حراك الريف والهروب من معرفة الحقيقة

blogs حراك الريف

حراك الحسيمة رغم بساطة مطالبه، إلا أنه فتح نقاشا مجتمعيا أبان عن تخوف الجميع من معرفة الحقيقة. والغريب في الأمر، كل المكونات السياسية؛ إلا ما رحم ربي؛ سارعت إلى تصفية الحسابات فيما بينها خصوصا: حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة. وكل طرف يحاول تبرئة نفسه واتهام الآخر، متناسين فتح تحقيق ونقاش حقيقي، يعمل على حل الأزمة المعيشة.

 

يحدث كل هذا مع استذكار لما حكي لنا أو قرأناه في الكتب عن أزمة الريف 1958 و1959 والصراع الدائر بين الاحزاب السياسية وقتها في تغليب الاتجاه الذي يُلصق التهمة في حزب الاستقلال وزعيمه علال الفاسي وحده. إن النقاش حول أحداث 58 و59 لم يخرج بنتيجة متوافق عليها، وكذا كثير من الاحداث التي عرفتها منطقة الريف أو المغرب عامة. واليوم ينضاف إلينا حدث أخر ليفتح النقاش من جديد، لكن نتأسف كثيرا للأسلوب المتعامل به والذي يشبه الطريقة التي عولجت به الأحداث السابقة والتي أثبتت عدم جدواها، لسبب بسيط وظاهر لكل متتبع هو: أن كل الأطراف لا يودون معرفة الحقيقة كما هي مع تهربهم من المسؤولية، لعل تحويل النقاش في الإعلام ومحاولة تحميل المسؤولية لحزب الأصالة والمعاصرة في كل ما آلت إليه الأوضاع أو لحزب العدالة والتنمية، خطوة لن تُقدم البلاد إلى الامام، بل كل هذا لا يمنعنا من تحميل جزء من المسؤولية لهذين الحزبين، خصوصا حزب العدالة والتنمية، لأنه تحمل المسؤولية بعد دستور 2011.

 

يمكن القول بضرورة تحديد المفاهيم أولا والاستقرار على موقف بخصوص القضاء المغربي حتى يتسنى للمتتبع اتخاذ القرار الصائب في الوقت المناسب، وأيضا لتتضح الرؤية وطريقة الاشتغال

إن التفكير في حل للأزمة أضحى واجب عين، لذا لابد من استحضار معطى مهم هو أن الفساد الذي طال البلاد لعقود لا يمكن تجاوزه باتخاذ بعض الإجراءات، لكن لابد من فترة زمنية قد تطول لعقود وليس لسنوات. مع التذكير بضرورة الحسم في أمر مهم هو: إن عملية المحاسبة على ما مضى ستأخذ منا الوقت الكثير وستضيع فرصة الإصلاح رغم أن جل من تحمل المسؤولية يستحق اقصى العقوبات، ما يجعلنا نستحسن بدل ذلك العمل على إيقاف عملية الإفساد وتغييرها بعملية الإصلاح التدريجي الذي يتطلب نفسا طويلا. لكن، حسب ما تسارعت به الأحداث واستجد من الأحكام في حق المعتقلين على خلفية حراك الريف مع تأكيدها في الاستئناف، يرجح الكثير من المتتابعين عدم الاهتداء إلى الحل، بل ما يزيد القضية احتقانا تلك الاخبار المنبئة بكارثة إنسانية إن استمر الاضراب عن الطعام والماء من طرف بعض المعتقلين.

 

لكن إلى حدود هذه الساعة، يصعب علينا معرفة مواقف الهيئات السياسية والنقابية والمنظمات الحقوقية من ملف المعتقلين ولو بدا للجميع تعاطفهم، وهذا عائد لتذبذب المواقف والآراء حول استقلالية القضاء المغربي. لأن التساؤل حول جدية مواقف جل المنظمات يُطرح بشكل أكثر في الوقت الراهن. وتنزيلا للمقولة: بالمثال يتضح المقال، نجد الأحزاب المكونة للتحالف الحكومي لم يستقر لها حال حيث اتهمت قيادتها الحراك بالفتنة والعمالة والانفصال، كما نجد قيادات حزبية من نفس التحالف تتضامن مع الحراك؛ اما على المستوى المحلي أو الوطني، كل هذا يجعلنا نتساءل عن مواقفهم خلال الجلسات المغلقة مع مسؤولي الدولة خصوصا وزارة الداخلية.

 

كما نجد هيئة الدفاع، غلبت الخطاب السياسي والعاطفي في ملف حراك الريف، ولم تكلف نفسها التعامل بشكل قانوني وواضح يكشف للرأي العام مدى جدية الحجج المقدمة من طرف خصوم نشطاء الحراك، ولا الكشف عن الخروقات المرتكبة من طرف المحكمة بشكل دقيق وملموس لأي متتبع. وهنا لا يمكن المرور بدون التوكيد على التخبط الحاصل في معالجة حراك الريف على المستوى السياسي أو الامني أو القضائي، لاسيما أن تداخل الأحداث والارتباك المتكرر جعل جل المتابعين يعتقدون عدالة ملف المعتقلين، لكن ما ينقصه رغم كل المجهودات المقدمة هو: قوة الترافع القانوني في الوقت المناسب مع اصطحابه بنشر الوعي القانوني والقضائي بشكل أوسع وابين.

 

بل من المفارقات التي صاحبت هذا الملف هو التصريح باستقلالية القضاء وعدم استقلاليته من طرف نفس الاشخاص حسب الظروف. ولعل من القضايا التي تزامنت مع ملف الحراك؛ إما قبله بقليل أو بعده؛ القضايا التالية: قضية الصحافي بوعشرين، قضية ايت الجيد، إصدار الأحكام في قضية العيون اكديم ازيك، حادثة عبد الله باها والزايدي وغيرها من القضايا… وهذا الامر كفيل بجعل التساؤل مفتوح بخصوص بعض الاشخاص والرموز ومدى قناعتهم باستقلالية القضاء من عدمه!

  

ختاما، يمكن القول بضرورة تحديد المفاهيم أولا والاستقرار على موقف بخصوص القضاء المغربي حتى يتسنى للمتتبع اتخاذ القرار الصائب في الوقت المناسب، وأيضا لتتضح الرؤية وطريقة الاشتغال. ليكون المطالبة بإصلاح المنظومة القضائية والغاء جميع الاحكام؛ خصوصا المتعلقة بالملفات السياسية؛ في حالة اثبات عدم استقلالية القضاء، إما في الحالة المعاكسة فالواجب مطالبة هيئات الدفاع والمحكمة نشر الحجج والبراهين في القضايا التي حازت اهتمام الرأي العام وتعاطفهم. لان الكيل بمكيالين أمسى اأمرا عاديا خصوصا عند الفاعل السياسي لتحقيق مصالح ضيقة في اغلب الاحيان.

  

كلماتي هذه، ستجد قلوبا مستقبلة واخرى رافضة. لكن واجب الوقت في كل الاحوال هو: تقديم مبادرات تفتح الافاق وليس محاكمة سرائر الأشخاص عند اي اختلاف معهم. اللهم ارزقنا المنطق والعمل به.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة