المرأة وعلمنة الجسد!

BLOGS فاشونيستا

امرأة ترتدي لباسًا برَّاقًا لامعًا، تنتعل حذاء الكعب العالي، وفي يدها شنطة آخر صيحة، يبلغ سعرها تكلفة مرتَّب شخص متوسِّط الحال في بلدها، نعم هؤلاء ما يُسمُّوا بـ "الموديلز أو الفاشونستا"، حيث الصُّورة ذات الجودة العالية في سماءٍ زرقاءَ نقيَّة، تنعكس على مُقلتيها، ووقفة تستعرض فيها قوامها الممشوق، وتوحي بكذب أنَّها التُقطت على حين غِرَّة، على الجانب الآخر يُشاهدن تلك المشاهد التَّمثيلية نساء جالسات على أريكة بيوتهن، في غرفة فوضويَّة، بعينين ناعستين، وجلد مقشّف، يبدو عليهن الإعياء من فرط الإرهاق، يُحملقن في صورة "الفاشونستات العرب"، وتراودهن الأحلام المؤجَّلة، حسنًا سنُحيد صورة النساء المراهقات جانبًا، ونتحدَّث عن موجة انتشرت في الآونة الأخيرة، موجة الموضة والجمال.

سنح لي الوقت بالدخول إلى عالم "الإنستغرام" لأرى ما لم أره من قبل، نساء من بنات بلدتي لديهن نهم التَّصوير بمظهر برَّاق، وإفشاء أماكن الشِّراء، وإلقاء المواعظ والنصائح للمتابِعات، لم أدرِ ما علاقة الموضة بالنصائح العصماء اللاتي يكتُبْنها، ربما لتُعمِّق صورتها أكثر؛ وأن تحاول جاهدة إقناع الجمهور بأنَّها جميلة شكلاً ومضمونًا، فأصبح التَّمحور حول الذَّات هو المركزيَّة الأساسيَّة للظهور بمظهر معيَّن يُجسِّده القوام، تحدَّث المفكِّر الكبير عبد الوهاب المسيري -رحمه الله- عن "علمنة الجسد"، وكيف حوَّل المرأة في الوطن العربي من كونها زوجة أو أمًّا إلى "أنثى"، أي تمركزت حول ذاتها، وتحوَّل مفهوم الأسرة من الكينونة الواحدة إلى كينونة الأفراد، حيث يريد كل فرد فيها أن يشبع رغباته المنفردة.

كما ندري أنَّ نصف حل المشكلة هو إدراكها، فهذه محاولة لإدراك مآلات الوضع الإنساني بين المرأة وعلمنة الجسد، وبين معطيات الصورة المرئيَّة والحقيقة الكامنة فيها

اكتسب الشكل الخارجي القيمة المرجعيَّة لدى النساء، فمثلا تعدَّدت نظم الغذاء (الرِّيجيم) من كاراطاي للكيتو للـ ppd للقيمات وغيرها؛ للوصول بالجسد إلى الشكل المثالي، ضمن أُطر المرجعيَّة المجتمعيَّة، والتي لا تتناسب إطلاقًا مع طبيعة جسد الأم المترهِّل والنَّاتئ في جوانبه، فأعيد تعريف الجسد الإنساني بشكل يُلائم الوظائف الماديَّة، ولا يُلائم الوظائف الإنسانيَّة، لأن المقاييس هنا مقاييس آليَّة، هندسيَّة وظيفيَّة، فخلق المجتمع عالم مضبوط معمليًّا يجعل الإنسان ينفر من كل ما هو إنساني، ومفهوم الإنساني هنا؛ هو ما لم يتدخَّل فيه عمليَّات التَّغيير والإزالة والتَّحويل.

وتنعكس صورة الرأسمالية للـ "فشونستا" في اكتناز مبالغ ماليَّة ضخمة، لتشتري فستاناً جديدًا أو حذءًا رقيقًا من أعلى الماركات كلَّ فترة قصيرة، موجِّهةً كافَّة رأس المال لديها لإتمام المَهمَّة على أكمل وجه، ممَّا يضعها في ضغط اجتماعي ومالي ونفسي عظيم، فالمُتابِعات لا يرون حياتها الحقيقيَّة، ولا آلامها ولا محاولات توفير هذا المال الذى يؤسِّس العمليَّة! يرون فقط صورة قد تكون أُعيدت عشرات المرَّات حتى تحصد "الموديلز" إعجابات كثيرة، أزيلت صورتها الإنسانيَّة وأعيد تركيب صورة أخرى جامدة، لا تكون للمشاعر والآلام فيها سبيل.

تحيا "الفاشونستا" حياة "الصورة"، يحكم الناس عليها من خلال صورتها وكمّ الفساتين لديها، فيرسموا صورة ذهنيّة كاملة عن شخصيتها، ضحكاتها، أسلوب حديثها، حتى إذا قابلها أحدهم وجدها خاوية من كل تلك الهالة، "الفاشونستا" امرأة وكل النساء تمرض، وتملّ وتكتئب، ولكن ليست كل النساء تُمحور حياتها حول امتداد قوامها ومساحيق التجميل، وإن كانت ظاهرة والظاهرة تنتشر سريعًا، وبقوة. وبجانب علمنة الأجساد تعلمنت الرِّياضة بدورها؛ لأنها أصبحت وسيلة للوصول بالجسد إلى الشَّكل المطلوب الذي يُرضي المجتمع، فأصبحت هدفًا لتنحيت الجسد والحصول على قوام مثالي، والحصول على ميداليات والدخول إلى أرقام قياسيَّة، وخلى مضمونها من تهذيب النَّفس والجسد، لا تهذيب هنا بل تنحيت!

تمركز هذا التَّنميط في عقل الرجل أيضًا، إمَّا بالوصول بجسده إلى فتولة العضلات، وإمَّا بالنَّظرة الآملة إلى زوجته لتصبح كالممثِّلات الفاتنات والمشاهير، فقد نحَّى النَّظرة الإنسانيَّة لكونها أمًّا، وقد تغيَّرت ملامحها وتبدَّل جسدها؛ كنتيجة حتميَّة للولادة والرِّضاعة، وطبيعة الحياة مع الأطفال، فتصدَّع الصِّراع الداخلي داخل كلِّ فرد من أفراد الأسرة، بين رجلِ ينفر من مظهر زوجته، وزوجة تأمل في مظهر "الفاشونيستا" ولا تحترم معطيات الظروف، وبين هذا وذاك مجتمع يفترض افتراضاته. وكما ندري أنَّ نصف حل المشكلة هو إدراكها، فهذه محاولة لإدراك مآلات الوضع الإنساني بين المرأة وعلمنة الجسد، وبين معطيات الصورة المرئيَّة والحقيقة الكامنة فيها.