شعار قسم مدونات

عندما كتب نزار قباني "بالسِّكين"!

مدونات - نزار قباني

لم تتمحور مواضيع قصائد نزار قباني حول المرأة والحب فقط، بل كتب قصائد سياسية ووطنية متميزة تركت صدى واسعا وإعجابا منقطع النظير، تداولتها ملايين الألسن المصادرة في الوطن العربي، لأنها وجدت فيها التعبير الحقيقي عن واقعها المؤلم المعاش، وكانت تلك القصائد كالسياط الحارقة التي ألهبت ظهور الطغاة والجلادين الذين وجدوا فيها تحريضا للجماهير المضطهدة في أوطانها للتخلص من ظلمها وقهرها، فإتهموه بـ"ضلال البوصلة وافتقاد صاحبها إلى الوجدان الوطني أو القومي السليم". فهل كانت قصائده فعلا مُؤْدِية في دلالتها أم مؤَدِّية للغرض الإصلاحي المنشود؟ وكيف تلقى القارئ والناقد موجة الثورة الدلالية في قصائده؟

كانت نكسة يونيو 1967 هي المحرك الأوّل في تحوُّل نزار قباني حيث غادرت قصيدته موضوعها الأثير (المرأة) لتدخل معترك السياسة برؤية جديدة، مختلفة عن السائد في هذا المضمار، تحوَّل فيها إلى مرحلة الكتابة "بالسّكين" -على حد تعبيره- وهي المرحلة التي تبدأ بنعي سابقتها: "أنعى لكُمْ نهايةَ الفِكْرِ الذي قادَ إلى الهزيمةْ"، "لا تَقْرَأوا أشعارَنا لا تَقْبَلوا أفْكارَنا"، حيث وضع حروفه على مكمن الجرح العربي ووضّح أنّ تلك الهزيمة كان سببها الحقيقي القهر والذل والخنوع، والخرافات التي كان العرب يعيشونها قبل أن يدخلوا المعركة، لذا أراد أن يخلّص الأجيال اللاحقة فكريا وعقائديا من هذا الجيل الفاشل يقول: "العروبة عندي ليست ديكورا ثقافيا أو عقائديا أو رداء تقليديا، فهذه عروبة كاريكاتورية تصلح لحفلات عرض الأزياء، هذه العروبة هي التي قررت منذ زمن بعيد أن أطلق الرصاص عليها، ومن له شكوى فليتقدم بها إلى البوليس".

حاول نزار منذ البداية أن يكتب شعرا متميزا لا يشبه فيه أحد ولا يرتدي فيه عباءة الشعراء الآخرين، بل خرج من عباءتهم ليلبس زيّه الخاص به، فشِعر نزار قباني يمثل موضوع هجاء الأثير لدى الجماعة

وشكلت قصائده (خبز وحشيش وقمر) و(هوامش على دفتر النكسة) خضة في المجتمع العربي لما تضمنته من واقعية وقسوة وجرأة، وكانت سببًا في جدال ضخم انتشر في دمشق ووصل حتى قبة البرلمان، نتيجة اعتراض بعض رجال الدين عليه ومطالبتهم بقتله، فما كان منه إلا أن أعاد نشرها خارج سوريا، وهذا ما خلّف في نفسه شعورا عنيفا بالإحباط، الأمر الذي دفعه إلى كتابة قصائد أكثر تمردا أروعها: (السيرة الذاتية لسياف عربي) وقصيدة (أحمر أحمر أحمر) وقصيدة (أبو جهل يشتري فليت ستريت) وقصيدة (تقرير سري جدا من بلاد قمعستان) وقصيدة (لماذا يسقط متعب بن تعبان في امتحان حقوق الإنسان).

إن القاسم المشترك بين هذه القصائد هو الوصف الدقيق للصورة التي يستلطفها القارىء ويجري وراءها بحكم مازوخية الشاعر، هي صورة الشعب العربي الخامل الذي يتمدد كفقمة أمام بوابة التاريخ، يشاهد الداخلين الى حرمه يبنون مآثرهم وهو قابع مكانه مخدرا يبيع الشعارات، وينفق عمره باللهو الغيبي، وصورة الحكام العرب الذين تسلطوا على شعوبهم دون وجه حق وعضوا على كراسيهم بالنواجذ إلى النفس، يقول في "السمفونية الجنوبية":

إياك أن تقرأ حرفا من كتابات العرب
فحربهم إشاعة وسيفهم خشب
وعشقهم خيانة ووعدهم كذب
إياك أن تسمع حرفا من خطابات العرب،
فكلها نحو وصرف وأدب

كما نجح في تصوير المقاومة المسلحة بعد الهزيمة، إذ عدّها نهضة جديدة للعرب بعد النكسة، فافتخر بـ"فتح" و"المقاومة" و"حرب تشرين" و"المقاومة اللبنانية"، من غير أن يترك أسلوب الهجاء والتعرّض للعرب، ورأى في تشرين ثورة وأفق فكري جديد للعرب: "تبين‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬العرب‬ ‬يريدون‭ ‬أن‭ ‬يحملوا‭ ‬السلاح‭ ‬ضد‭ ‬التخلف‭ ‬والغيبوبة‭ ‬والاندثار". لقد فتح نوافذ الحرية، وكان في تعبيره عن "أطفال الحجارة" رؤية تنبض بالأمل والفرج وتحقيق النصر بالكفاح المسلّح، والتخلص من الضعف، فهو دائما ينتظر ذلك العربي المنقذ الوافد من رحم الزمن، من اليرموك، من حطين، من بدر، من القادسية:

آه يا جيل الخيانات…
ويا جيل العمولات…
ويا جيل النفايات…
ويا جيل الدعارة…
سوف يجتاحك-مهما ابطأ التاريخ- أطفال الحجارة…

لكن هذه المرحلة سرعان ما تتراجع بعد حرب لبنان 1982 حيث يجد نزار أن المتسبب في هذه الهزيمة هم العرب الذين أباحوا للأغراب هذه المدينة العريقة، وأسهموا في خرابها، فوجّه خطابه إليها وحدها كي تنهض بذاتها من كبوتها لتنتصر على الأعداء. وللمرأة حضورها المميّز في قصائد نزار السياسية كرمز ودلالة، فهي المدينة والوطن، إنها البطلة المناضلة "جميلة بوحيرد"، وزوجة الشهيد الصابرة "أم يوسف"، وهي الطفلة الفلسطينية البريئة "نوار"، وبالتأكيد هي بلقيس زوجته التي ماتت بتفجير السفارة العراقية في بيروت، فكتب قصيدته الشهيرة "بلقيس" التي تحولت إلى قضية ورمز.

وقد حاول نزار منذ البداية أن يكتب شعرا متميزا لا يشبه فيه أحد ولا يرتدي فيه عباءة الشعراء الآخرين، بل خرج من عباءتهم ليلبس زيّه الخاص به، فشِعر نزار قباني يمثل موضوع هجاء الأثير لدى الجماعة، لهذا يبدو وعظياً إصلاحياً متقدماً قليلاً على شعر الإصلاح في عصر النهضة لناحية جرأة أفكاره، ولغته الأكثر معاصرة والأكثر تقطيراً ونحتاً للمفردة وانتقاء مخملياً بديعاً لها، وهذا ما أقرّه حسين بن حمزة: "أذاق العرب صنوفًا من التقريظ جامعًا بين جلد الذات وجلد الحكام، في طريقة ناجعة للتنفيس عن الغضب والألم".

الأمر الثاني: استخدامه لرموز بسيطة يعرفها القارىء جيدا، لذلك ينسجم معها ويستوعبها، وربما يضيف اليها من عنده، كما يستلذ في عملية تعريتها، لابتعادها عن التركيبية. ولعل الأمر الثالث يكمن في براعته في التصوير الحسي، والنطاق الخيالي الواسع الذي يخطف القارئ إلى عوالم ساحرة كان يعجز عن دخولها لافتقاره إلى سحر الكلمة وإلى الإثارة الشعرية، يقول سعيد عقل "تشرب قصيدة نزار قباني كالماء الزلال".

وأمر آخر اللغة البسيطة المفهومة ولكنها مختارة لتأدية المعنى المرغوب، منتقاة للإيحاء بالأثر المنشود، وهذا ما جعل حسين بن حمزة يلقبّه بـِ"أحد آباء القصيدة اليومية": إذ قرّب الشعر من عامة الناس، فكان شاعرا في نثره، وصحافياً في شعره، بمعنى أنه مؤلف بارع يواكب الأحداث، خطابياً في قصيدته، فقد كانت لغة الشعر قبل نزار متعالية، بيروقراطية، بروتوكولية، لا تصافح الناس إلا بالقفازات البيضاء فجعلها تتخلى عن إرستقراطيتها. حتى قال عنه جبرا ابراهيم جبرا: "هذا الشعر الذي يستجيب له حتى الذين لا يفقهون الشعر، فتراه في كل بيت وعلى كل لسان، لا يمكن أن يكون مجرد لعبة لفظية يتلهى بها هؤلاء الناس".

undefined

وفي واقع الأمر إن نزار قباني كان شاعرا ملتزما بالموسيقى لم يتمرد على موسيقى الشعر، وكان يفرق بين القصيدة الموزونة والنص النثري، وفي أغلب مواطن شعره ظلت قصائده ملتزمة بمظهرها وجوهرها. ومن خصائص قصائده الشكلية أيضا استلهامه الموروث في مختلف أشكاله (الدينية والتاريخية والأدبية والأسطورية والشعبية) والاستعانة بألفاظ ذات دلالة غير مقبولة اجتماعيا، كما عند الشاعر مظفّر النوّاب، فهو شاعر راءٍ يشاهد الحقيقة ويتصل بها ويحل فيها ويمثلها بالرُّؤى والرموز والاستعارات، وهذا ما جعل مارون عبود يخاطبه قائلا: "في شعرك قصص ابن أبي ربيعة، وحسن ختام قصص أبي نواس، وحلاوة كلام جرير، وفتك بشار العقيلي".

ويبقى نزار مَعْلَمًا هامًا من معالم المشهد الشعري المعاصر، رغم المزالق التي وقع فيها ومحصّها النقاد بدقة أوّلها "انفعاله الحماسي" مع تفويت واضح للرؤية حتى سفح فنيته على مذبح المضمون، وهذا أيضا ما أدّى إلى وقوعه في "الرّصف" الذي جعل شعره ينسج على نول واحد، مع "وصفية" مفرطة يكرّر فيها الصور لدرجة الملل، هذا بالإضافة إلى آفة "النثرية التقريرية" للدرجة التي يفقد فيها الكلام رونقه فيخبو بريق الإيحاءات.

نزار قباني الذي رحل عن دنيانا بجسده سيبقى ممتدا بجدور ابداعه في وجدان هذه الأمة، وسيظل ذلك الرجل الذي تمرّد على المألوف ليأتي لنا بما يبعث على الدهشة، كيف لا وهو الذي رمى بنفسه من فوق سطح المنزل ليكتشف الشعور بالسقوط، لكنه ارتفع بعدها مُحلّقا في سماء الشعر والأدب! نزار قصّ طربوش أبيه الأحمر بالمقص لأنه تضايق من شكله الإسطواني! وحرّر أيضا القصيدة من شكلها القديم! نزار كسر ظهر سلحفاة المنزل بالمطرقة، ليعرف أين تخفي رأسها، ثم كسر بنية القصيدة واكتشف بعدها أين تخفي جمالياتها! فكانت مفاتيحه للشعر بالثورة التي أحدث بها خلخلة وتشققاً وكسوراً في كل المورثات الثقافية والنفسية والتاريخية، وبالجنون الذي فكّك به ساعة العقل القديمة وعارض به كل الأحكام القراقوشية الصادرة ضده.
———————————————————————————————————————–
المصادر والمراجع:
1) ايليا الحاوي: نزار قباني، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1973، في جزأين.
2) جبرا ابراهيم جبرا: النار والجوهر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط3، 1982، مقال "الحب معاصرا، الحب خارجا عن الزمن". (ص117 – ص 156).
3) سهيل ادريس: مواقف وقضايا أدبية، دار الآداب، 1977، "ملاحظات على قصيدتين"، ص 140- ص 148.
4) مارون عبود: نقدات عابر، دار مارون عبود، ودار الثقافة، بيروت،1967. مقال "قصائد" ص 67- ص 72.