دواء منتهي الصلاحية.. ولكن!

BLOGS دواء

إن عالم الدواء واسعٌ، متمدد، لا يحده مكان، ولا يستوقفه زمان؛ إذ يعج بالجديد دائمًا، الذي لا يوافقه جديد في أي مكان آخر، فهذا هو تاريخ انتهاء الصلاحية، الذي يعد بمثابة خط أحمر، لا يمكن تجاوزه في التعامل مع أي منتج آخر، لكننا هنا في -عالم الدواء- عالم العجائب، والغرائب، الذي تشيع فيه الخرافات، والأكاذيب، أسرع من شيوع الحقائق، والمسلمات، قد سمعنا، بأصوات متعالية، متزايدة، تنادي من بعيد، من بلاد العلم، والحضارة الغربية، بإمكانية استخدام الدواء بعد انتهاء صلاحيته، وما إن وصل الصوت إلى أسماع أهل الخرافة، والتنجيم، في بلادنا، المغبونة في الجهل، حتى تزاحمت صفحات فيسبوك المجهولة، التي تزعم تقديم معلومات طبية نافعة، بدعوات عامة، واسعة، دون رابط أو ضابط، "أن انتبهوا يا عرب! فإن الدواء لا انتهاء لصلاحيته". هكذا جاءت لفظة دواء عامة، دونما تخصيص، أو بحث أو تمحيص؛ فالدواء الذي يحمل أكثر من عشرة أشكال، ما بين: شراب، وأقراص، وحقن، ونقط، ومعلقات، وغيرها الكثير، اُختُزِل في لفظ واحدة ضيقة، فما هي القصة؟ وهل يمكن استخدام الدواء بعد انتهاء صلاحيته دونما ضرر؟ وأي الأشكال الدوائية ينطبق عليها الحكم؟ وما الدليل العلمي لذلك؟

كيف بدأت القصة؟

تعود فكرة انتهاء صلاحية الأدوية في تواريخ محددة إلى ما يقرب من نصف قرن على الأقل (1979) عندما بدأت إدارة الغذاء والدواء FDA في مطالبة الشركات المصنعة بإضافة هذه المعلومات إلى الملصق؛ لضمان عمل الأدوية بأمان وفعالية للمرضى، ولتحديد العمر الافتراضي للدواء الجديد، تقوم الشركة المُصنعة، باختباره تحت كافة الظروف والعوامل، مثل الحرارة، والرطوبة، والضغط، ثم تقترح شركة الأدوية تاريخ انتهاء الصلاحية على إدارة الغذاء والدواء FDA حيث تقوم بمراجعة البيانات للتأكد من أنها تدعم التاريخ وتوافق عليه، ولكن العجيب أنه على الرغم من الاختلاف الكبير في تركيب الأدوية، إلا أن معظمها "تنتهي صلاحيته" بعد سنتين أو ثلاث سنوات فقط.

بداية المعضلة!
تنخفض فعالية الدواء تدريجيًا بشكل طفيف، بدءًا من لحظة تصنيعه، غير أن الأدوية منتهية الصلاحية لم تفقد بالضرورة فعاليتها؛ فتاريخ انتهاء الصلاحية هو فقط تأكيد على أن الفاعلية المحددة سوف تستمر على الأقل حتى ذلك التاريخ

في عام 1985 بدأ سلاح الجو الأمريكي دراسة ثم مددها لاحقًا لتشمل خدمات عسكرية أخرى في أوائل التسعينيات؛ إذ جمع الجيش مخزونًا كبيرًا من الأدوية بقيمة تزيد عن مليار دولار كانت قريبة من تواريخ انتهاء صلاحيتها أو تجاوزتها، ولا أحد يريد التخلص من هذه الأدوية باهظة الثمن، التي قد لا تزال آمنة وفعالة؛ لذلك نُفذت الدراسة، واختُبرت الأدوية على نطاق واسع مع الإشراف من قبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA، وجاءت النتائج، مذهلة، وصادمة؛ فمعظم الأدوية بنسبة قاربت 90 في المائة كانت لا تزال جيدة، وصالحة للاستخدام، رغم انتهاء صلاحيته، كما هو مدون عليها، لكن هذا، لا يعني أن الدواء جميعه، صالح للاستخدام بعد انتهاء صلاحيته.

وقفة!

قبل تجاهل تواريخ انتهاء الصلاحية على الأدوية، هناك بعض الاحتياطات الهامة التي يجب وضعها في الاعتبار:
1. كانت هذه الاختبارات لكفاءة الدواء في منتصف الثمانينات وأوائل التسعينيات، ومن المحتمل أن الأدوية الحديثة لم تمثل لمثل هذه الاختبارات.
2. اُختُبِر حوالي 100 دواء فقط، وكان الكثير منها عبارة عن عقاقير نادراً ما تستخدم من قبل أشخاص ليسوا في الجيش مثل الترياق للتسمم الكيميائي والمضادات الحيوية للملاريا.

التفسير العلمي

في الحقيقة، تنخفض فعالية الدواء تدريجيًا بشكل طفيف، بدءًا من لحظة تصنيعه، غير أن الأدوية منتهية الصلاحية لم تفقد بالضرورة فعاليتها؛ فتاريخ انتهاء الصلاحية هو فقط تأكيد على أن الفاعلية المحددة سوف تستمر على الأقل حتى ذلك التاريخ، وتُظهر الأبحاث الجارية أنَّ الأدوية التي يتم تخزينها في الظروف المثالية، تحتفظ بنسبة 90 في المائة من فعاليتها، لمدة خمس سنوات على الأقل بعد تاريخ انتهاء الصلاحية المحدد، وقام الباحثون مؤخرًا بفحص عينات من 8 أدوية انتهت صلاحيتها قبل 28 إلى 40 عامًا وتضمنت 15 مكونًا نشطًا مختلفًا، كانت المكونات النشطة التي اختبرت هي: الأسبرين، الأمفيتامين، الفيناسيتين، الميثاكوالون، الكودايين، البوتالبيتال، الكافيين، الفينوباربيتال، الميبوبرومات، البنتوباربيتال، السيكوباربيتال، الهيدروكودون، الكلورفينيرامين، والأسيتامينوفين. وأظهرت النتائج أن 11 (79 في المائة) من المركبات الدوائية (14) كانت موجودة دائما في تركيزات لا تقل عن 90 في المائة من فعاليتها.

ولكن!

1. الأدوية السائلة مثل المحاليل، المعلقات، الشراب ليست مستقرة كالصلبة مثل الأقراص، والحبيبات، والكبسولات وبالتالي فإن الأدوية التي يتم تحضيرها عن طريق إضافة مذيب مثل المضادات الحيوية للاستخدام عن طريق الفم، لا تستخدم بعد انتهاء تاريخها.
2. أدوية العيون، لا يكون العامل المؤثر استقرار الدواء، ولكن استمرار قدرة المادة الحافظة على تثبيط نمو الميكروبات، ولذلك لا تستخدم بعد انتهاء الصلاحية.
3. الحقن التي أصبحت غائمة أو غير ملونة أو تظهر عليها علامات الترسيب، لا تعطى، ولا تستخدم، على أي حال.
4. أدوية لا ينبغي أبدًا استخدامها بعد انتهاء صلاحيتها، الفينوباربيتال، النتروجليسرين، الوارفارين، الثيوفيلين، الديجوكسين، التيتراسيكلين، وسائل منع الحمل عن طريق الفم الإيبينيفرين، الإنسولين، نقط العين؛ فالعيون حساسة بشكل خاص لأي بكتيريا قد تنمو في المحلول بمجرد أن تتحلل المواد الحافظة. المضادات الحيوية مثل الأموكسيسيلين والأزيثروميسين والسيفالكسين والدوكسيسيكلين، فقد تساهم في زيادة مقاومة المضادات الحيوية وفشل العلاج، لعل الأمور اختلطت عليك بعض الشيء، ولكن حتى نفصل هذا الجدل، دعنا نطرح السؤال الصعب: هل يمكن تناول الدواء بعد انتهاء صلاحيته؟

الإجابة!

تقول الحكمة أنَّه إذا كانت حياتك تتوقف على دواء محدد، ويجب أن تحصل على 100 في المائة من القوة الفعالة، فمن الأفضل أن تتبع الحكمة التي تقول "الصحة قبل المال"؛ فالأدوية التي تعالج أمراض مزمنة خطرة، قد تؤثر على حياتك، لا يمكن التهاون معها، والأفضل ألا تفكر في تناولها طالما جاوزت تاريخ صلاحيتها؛ لأنها إن لم تعالج فستضر، وربما تقتل، ولكن إذا كانت حياتك لا تتوقف على دواء منتهي الصلاحية -مثل أدوية الصداع أو نزلات البرد أو الإمساك- فيمكنك تناول الدواء، ما دمت تلتزم بالقواعد التي ذكرناها سابقًا، وتبتعد عن الخطر، ولا تقلق، فلن يتحول الدواء في هذه الحالة إلى سم، وربما تكتشف أن هناك خدعة ما.