النبوي حضره علماء من مختلف أقطار العالم الإسلامي في العام 1913.

 

وفي المدينة المنورة التقى مجددا ً بشيخه الأول حمدان الونيسي فاستأنس بوجوده وآثر البقاء معه بالمدينة إلا أن العلامة حسين أحمد الهندي أشار عليه بضرورة العودة إلى الجزائر والنضال لأجلها لما رأى فيه من علو ٍ للهمة وقوة وتمكن من مختلف العلوم بالإضافة إلى حسه الوطني وحبه للاصلاح. وافق الشيخ عبد الحميد على رأي العلامة الهندي وزاده ذلك عزما على المضي في طريق الدعوة في الجزائر إلا أنه مكث فترة يسيرة في المدينة ليكون ذلك المكوث فرصة لأهم لقاء في حياة ابن باديس، لقاء ٌ يرسم له طريقا جديدا في الدعوة والنضال ومحاربة الاستعمار ويجمعه برفيق الدرب الشيخ محمد البشير الابراهيمي.

 

ظل ابن باديس طيلة فترة إقامته بالحجاز ملازما ً للشيخ البشير ملازمة تبلورت فيها العديد من الأفكار حول النهضة بالجزائر من جديد وبعث روح الإسلام فيها وصيانة هويتها، ملازمة ً كانت مقدمة لمحطات عديدة هي الأبرز والأهم في حياة ابن باديس الدعوية. في العام نفسه عاد ابن باديس إلى الجزائر، وتنقل في طريقه بين مجموعة من المدن العربية ليلتقي علماء كثر ويتعرف عليهم كما خط له بعضهم إجازات علمية.

 

بدأ الشيخ عبد الحميد ابن باديس طريق نضاله في الجزائر بإلقاء الدروس في المساجد، حيث كان يرى أن لا طريق لتحرر البلاد من المستعمر دون تحريرٍ للعقول مما بثه فيها من جهل وتشويه. لم يكن عمل ابن باديس محصورا في نطاق المسجد بل اتسع ليشمل نواحي َ عدة ويسلك سبلا ً شتى تمر بمختلف فئات المجتمع وأطيافه وتأسس فيها من جديد للشخصية الجزائرية التي عكف الاستعمار سنين عديدة يحاول جاهدا محوها ومزجها بالألوان الفرنسية. حرص ابن باديس في بداية طريقه على تعليم البنات ودعوة آبائهم لإرسالهن للجمعيات التعليمية وضمان مجانية التعليم لمن لا تستطيع منهن دفع التكاليف.. وفي ذلك يقول: "إذا علَّمتَ ولدًا فقد علّمتَ فردًا، وإذا علَّمتَ بنتًا فقد علّمت أمّة". وفي هذا النهج خصص درسا ً للنساء في الجامع الأخضر بقسنطينة وفي عدد من مساجدها.

 

يطرق ابن باديس عام 1924 بابا آخر بإصداره لجريدة الشهاب التي تطبعها المطبعة الإسلامية الجزائرية التي أنشأها عبد الحميد كذلك ثم يطلق بعدها بسنة واحدة جريدة المنتقد التي حملت الشعار: "الحق فوق كل أحد، والوطن قبل كل شيء". نال شباب الجزائر وأبناؤها الحظ الأوفر من دعوة ابن باديس، فكان لهم معلما ومرشدا ً في مختلف الميادين ما جعلهم ينصبونه كرئيس شرفي لأول مؤتمر كشفي ينعقد في الجزائر عام 1930.

 

وفي الوقت الذي كانت دعوته تقوى وتمتد، كانت فرنسا ماضية في سياستها التي ترمي إلى صناعة جيل مقطوع الأواصر عن سابقيه من آباء وأجداد جاهلا ً بتاريخهم نابذا ً لتراثهم، ليسهل عليها تجسيد مخططها الرامي لجعل الجزائر "جزءا ً لا يتجزأ من فرنسا" فبعد تسع سنوات من منعها تعليم اللغة العربية في الجزائر أقامت في الذكرى المئوية للاحتلال 1830 – 1930 احتفالات كبرى معلنة بها محو معالم الهوية الجزائرية وطمسها إلى الأبد… كان لهذه الاحتفالات الاستفزازية الأثر البالغ في نفس ابن باديس فانطلق ضاربا ً في طول البلاد وعرضها يجمع علماءها ويشحذ همم زعمائها وأشرافها فتكللت جهوده في الخامس من ماي 1931 بالانجاز الأكبر في مسيرته بتأسيس "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" التي هزت الجزائر من جديد بشعارها "الإسلام ديننا، العربية لغتنا، الجزائر وطننا".

  

توفي بن باديس في السادس عشر من أفريل عام 1940 تاركا ً للجزائر إرثا ً عظيما في ميادين مختلفة وإسهامات كبرى في تحرير العقل الجزائري من براثن الاستعمار وأغلاله

جمع الشيخ عبد الحميد حوله كثيرا ً من العلماء من مختلف ربوع الجزائر وجهاتها وحرص أن تكون الجمعية جامعة ً لمختلف المذاهب والآراء. رغم ماكانت تزخر به الجمعية من رجالات وعظماء من أمثال محمد البشير الابراهيمي والعربي التبسي والطيب العقبي ومبارك الميلي والفضيل الورتلاني وابراهيم بيوض وغيرهم إلا أنهم جعلوه قائدا ً لهم فكان أول رئيس لجمعيتهم واختاروا البشير الابراهيمي ليكون نائبا ً له.  أشارت جمعية العلماء على البشير الابراهيمي بالاستقرار في تمسان للدعوة فيها فالتحق بها عام 1932 فكان سندا ً وامتدادا لدعوة عبد الحميد ابن باديس في الغرب.. ففي خريف 1937 دعا البشير ابن باديس ليشرف معه على افتتاح منارة علمية كبرى أسموها "دار الحديث" وجعلوا بها مسجدا ً ومدرسة ً للتعليم.

  

كان عام 1938 عاما ً مشهودا ً ففيه ختم ابن باديس تفسيره للقرآن في مدينته قسنطينة، حيث ظل مثابرا ً على تقديم دروس التفسير التي سماها "مجالس التذكير" طيلة 25 عاماً أقيمت بانتهائها احتفالات كبرى بالمدينة. بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939 قررت السلطات الاستعمارية ايقاف مجلة الشهاب بسبب ماكانت تنقله عن مكائد القوى الاستعمارية وعلاقتها بالبعد العربي والإسلامي والقضية الفلسطينية. هذه التضييقات لم تثن ِ ابن باديس عن المضي قدما ًفي دعوته، فشق لنفسه رفقة أبناء مدينته طريقا ً آخر أسس فيه واحدا ً من أعرق النوادي الكروية في الجزائر وهو نادي شباب قسنطينة، وكان هذا واحدا ً من الأعمال التي قام بها في آخر حياته عام 1939.

  

توفي بن باديس في السادس عشر من أفريل عام 1940 تاركا ً للجزائر إرثا ً عظيما في ميادين مختلفة وإسهامات كبرى في تحرير العقل الجزائري من براثن الاستعمار وأغلاله.. مسيرة وأعمال تؤكد كلها بما لا يدع مجالا للشك أن ابن باديس لم يؤمن يوما ً بفرنسية الجزائر وأن بعض المنشورات لم تكن سوى مرواغة للمستعمر وقتالا ً له على الجبهة الأهم وعدم حرق للخطوات التي تؤدي للمواجهة المباشرة الناجحة التي تمت فيما بعد على يد من تشبعوا بفكره وصُـنِعوا على أعـْـيـُـنـِـه فجمعيته "تعين فرنسا على تمدين الشعب" إن كانت فرنسا "صادقة" في ذلك دون أن تقر بجرائمها أو ترسخ أفكارها بل كانت الجمعية الرافض الأول لها بكل أشكالها… ويكفيه أن اشتهر على لسانه دون غيره قوله:"لو قالت لي فرنسا قل لا إله إلا الله ما قلتها" فالجزائر "ليست فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، فهي بعيدة عنها كل البعد في لغتها وأخلاقها وفي عنصرها ودينها".



حول هذه القصة

هو ابن باديس الذي رفع شعار جمعية العلماء المسلمين الجزائريين؛ “الإسلام ديننا، العربية لغتنا، الجزائر وطننا”، الشعار الذي لخص تاريخ أمة في ثلاث كلمات، وأعادها إلى محضنها الطبيعي جغرافيا وتاريخيا.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة