كنت تلميذا.. وكان هذا رأيي!

طاولة وطبشور وصبورة، هل هذا كل ما يحتاجه أستاذ للتدريس؟ قاعة بأربعة جدران، هل هذا أفضل مكان يتلقى فيه التلميذ دروسه؟ جالسا لساعتين أو أقل أو أكثر، بلا ضحك ولا وقوف ولا كلام أحيانا، هل هذا أفضل جو للتعليم؟ هل للأستاذ دور آخر غير تلقين الدروس؟ وهل للتلميذ دور آخر غير تلقي الدروس؟ وهل للأسرة دور آخر غير ملء محفظة التلميذ؟ وما نوع التواصل الذي ينبغي بين الأبوين والأستاذ؟ ثم ما واجبات الدولة اتجاه الأستاذ والتلميذ والآباء؟ وما مدى تأثير الأسرة في جودة التعليم؟

أسئلة حضرني بعضها وغاب عني بعضها الآخر، ومن المؤكد أن الجواب عن بعضها أو كلها أو حتى غيرها، قد ناقشه مختصون وتطرقت له كتب مختصة، لكن وفي أيام يستمر فيها غياب الأساتذة المتعاقدين في المغرب عن أقسامهم وامتلاء شوارع الرباط بهم، تتجدد في ذهني كل هذه الأسئلة التي لم يترفع عنها بعد واقع مدرستي. ليس بلسان مختص، ولا بقلم باحث في المجال، لم أكن أستاذا أو معلما، لم أخض تجربة تعليمية ولم أكن فردا من طاقم تعليمي، بل أظن أني كنت أهم من ذلك، كنت عنصرا أساسيا ومحوريا في منظومة التربية والتعليم، لقد كنت تلميذا، وبعد أكثر من عشرين عاما من ممارسة التلمذة، أنا أيضا، لي رأي.
 

كنت تلميذا، لكني لم أشعر يوما بالحرية، كنت أريد أن أتعلم دون قيود، أن أقف من مقعدي قليلا، أو أن أنجز التمرين المطلوب خارج القسم تحت أشعة شمس تداعب أوراق الأشجار التي تملأ الساحة

بعد تخرجي على يد أستاذي الأول، أمي وأبي، جلست في طاولة، لأول مرة أمام أستاذي الثاني، فأنا تلميذ منذ صرختي الأولى، وكلنا تلميذ منذ ولادته، بل وكلنا تلميذ مجد مثابر وطموح، قبل أول عتاب على الخطأ الأول، وقبل أول تهكم على الزلة الأولى، وقبل أول تقزيم أو استصغار لجهدك أو جوابك أو ردة فعلك، من أم أو أب أو أستاذ، من هنا، يولد فينا التلميذ المتردد الخائف الخجول، ويموت فينا التلميذ الطموح.

كنا جميعا، تلميذا يحرك الفضول فينا ملكة التعلم، ويحفز حب الاستطلاع فينا روح الاكتشاف، وتنمي رغبة التواصل فينا مبدأ المشاركة، وتصنع غريزة السؤال فينا قوة المعرفة، ولم يكن دور الأستاذين الأول والثاني، في الأسرة ثم في المدرسة، إلا صون تلك الخصائص فينا. وعلى النقيض من ذلك، كان دور الأسرة والمدرسة هو التضييق على الفضول الذي جبل الله عليه كل إنسان، وليس منطق العقاب، الذي كان يسمو فوق منطق المكافأة، إلا سببا من أسباب موت روح التلميذ التساؤلية وبالتالي المعرفية، فأول ما يحتاجه التلميذ أو الطفل التلميذ، من أجل أن ينمو الفضول وغريزة السؤال فيه، هو تشجيعه على أبسط مبادرة، لا معاقبته على أبسط زلة، ومكافأته على أبسط إنجاز، لا مقاضاته على أبسط خطأ.

لقد كنت تلميذا، ولا زلت أتذكر ذلك الفرق الشاسع بين أستاذ لا ينطق لسانه إلا بتشجيع أو تحفيز، كانت قيمة أخطائنا عنده هي الأسمى، ولم نكن نتردد في أن نجيب و نتفاعل، أن نخطأ ثم نصيب، فخطؤنا عنده كان فرصة لمحاولة أخرى، وصوابنا عنده، كان فرصة لسؤال آخر. كان شبح الخطأ عندنا يكبر فقط عند أستاذ كل كلامه عتاب واحتقار، نعم فقد كانت بعض الحصص فيلما من أفلام الرعب، كان الأستاذ يسألنا عن كل شيء، ولم نكن نملك شجاعة أن نجيبه عن أي شيء، فقد كنا في نظره مخطئين قبل أن نخطأ، كنا لا نسأل في حصته إلا عن جرس الخروج، كان ملاذنا الوحيد. الأسرة ليست بعيدة في نظرتها للخطأ عن المدرسة، فالخوف من الخطأ الذي تكرسه المدرسة في نفس التلميذ، يتأسس على يد الأستاذ الأول في البيت، وبالتالي تصبح المنظومة التربوية والتعليمية تسير عكس التيار الذي ينبغي لبناء جو معرفي وتربوي سليم، ليصبح الخوف من الخطأ رمحا ينخر قيمة التحصيل. ألا ينبغي إذا أن يوضع لفلفسة الخطأ، مقاربة تربوية تؤسس لمنهاج يرقى بقيمة التلقين؟

كنت تلميذا، لكني لم أشعر يوما بالحرية، كنت أريد أن أتعلم دون قيود، أن أقف من مقعدي قليلا، أو أن أنجز التمرين المطلوب خارج القسم تحت أشعة شمس تداعب أوراق الأشجار التي تملأ الساحة، أو أن يعيد علينا الأستاذ درس تلاقح الزهور في حديقة ما خارج المدرسة، لكني كنت أرى في أفكاري مجرد تراهات لا غير، فقد علمونا، أن التعليم عملية لا يقوم لها مقام خارج جدران القسم، حتى رأيت أمثلة حية لدول ارتقت بقيمة مدراسها ومؤسساتها التعليمية، لا بالرقابة على التلميذ والأستاذ، بل بالحرية التي تسمح للأستاذ في أن يبدع في عملية التلقين، وللتلميذ في أن يرتاح في عملية التلقي.

كنت تلميذا وكم كنت أهوى أن أقف أمام زملائي لتقديم عرض بسيط عن موضوع ما، وقد كان بعض الأساتذة يخلقون فرصا لنا لإنتاج المحتوى التعليمي حتى، إما في شكل عرض أو مسرحية أو جدارية، وعلى الرغم من أن التردد كان يملأنا ولكننا كنا نذوق متعة المساهمة في الإنتاج المعرفي تحت تشجيع الأستاذ، كانت نوع آخر من التعلم، جعلني أتساءل، هل دور التلميذ يتلخص فقط في التلقي؟ وحتى إن كان، فلا بد أن يرتقي التلقي إلى أشكال أخرى من أشكال التعلم الأكثر فاعلية، التي لا تقتصر فقط على البناء المعرفي، وإنما تتعداه إلى الشخصي والنفسي والسلوكي أيضا.

كنت تلميذا وكنت محظوظا عندما انخرطت في مكتبة الإعدادية التي كنت أدرس بها، وعلى قلة رووادها، قررنا بتشجيع من مسيرة المكتبة، تنظيم مسابقة ثقافية بين تلامذة المؤسسة على غرار ما نراه في قنوات الأطفال الإذاعية، فعلنا ذلك أكثر من مرة حتى قرر الأساتذة تنظيم مسابقة كبرى بين كل مستويات المؤسسة مخصصين لذلك يوما خاصا، كان يوما استثائيا لكل التلاميذ، لم يكن ذلك جزءا من مناهجنا أو مقرراتنا التعليمية، لكنه كان أهم درس تلقتيه في تلك المؤسسة، كنت ولا زلت أؤمن بأن الأنشطة التعليمية الموازية لا بد أن تأخذ مكانها في مناهجنا التعليمية بل وأن تحتل حيزا مهما فيها، لابد أن يستشعر التلميذ أن التعلم والتلقي المعرفي هو أمتع ما يقوم به، لا بد أن يستشعر الأستاذ أن بناء العقول هو أسمى وظيفة يقوم بها، لا بد أن يستثعر الأبوان أن التربية هي أهم دور يمارسانه، ولابد أن يدرك المجتمع، أن صناعة الإنسان هي أهم صناعة ترقى بالبلد. كنت تلميذا، وكان هذا رأيي..



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة