"فضائح السّيسي بيه"

خلال عمليّة جرد شامل للمخازن، عثر موظّفو مؤسّسة روز اليوسف على نسخ من كتاب كان عنوانه صادما ممّا دفعهم لإعدامه وفرمه بعد تدخّل جهات أمنيّة. هو الخوف وحالة الرّهاب من الكلمة الحرّة الّتي تجعل الأنظمة المستبدّة تستنفر أجهزتها لوأدها والإجهاز عليها حتّى ولو كانت محتشمة أو مبطّنة أو في قالب نكتة ساخرة، وهي الّتي تجعلها تعتقل مواطنا وقف وحيدا بصمت على جانب الرّصيف وهو يرفع يافطة يعبّر فيها عن رأيه في تعديلات دستوريّة يجري عليها استفتاء هذه الأيّام.

كتاب "فضائح السّيسي بيه" الّذي تمّ التخلّص منه بحرقه لدفن ما فيه من إسقاطات وإيحاءات تشير إلى السّيسي جعلت دخانه ينتشر ليعمّ الآفاق لتنتبه العيون وتزكم الأنوف برائحة تضاف إلى تلك المنبعثة من مزبلة الواقع. والغريب أنّ ما تعيشه مصر في بعض تفاصيله كتبها استباقا بعض أدبائها وتحدّث عنه بعض خطبائها، سنوات قبل حدوث الكارثة. فكيف تحوّلت مصر إلى مسخرة العالم كما قال الأستاذ حازم صلاح أبو اسماعيل، وتحقّقت فضائح السّيسي بيه كما كتب المسرحي الإعلامي يوسف عوف واقتربت من مآلات يوتوبيا الدّكتور أحمد خالد توفيق؟

فضائح السّيسي بيه في الكتاب
السّيسي يكذب مثلما يتنفّس فهو من أكّد مرارا أنّه لن يترشّح لمرّة ثانية ولن يعدّل الدستور للبقاء في الحكم، وليست هذه كذبته الأولى ولن تكون الأخيرة

أصدر المسرحي والإعلامي المتميّز يوسف عوف أحد روّاد كتّاب الفكاهة في مصر وصاحب الأعمال الكوميديّة الرّاقيّة كتابا عنونه "فضائح السّيسي بيه" ليصبح عنوانا لكلّ فاسد. كان ذلك سنة 1994 وصف فيه صورة لبطله تماثل أو تكاد السّيسي وكأنّه يعرفه عن قرب بل ضمّنه بعض التّفاصيل من صفاته الخَلقية والسّلوكية راسما خطوط شخصيته المتميّزة بالسّطحية والنّفاق والكذب والوصوليّة والأنانيّة المفرطة، وممّا يزيد الأمر غرابة أن ذكر أنّ له ابنا باسم محمود! كانت إسقاطات مباشرة لا تخطئها عين على سيسي حقيقي موجود حاليا على أرض الواقع مع أنّ الكتاب صدر منذ ربع قرن وهو ما جعل من عثر على الكتاب يسارع بإعدامه بعد استحالة إعدام كاتبه الّذي لحظّه توفّي سنة1999.

أمّا المبدع الرّاحل الدكتور أحمد خالد توفيق فقد رسم في يوتوبيا وصفا دقيقا لما تعيشه مصر حاليا وربّما لما ستؤول إليه الأوضاع في السّنوات القادمة، ولعلّ تسامح السّلطات تجاه أثره يفسّر بأنّ المعذّبين لم يكتشفوا بعد غدر علاء بن مراد بك وصديقته جرمينال لجابر وصفيّة أو أنّ استشعارهم لذلك لم يبلغ درجة كافية ليحصل الانفجار. وتبقى كلمات الأستاذ حازم صلاح أبو اسماعيل الّتي ردّدها في بعض حواراته ترنّ في الآذان وكأنّه كان يطلق صفّارات الإنذار لخطر داهم وسوء مآل لكن للأسف لم تؤخذ مأخذ الجدّ ولم تحض بما يجب من الاهتمام. قد يكون الصّدق ودقّة التّشخيص والبصيرة ما جعلتهم يصيبون إلى حدّ التّوفيق في استشرافهم لمستقبل مصر، هي كلمات رسمت على صفحات وصدعت بها حناجر واصفة لواقع تجلّى في بعض جوانبه وفي طور التحقّق بصورة تكاد تكون مشابهة أو أبشع و أفظع.

فضائح السّيسي بيه في الواقع

تعيش مصر هذه الأيّام على وقع استفتاء لتعديل الدّستور يسمح للسّيسي بتوسيع صلاحيّاته وتمتين قبضته وتمديد فترة حكمه إلى حدود سنة 2030، بل ومن المنتظر تأبيد حكمه الفردي المتسلّط بما أنّ الرّجل يبحث عن حلول لمشاكل المصريين سنة 2050! ليست المرّة الأولى الّتي تعرف فيها مصر استفتاء فقد شهدت ثمانية في السّابق كانت محسومة النّتائج إلاّ واحدا خلال فترة الرّئيس الشّرعي المنتخب ديمقراطيّا الدّكتور محمّد مرسي الّذي انقلب عليه السّيسي ليجهض أوّل تجربة ديمقراطية عاشتها مصر بعد ثورة 25 ينايرالمجيدة بمساعدة متآمري الدّاخل والخارج وبتمويل من ممالك النّفط وبمباركة من الصّهاينة وغضّ طرف من مجتمع دولي منافق بل وبتواطئ منه.

معلوم أنّ من خان وانقلب على الشرعية لا تهمّه شرعيّة دستور أو علويّة قانون وأنّ الاستفتاء والصّندوق هي شكليّات وألاعيب يضحك بها على الذّقون. السّيسي يكذب مثلما يتنفّس فهو من أكّد مرارا أنّه لن يترشّح لمرّة ثانية ولن يعدّل الدستور للبقاء في الحكم، وليست هذه كذبته الأولى ولن تكون الأخيرة، فهو في حدّ ذاته تشكّل لكذبة كبرى وتحقّق لأكبر عمليّة تحيّل وتغيير وجهة لمصر وقد صنع على أعينهم لأجل مهمّة بعينها وهي تدمير مصر بشكل ممنهج وسيستمرّ في ذلك حتّى إتمامها بشكل كامل.

من قتل وخطف وسحل وسجن واغتصب وظلم وقهر واستهان بالدّم والعرض والأرض، لا يستغرب منه أن يكذب وأن يحيط نفسه بآلة رهيبة للكذب والدّجل بل ويشرعن ذلك بفتاوى كهنوت الطّغاة والظّلام فيصبح نعمة الربّ ومفتاح الجنّة. من فرّط في البحر والنّيل وسيناء وتيران وصنافير ويتآمر لتصفية قضيّة فلسطين ويبعث الميراج لقصف الآمنين لا يهمّه سوى ما يقول فيه سيّده ترمب من كونه عظيم ورضا ومباركته سادته "الإسرائيليين" وسيولة تدفّق مال الخليج الوفير. لذلك ما يسمّى بالاستفتاء ليس إلاّ مناسبة احتفاليّة كرنفاليّة للتّعبير عن الولاء والبراء. رقص على نغمة واحدة ونصف، وكراتين للمصوّتين، ويافطات بلا عدّ ومليارات تهدر بسخاء، وطوابير من المفقّرين الجوعى في البطن والفكر يتراقصون ويتدافعون ويتخاصمون لأجل كرتونة مؤونة، ومن الإجحاف تحميلهم كلّ العبء وتجاهل من كان في ذلك سببا واستثمر في تفقيرهم وتجهيلهم.

قال لي صديق مصريّ حرّ ممّن نجوا من وباء الاستحمار المتفشّي وهو يعبّر بحسرة عمّا آل إليه حال مصر: "صرت أخجل من كوني مصريا" هكذا بعد أن كان الانتماء إليها مدعاة للفخر. شعور تعمّق مع شعارات رفعها الأحرار في السّودان وفي الجزائر حيث تبدو إرهاصات لموجة ربيع عربي ثان ليناقشون كلّ المآلات والسّيناريوهات مستثنين المثال المصري، "إمّا النّصر وإمّا مصر" ذاك ما يردّده بعضهم. صارت مصر "الرّسمية" موضوعا للتهكّم والسّخريّة وفقدت لدى العموم ما كانت تمثّله من ثقل ورمزيّة. ولعلّ وزنها الجيوستراتيجي قد جعل أعدائها يستهدفونها بسهامهم ويركّزون جهودهم لإجهاض أيّة بادرة لنهوضها لأنّ في ذلك نهضة لكلّ الأمّة فهي قاطرتها ومحرّكها ،بدونها تستمرّ الكبوة وتزداد الغمّة. فحقيقة بدون مصر لا أمل لثورات الرّبيع في نصر.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة