مسيرات العودة.. الحضور الدولي

blogs غزة

تلعب العلاقات الدولية دورًا محوريًا في نضال الشعوب من أجل الحرية والكرامة، وفي القرن الأخير تقدم تأثير المنظومة الدولية في الشؤون الداخلية لأي دولة بشكل كبير عطل من قدرات الدول على إدارة شأنها الداخلي بحرية. القضية الفلسطينية ذات حضور دولي مركزي باعتبارها تمثل مركز الصراع في العالم اليوم، بل يكاد ينقسم العالم إلى تطبيق على أساسها. للأسف غابت القضية الفلسطينية عن المشهد الدولي منذ سنوات بفعل التفرد الأمريكي والانشغال بالقضايا الداخلية للشعوب، والتسليم للمحتل وموجة التطبيع معه، وتسليم سلطة أوسلو بالأمر الواقع والارتهان للتنسيق الأمني.

 

مسيرات العودة أعادت الاعتبار للقضية الفلسطينية في بعدها الدولي وإعادتها عبر بوابة غزة ومسيراتها إلى طاولة الأمم المتحدة ومجلس الأمن وحقوق الإنسان ومنصات القضاء الدولي فشهد العام الأخير والذي يمثل العام الأول من عمر مسيرات العودة حضوراً لافتاً واستعادة زخم كبير للقضية الفلسطينية. كما غدت غزة مزاراً ومركز ثقل لتحركات دولية عبر بوابة الحل الإنساني وتفاهمات التهدئة، وهذا بحده الأدنى المرغوب دولياً بعدم منح غزة ثقلاً سياسياً في ظل سيادة حماس، ولكن من كان سيطرق باب غزة حتى إنسانيًا لو لم تتحرك الجماهير صوب السلك الزائل لتهتف بحقها في العودة وكسر الحصار؟

 

مسيرة العودة الكبرى أكدت حالة الوعي الشعبي بالمخاطر التي تتعرض لها القضية الفلسطينية رغم المخاض الذي يعيشه الإقليم ومشروع صفقة ترمب لإجهاض الثوابت الفلسطينية إلا أنها ليست كافية ولذا فإنها تحتاج إلى تعزيز من زاوية المزيد من التحشيد ومن ثم الاستثمار عبر مسارات تعبويه شعبية وتوفير من خلال ذلك الدعم والإسناد الشعبي العربي الذي مثَّل ركيزة مهمة في مراحل من الصراع المتعددة ووقف الهرولة العربية الرسمية في العلاقة مع دولة الاحتلال باعتبار التطبيع خيانة. وكذلك على الصعيد الرسمي فإن الحاجة قائمة لتعضيد العلاقة مع عدد من الدول ومنها دول أمريكا اللاتينية بما يمثل رصيداً لصالح القضية، وبالتالي ليس المطلوب الالتجاء لأحلاف نقيض أخرى ولكن تعضيد عموم العلاقات على أساس من مصلحة الشعب والقضية؛ بأن تكون القضية عامل توحيد وليس عامل استقطاب وتثبيت الاستراتيجية الجامعة " نحن مع الجميع طالما تحققت مصلحة القضية ولسنا جزء من أي محاور". ومن ذلك تعزيز العلاقة الضرورية مع مصر والبناء على دورها في الوساطة لتحقيق تفاهمات التهدئة أو أكبر من ذلك بعقد مصالحة مسؤولة سواء في ملحمة غزة الأخيرة أم في عقد صفقة جديدة لوفاء الأحرار أو إمضاء اتفاق 2012م. وبالتأكيد فإن من المهم ملاحظة انعكاس ذلك على معبر رفح الذي يعتبر تيرمومتر هذه العلاقة بحيث يكون مفتوحاً لجميع الناس كل الأوقات وأن يتطور إلى معبر تجاري.

 

صفقة ترمب تمس قضية فلسطين كقضية مركزية وفي القلب منها القدس والضفة، وتستهدف وعي الشعوب العربية والشعب الفلسطيني بحقوقه وخاصة حق العودة

العلاقات الخارجية لا تعني التعامل الرسمي فقط بل تنفتح شعبياً ورسمياً على المحيط الخارجي، وكذلك من المهم فتح قنوات وتعضيد علاقات مع أحزاب وحركات ومؤسسات وشخصيات عالمية لأن غزة مثلت مركزية تضامن عالمي ونقطة استقطاب رئيسية عبر ملحمة مسيرات العودة. وهذا يستدعي استمرار حالة التضامن مع غزة بأشكال وطرق متعددة عبر توظيف حالة التعاطف العالمي اليوم. وهنا لا بد أن يبرز دور للسفارات والممثليات والقناصل الفلسطينية التي بهت صوتها إلى درجة عدم ذكر وجودها. وبالتأكيد فإن هذا التضامن يعتبر مدخلاً رئيساً لمحاكمة مجرمي العدوان، وهذا الدور القانوني يحمل عبئه مؤسسات الشعب الفلسطيني الحقوقية في الخارج والداخل.

 

صفقة ترامب

النسخة الجديدة من مشروع تصفية القضية الفلسطينية تتجسد في ابتلاع القدس والجولان وعلى الطريق الأغوار وأجزاء كبيرة من الضفة وإسقاط حق العودةِ ولعلّ مشهد الأزمات المتلاحقة في غزة هو بيت القصيد للقبول بأي صفقة، أو ربما الذهاب في اتجاه فرض حلول بالقوة العسكرية على غزة التي تبدو الشوكة الأصلب في مواجهة صفقة ترمب، وصورة غزة الملتهبة في 14 مايو 2018 في يوم تقل السفارة المشؤوم للقدس.

 

يتزايد حراك كوشنر/غرينبلات بزيارات سرية وعلنية للرياض والقاهرة وتل أبيب لإخراج صفقة ترمب؛ وعلى ذمة غرينبلات فإن الصفقة الآن في مراحلها النهائية، ومؤخرا الإعلان عنها سيتم بعد انتخابات الاحتلال، ولمزيد استخفاف أن يتم الإعلان الرسمي عنها في ذكرى النكبة هذا الغام 2019، ومن ذلك السعي لخلق نخب إعلامية وفكرية تسارع لترويج العلاقة مع الاحتلال عبر تطبيع مُعلَن في شتى المجالات بما فيها المجال العسكري، وبعض الأطراف العربية تتجاوب تحت وَهْم مجابهة إيران والمحافظة على الحكم، بينما تتخوف أطراف من النتائج مثل الأردن المتخوف أن يصيب الأغوار ما أصاب الجولان، باعتبار المقدسات والوصايا الأردنية عليها ومخاطر الوطن البديل، أو إلحاق كانتونات الضفة به سواء بصيغة فدرالية أو كونفدرالية؛ بينما يبدو عباس في موقف حرج لاهثا خلف مجرد لقاء مع أي سياسي صهيوني وهو يرى سقوط مشروعه السياسي.

 

لن يستطيع أي طرف أو قوة فرض صفقة ترمب على الفلسطينيين، وطالما لا يوجد طرف فلسطيني يقبل ذلك فلن تمرّ الصفقة. ويؤكد ذلك بعض الأكاديميين الإسرائيليين الذين حذروا أميركا وإسرائيل والأطراف العربية المساهمة في الصفقة، بأنهم سيكونون أمام الانتفاضة الفلسطينية الثالثة، كما حدث حينما رفض عرفات في كامب ديفيد عرضًا أكثر تقدمًا من صفقة ترامب، فرفضها الفلسطينيون وفجّروا انتفاضة الأقصى. صفقة ترمب تمس قضية فلسطين كقضية مركزية وفي القلب منها القدس والضفة، وتستهدف وعي الشعوب العربية والشعب الفلسطيني بحقوقه وخاصة حق العودة؛ وذلك يستدعي إعادة الاعتبار لصناعة الوعي العام بمركزية القضية الفلسطينية، وبناء موقف فلسطيني موحَّد وصامد بمصالحة جادة في مواجهة مشروع التصفية، وكذلك استنهاض الشتات الفلسطيني، هذا فضلًا عن النضال القانوني والدولي والإنساني.

 

وفي الميدان؛ فإن القدس والضفة وغزة لها دور خاص في تفعيل أدوات المقاومة كافة، سواء بانتفاضة القدس أو مسيرات العودة، أو غيرهما من أساليب النضال التي هي من حق الشعوب التي تقع تحت الاحتلال. وسياسيًا لا بد من بناء حلف القدس -كجبهة خارجية قوية- من دول وازنة، تقف في وجه الهيمنة الأميركية وفرضها لهذه الصفقة التي تنتقص من حقوق العرب والفلسطينيين. لن يكون سهلاً على أطراف التآمر تمرير أي صفقة مشبوهة تنقص من الحق الفلسطيني، وأن الشعب الفلسطيني وعبر مسيرات العودة يمكن أن يحبط أفعال هذه الصفقات ويقبرها إلى غير رجعة. رسالة مسيرات العودة في غزة إلى الضفة أن التنسيق الأمني لا يمكن أن يعطل انطلاقتكم، وأن النفس الطويل والصبر الحكيم في مراكمة نقاط القوة عبر مسيرات العودة يمكن أن يصل إلى شرارة الانطلاق في الضفة لتثور على مشروع المعازل والكنتونات في داخلها، وتشتعل لصالح حق العودة والقدس في مواجهة مباشرة من نقطة صفر مع الاحتلال لإعادة الاعتبار لانتفاضة القدس وثورة الأحرار في ضفة الأبرار.