شعار قسم مدونات

زر المعطف الضائع..

BLOGS كتابة

هل يمكن حقا أن أفضفض لطبيب نفسي وأنا جالسة باستقامة على كرسي جلدي صلب بأرجل معدنية؟ أين الشيزلونج المريحة التي تخيلت أنني سأمدد جسدي عليها باسترخاء؟ أين الإضاءة الخافتة وورق الجدران المزهّر؟ أين الستائر المسدلة والمكتبة الكبيرة ذات العناوين الأجنبية؟

لم تكن هذه العيادة الموحشة شديدة الإضاءة هي ما كنت أتوقعه وأنا أخطط لهذه الزيارة منذ ثلاثة أشهر تقريبا. كان من المستحيل طبعا أن أسمح لمنذر أن يعرف أنني أنوي زيارة طبيب نفسي، ومن المستحيل أن يسمح لي هو بفعل ذلك، ففي النهاية ما الذي ينقصني؟ يسألني منذر ذلك دوما بنبرة عاتبة فيها من الصرامة أكثر بكثير مما فيها من الاهتمام، فأشعر في تلك اللحظة أن كثيرا من الأشياء تنقصني، لكنني أعجز أمام عينيه الباردتين عن تعداد شيء واحد فقط.

 

لا توجد كلمات تصف ما أشعر به، ولا يوجد منطق في كل ما يمكن أن أذكره، فمنذر في النهاية زوج مثالي، وعائلتنا تشبه العائلات الجميلة المطبوعة على أغلفة ألبومات الصور، وحياتنا تسير وفق الخطة، لا أدري أي خطة بالضبط يقصد منذر بقوله ذلك، فأنا لم أضع أي خطة لأي شيء، وكنت دوما أحب أن أعيش كل يوم على أنه يوم استثنائي لن يتكرر، لكن منذر لديه جداول ومواعيد لكل شيء، حتى لعلاقتنا الدافئة وساعات دردشتنا. إن حزنا مفاجئا يجتاحني بلا سبب هو بالنسبة له تهديد لخطته الزمنية المحكمة، فليس ثمة متسع في الجدول لحزن امرأة مدللة ونزقة تصيبها الكآبة دون سبب واضح.

ترددت مرارا وأنا أراجع دليل الأطباء النفسيين وعناوين العيادات في الإنترنت، اتصلت بأحدهم لأخذ موعد ثم أطبقت السماعة في وجه السكرتيرة عندما سألتني عن اسمي

ليس ثمة وقت للثرثرة عن أشياء غير محددة، وللبوح بمشاعر لست أعرف بعد كنهها، فلدى منذر دوما أمور أكثر أهمية من محاولة تفسير عباراتي الغامضة. أنا لا أقصد أن أكون غامضة بالفعل، لكنني لا يمكن أن أحدثه عن الأمور التي تقلقني وكأنني أقدم تقريرا لمديري في العمل، لا يمكن أن أحتمل طريقته في جدولة كل شيء، في تحويل كل ما أقوله إلى معطيات ونتائج، إلى تعدادات وترتيب أولويات، إلى منطق ولا منطق.

أريد فقط بعض الوقت لأمارس حزني الذي لا أفهمه، لأبكي بين يديه بلا سبب، لأشكو كالأطفال من سقوط زر معطفي المفضل، بينما أنا في الداخل مملوءة بالأسى على شيء آخر تماما يلزمني بعض الوقت لأستطيع صوغه في كلمات… نعم، أنا واثقة أنني كنت لأستطيع شرح ما أحس به لو كان لدي فقط بعض الوقت، لو نظر منذر في عيني لدقيقة واحدة بدفء، دون أن يلح علي بالكلام، أو يستعجل لمعرفة أسباب كربتي… دقيقة واحدة فقط ربما كانت لتكون كافية من أجل أن يتحول الحديث النزِق عن زر المعطف الضائع، إلى بوح حار متدفق عن قلبي الضائع في هذه الحياة التي كل شيء فيها مرتب زيادة عن اللزوم…

لكن ولا حتى نصف دقيقة صبر يملكها منذر من أجلي، فأنا مطالبة دوما بقول عبارات منطقية ومحكمة، وبدون تلكؤ، وإلا فإن كل ما أقوله هو نكد وتدلل لا معنى له… ففي النهاية، كم هي سخيفة تلك المرأة التي تعكر جو السهرة اللطيفة مع الأصدقاء من أجل زر معطف ضائع! "من أجل زر! من أجل زر!".. كررها منذر في وجهي عدة مرات فيما يشبه الصراخ المتهكم، فطلبت منه خفض صوته كي لا ينتبه إلينا أحد. قد يكون سقط في السيارة، قد يكون سقط في الخزانة، قد يكون سقط في أي مكان! فتوقفي عن هذه الولدنة يا لمى! امتلأ قلبي بالغيظ، وطفحت عيناي بالدموع، كنت أريد أن أنفجر في وجهه وأطلق العنان لقول كل ما في داخلي، لكنني وجدت نفسي أدافع عن موقفي بانفعال بدا له مضحكا: ولكنك تعرف كم أن هذا المعطف مهم بالنسبة لي!

ابتسم باستهزاء دون أن ينظر في وجهي، ثم غادر وتركني وحدي أبكي في حمام المطعم من أجل زر معطفي الضائع… من أجل مجرد زر! كانت نصف دقيقة واحدة ينظر فيها منذر في عيني لتكون كافية تماما لكي يفهم أن الأمر أكبر من زر المعطف ومن المعطف ومن كل ما يمكن أن يمر في خاطره، لكن منذر لا يملك لي نصف الدقيقة هذه، لذا قررت شراءها بالمال!

ترددت مرارا وأنا أراجع دليل الأطباء النفسيين وعناوين العيادات في الإنترنت، اتصلت بأحدهم لأخذ موعد ثم أطبقت السماعة في وجه السكرتيرة عندما سألتني عن اسمي، وأخذت موعدا بالفعل من طبيب آخر باسمي الحقيقي ثم أخلفته، ولكنني في المرة الثالثة كنت عازمة، بشكل لا يمكن معه التراجع. لدي شوق كبير للكلام، للحديث بحرية، بدون أن ألاحَق بالأسئلة، بدون أن أطالب بتبريرات، بدون أن يراد مني تفسير أشياء وأحاسيس لا أعرف كيف أفسرها… وحين سألتني السكرتيرة عن اسمي، همست لها وأنا أتلفت من حولي، رغم أنني وحيدة تماما في المنزل: اسمي فاتنة!

النافذة المفتوحة، وأبواق السيارات، والبلاط البارد المنقش، والكراسي الجلدية ذات هياكل الكروم لامعة، وخزانة الملفات الرمادية، والملصقات التشريحية الملونة… أين أنا؟؟ هل هذه عيادة عيادة طبيب نفسي بالفعل؟

لقد اختلقت هذا الاسم حالما قررت أن أزور طبيبا يدعى وسيم، فاسما فاتنة ووسيم يليقان جدا ببعضهما، ولا بد للطبيب أن يكون وسيما كاسمه، ولا بد له حين يقرأ اسمي أن يتوقع أني امرأة فاتنة.. وهذا ما حاولت أن أكونه، اخترت فستانا جميلا بأكمام مخرمة، وابتعت حذاء أحمر، ولفلفت شعري، ووضعت أحمر الشفاه، ورسمت الكحل المائي فوق عيني ببراعة…

لم أستطع أن أجد تفسيرا لهذا الانفعال الذي كان ينتابني وأنا في طريقي إلى العيادة، وكأنني في طريقي لمقابلة حبيب، لكن المرأة في حضرة طبيب نفسي تستطيع أن تشعر بأي شيء، وأن تقول أي شيء، بوسعي حتى إخباره عن حماسي وخفقان قلبي وفرحي الغامض… لكن فرحي هذا تحول إلى كثير من الترقب الحذر حالما دخلت العيادة، لأجد رجلا في أواخر الأربعين بشنب وصلعة خفيفة وابتسامة متكلفة يشير إلي بالجلوس إلى كرسي جلدي صلب ذي أرجل معدنية!

"أهلا سيدة فاتنة!"، وسرت في ظهري قشعريرة خوف حين نطق بهذا الاسم، وشعرت أنه سيَكتشف أمري وأن علي الاعتراف بسرعة بأنني كذبت، لكنني تمالكت نفسي وهززت رأسي بابتسامة مرتبكة، وأنا أشعر بصلابة مساند الكرسي تحت زندي… وحالا ضغط الطبيب بإصبعه على زر جهاز التسجيل وسألني: ما المشكلة؟! وبدأ الشريط داخل المسجل يدور.. ما المشكلة؟؟ كررت في نفسي بتردد، وأنا أتساءل: "ولكن أين الشيزلونج الوثيرة التي منيت نفسي بالاستلقاء عليها، ليجلس عند رأسي طبيب وسيم ذو شعر رمادي، ويهمس لي بحنان أبوي يثير لدي الرغبة بالبكاء: حدثيني.. بم تشعرين؟!"

كنت لأعرف كيف أجيب على سؤال كهذا، ولأجل ذلك الاستلقاء اللذيذ على الشيزلونج ابتعت هذا الحذاء الأحمر اللامع، وحلقت ساقي. لكن أملي خاب خيبة كبيرة منذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها العيادة، فالنوافذ العارية عن الستائر، تتدفق منها في فترة الظهيرة إضاءة شديدة تبدو كما لو أنها تفضحني تماما أمام الطبيب، وتجعلني عاجزة عن الحديث عن الزوايا المظلمة في روحي. والجدران المطلية بطلاء أبيض رخيص تبدو كل حفرها وتعرجاتها شديدة الوضوح تماما كما تبدو المسامات والتجاعيد الصغيرة في وجهي من تحت كريم الأساس، وفي زاوية السقف شاهق الارتفاع كنت قادرة على ملاحظة ذلك العنكبوت الأسود طويل الأرجل وهو منهمك في الحياكة غير عابئ بوجودي.

النافذة المفتوحة، وأبواق السيارات، والبلاط البارد المنقش، والكراسي الجلدية ذات هياكل الكروم لامعة، وخزانة الملفات الرمادية، والملصقات التشريحية الملونة… أين أنا؟؟ هل هذه عيادة عيادة طبيب نفسي بالفعل؟! لكن نعم، هذا هو جهاز التسجيل لا زال يدور ويدور، وعيناي معلقتان به بتوتر، وكأنه هو الآخر يستعجلني للكلام، تماما كما يستعجلني منذر كلما تنهدت أمامه بعمق عاجزة عن صوغ شكواي.

"تفضلي احكي، ما المشكلة؟!"، سأل الطبيب مجددا وهو ينزع نظارته الطبية ويحملق في وجهي بنظرة باردة، تشبه نظرة منذر حين يريد إخباري بأن حديثي بدأ يصبح مملا. عدلتُ جلستي ووضعت يدي تحت فخذي وأطرقت أرضا، يستحيل علي قول أي شيء أمام هذا الوجه الصخري… يستحيل علي قول أي شيء أمام هذا الطبيب الذي لم يفتأ يتفحص جداوله على الطاولة ويسترق النظر إلى ساعة يده أثناء وجودي…

"تفضلي سيدة فاتنة، ما المشكلة؟؟"، كرر الطبيب، وجهاز التسجيل يدور، وأبواق السيارات لا تتوقف عن الزعيق، والعنكبوت لا يزال منشغلا بالحياكة، وأردت أن أقول له: "أنا لست فاتنة… لكنني وجدت نفسي أهمس فجأة بصوت مخنوق: لقد ضاع زر معطفي يا دكتور! ثم أجهشت بالبكاء!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.