أكتب عن الكآبة لتجنبها

في البداية خطر لي وأنا في حالتي هذه أن أوجه لنفسي سؤالاً مباشراً: ماذا لو تحققت كل أهدافك في الحياة؟ كل التغييرات التي تصبو إليها أفكارك، هل سيجلب ذلك السعادة لك؟ وكانت الإجابة واضحة وقاطعة: لا! عندما انقبض قلبي، وهوى كل ما بنيته في حياتي، فقد كانت سعادتي دائماً تنبع من سعيي الدؤوب لتحقيق الأفكار التي أحلم بها، فكيف لي أن أشعر بأي فرح أو اهتمام بما أقوم به؟ بدا وكأنني فقدت ما كنت أعيش لأجله. أملت في البداية أن يكون الأمر غيمة تعكر صفو حياتي مؤقتاً ثم ترحل عني، لكنه لم يكون كذلك مطلقاً. لم يجد النوم العميق نفعاً في التخلص من تلك الغيمة، كانت تلاحقني أينما ذهبت ومهما فعلت، فتنغص عليّ رفقة أحبائي وتفاصيل حياتي، وبمرور الشهور كانت الغيمة تزداد كثافة.

 

هكذا وصف جون ستيوارت ميل اكتئابه في مذكراته، وللأسف فعل. فلو لم يصف اكتئابه بهذا الدقة، لتمنيت أن أكتبها أنا كاستهلال أو حتى ما يشبهها، لكنه للأسف فعل! ولا يسعني الآن إلا أن استشهد بكلماته، على الرغم من أن حالات الاكتئاب لها خصوصيتها الشديدة والتي تختلف من شخص لآخر، ومن سبب لآخر، إلا أني وجدت في تساؤل ميل ضالتي وسؤالي، فلا يقين عندي كالذي عند جوخ حينما قال إن البؤس لن ينتهي، ولا فلسفة أرسطو لكي أقول إن الكآبة سمة المبدعين من الفلاسفة والنابغين والشعراء والفنانين، ولم أملك الإيمان القوي حتى أصف طريق العودة لروحي الحائرة إن كانت قد تاهت من الأساس. لم أجد أكثر من تلك الملفات التي تتحدث عن الاكتئاب والكآبة، بتنوع شديد، مما يتأكد حديثنا السابق بأنها حالات شخصية شديدة التفرد.

 

لذا كان من الطبيعي حينها أن أجد اختلاف شديد من حالة لآخري، إلا أن السمة المشتركة دائماً كانت المعاناة، أو كما وصفها الوزير والكاتب البريطاني تيموثي روجرز بأنها "أسوأ أنواع العلل، وإن المخاوف والمشاعر التي تصاحبها مريعة وعصية على الوصف". ويصفها الكاتب وليام ستايرون في كتابة الذي اختار عنوانه بدقة (ظلمة جَليَّة) تلك المشاعر العصية والمريعة بأنها تؤدي إلى الانتحار دوماً، لأنّ المرء لا يستطيع تحَّمله فتره طويلة، كما إن الألآم التي يتسَّبب فيها الاكتئاب لا يمكن تخيُّله من جانب من لم يُجَّربه.

 

الصمت الدائم كان بمثابة حديث مطول لا ينتهي من جلد للذات، ورؤية قباحة الحياة كما هي دون تلميع. فلا أخفى عنكم أن حالتي كانت في تدهور يوم بعد الآخر، ليس على المستوي النفسي فقط

لكن للحقيقة ما وجدته مريعاً وعصياً، كان القدرة على التجدد، بمعنى، تجدد الحالة النفسية والرغبة في الاستمرار والمحاولة، كأنك تمني نفسك بحدوث شيء فيخذلك، فتعود لتحاول مرة أخرى فيخذلك، في كل مرة تسقط فيها آمالك، تفقد جزء من روحك إلى أن تفقدها كلها بالتدريج. ما أجده تفسير لوصف أندرو سولومان الذي كتبه لمجلة (ذا نيويوركر) يقول فيه إنه أصبح خائفاً من الذهاب إلى الحمام، ففي كل مرة يريد فيها الذهاب إلى الحمام، يراجع في ذهنه الخطوات اللازمة للوصول للحمام، فيرى تلك الخطوات، وكأنه يصعد إلى مشنقة.

 

قد يجد البعض من الغرابة في وصف سولومان لحالته شيء من المبالغة، فكيف تحول الذهاب إلى الحمام إلى مشكلة بتلك الحجم، بالطبع لقد ذهب للحمام من قبل آلاف المرات، لم تكن تلك الخطوات ما تغيرت بل هو من تغير. ما شعر به سولومان وصفه طبيب النفس الألماني ايميل كريبلن، في إحدى كتبه عن مشاعر المصاب بالاكتئاب فيقول "إنه يشعر بالعزلة والتعاسة، وكأنه مخلوق حرم من قدرة، يعيش في حالة استسلام كامل تغلق في وجهه كل أبواب الأمل، فيعيش أيامه بصعوبة، يرفض كل شيء، كل ما حوله مصدر للقلق، فيرى في كل ما حوله الجانب المظلم والمتاعب التي قد تنشأ.

أما الأشخاص المحيطون به فجميعهم مخيبون للآمال، ويعاني من صدماته في علاقته بهم واحدة تلو الأخرى، ويحاصره شعور بالتفاهة والضآلة فتتسرب إلى رأسه فكرة التخلص من حياته دون أن يعلم السبب، غير أن كل ما يعلمه أن شيئا ما قد أنكسر داخله". وصف الطبيب كريبلن يشابه كثيراً، وصف شكسبير لحالته على لسان هاملت حينما قال "لقد فقدت مرحي وحيويتي، لم أعد أستطيع الحراك، تبدو لي الأرض النابضة صخرة صماء قبيحة، أما هذه السماء الرائعة؛ تلك القبة المرصعة بالنجوم الذهبية الملتهبة، فلا أرى فيها أي جمال، تبدو لي مجرد فضاء يحفل بالقذارة والسموم" مما يثبت أن الغرابة ليست جزء من حياة المكتئب فهو لا يشعر ولا يرى مثل غيره.

 

أذكر جيداً أول يوم شعرت فيه بتلك السوداوية، كانت بعد انقضاء عام آخر من أعوامي المحدودة، بعد أن فرغت من تلقي الأمنيات الروتينية، صادقة كانت أو حتى من باب العادة. تساءلت في لحظة صدق عما كان عليه عامي المنصرم وما سيكون عليه المقبل، كجزء من تقيمي للذات، من تلك التي لا تستغرق سوى بضع دقائق في العمر بأكمله، لم أجد أفضل الشمس المظلمة لاصف عامي المنقضي، أما بخصوص المستقبل القريب ففرصة السحالي على الطيران أكبر من فرصة حدوث شيء جيد.

 

لا أحد يستطيع أن يلقى بكل ما اعتم رؤيته ونهش روحه ببطيء، لتلك الأيام الماضية، ولا يقدر أن يشير بإصبع الاتهام إلى وطن أو أهل أو حتى الحياة في ظلال الإنسانية المستعارة. كم بدت تلك المبررات مناسبة لإلقاء التهم عليها، صدقاً وتلفيقاً. فهي على كل حال ليست سوى كلمات صماء لن تحججك، ونحن كبشر نرتاح لإنساب الفضل لحكمتنا ولقدرتنا، وننسب الشر إلى ما هو ابعد بكثير عن قدراتنا البشرية المحدودة، إلا أن اكتئابي كان اشد وطأه من تلك التي يتعايش معها أكثر من نص سكان الدول النامية.

 

نظرتي للحياة، الصمت الدائم كان بمثابة حديث مطول لا ينتهي من جلد للذات، ورؤية قباحة الحياة كما هي دون تلميع. فلا أخفى عنكم أن حالتي كانت في تدهور يوم بعد الآخر، ليس على المستوي النفسي فقط، فاكتئابي تحول إلى طاقة تدمير لكل ما هو حولي وكل ما لا يوافق هواي. لم تعد لدي قدرة على التحايل والرشاقة في الأحاديث والنقاشات، قدرتي على كبح افكاري وكلماتي التي تجول بعقلي توقفت، فأصبح الطريق ممهد بين عقلي ولساني، تخرج الكلمات دون فلاتر أو تجميل. تحولت إلى طاقة سلبية مدمرة لكل ما هو حولي، لا يصمد أمامها المتفائل بضع دقائق حتى يحمل ما يفوق طاقته من الكآبة، فاستمرت حتى أصبحت منفرًا، لا يرغب احدًا في مصاحبتي ولا أرغب في أحد، فلا تحسبني ألقى باللوم على أحد، فالحقيقة أنى لم أكن ارغب ايضاً في مصاحبتي.

 

تخيل معي، شخص حكم عليه بالسجن مدي الحياة، كعاده أفلام هوليود سيكون سجنه عصي على الاختراق أو الخروج، ألا أن السجين فضل الهروب، حاول على مدي أعوام طوال عمل حفرة في غرفته، معتقدً بأن تلك الحفرة سبيلة للحرية. وبعد عده سنوات من الآمل استطاع الهرب، نجح أخيراً في مبتغاه، لكن وجد نفسه في صحراء لا نهاية لها، تقتل ولا تقتلها الخطوات. في تلك اللحظة ليس أمامه سوي الصحراء والسجن مدي الحياة خلفة، الغريزة تقول إن السير في الصحراء أفضل من العودة للسجن، وبعد عدة أميال من الركض والسير بلا أمل، وجد بناء على مرمي البصر فأسرع نحوه، إلا أنه حينما وصل وجده سجن آخر، فهرب وعاد للسير، وفي كل مرة يظهر له الآمل يقترب منه، فيجده تحول إلى سجن، وهكذا، حتى يقرر العودة بنفسه إلى سجنه ليموت فيه، لكنه الآن لن يحاول الخروج منه مرة أخرى في بعض الأحيان.
 

للحقيقة أدرك أن الحديث عن الكآبة لا ينتهي، ولن ينتهي، التحدث فقط هو كل ما أردته، أن أكتب ما يجول داخل عقلي من حروب وصراعات. فبعد كل ما قرأته عن الاكتئاب وما أكثره، إلا أنّى لم أجدني فيه، لم أجد فيما قرأته صدىً لما يقال بدخلي، فربما من خط تلك المئات من الكتب لم يخوضوا تلك التجربة، وإن مر بعضهم بها؛ فلكل منا تجربة ولكل منا مأساة يكتبها، لذا فقد خطرت ببالي تلك الفكرة.. لماذا لا أكتب عن الاكتئاب، فربما قد أشفي منه، وإن لم أكن مريض من الأساس فقد أتجنبه. لذا فإن كنت تشعر بما شعرت به، أبحث عمّن يستمع لك، أو اكتب عنها ربما تجد من يتفهم، لا تكتم ما تشعر به ولا تخجل؛ ففي آخر المطاف كلنا مرضى وكلنا نحتاج للعلاج.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة