تعدُّد الزوجات.. شهوة ذُكورية أم شريعة إسلامية؟

مدونات - زواج

منذ هبوط آدم من جنة السماء إلى أرضِ الكَبَد وجِبِلَّة الاختلاف تسري في جيناته، فلا أحد نتَّفق أو نختلف معه في كل شيء، وإنما هي قواسم مشتركة وأخرى متباينة، وهذه سُنَّة الله في خلقه لا تثريب فيها على بشر. لذلك حينما نتحدَّث عن قضايا اختلفنا فيها، فلا ينبغي أن نعالجها من زاوية منطقية أو عاطفية، لأن الأمور لا تُقاس بالعواطف الجياشة أو بالعقول فقط، بل تُقاس بشرع الله.

ولعلَّ "تعدُّد الزوجات" واحدٌ من الموضوعات التي تشعَّبت فيها نقاط الاختلاف بين الرجال والنساء، بل حتى بين الرجال مع الرجال والنساء مع النساء، ولا ريب أن بؤرة هذا الاختلاف راجعة لأسباب عديدة، فمنها ما هو مركوزٌ فطرةً ومنها ما هو مكتسبٌ عادةً. فهناك شريحة في المجتمع ترى في "التعدد" أنه شهوة ذكورية، ومنهم من يراه شريعة إلهية، منهم من يراه ظلمًا من الرجال للنساء ما أتى الله به من وحيٍ، ومنهم من يراه عينُ العدلِ نظرًا للتركيبة المختلفة التي خُلق بها الرجل، فلكي نفهم التعدد ينبغي أن نفهم تركيبة الجنس الذكوري أوَّلاً، وإلاَّ فإن الحكم على الشيء دون فهمه سبيل إلى وقوع الخطأ في حقهِ.

هناكَ من زعمَ أنَّ الله لم يشرِّع التعدُّد بدعوى غَلَبة رغبة الرجل رغبةَ المرأة، محاولاً بذلك إثبات أن المرأة مساوية للرجل في الرغبة، فهذا الزعمُ مُناقض للفطرة؛ لأنَّ التساوي في الرغبة يفضي بنا إلى منعرجات خطِرَة

فالله لـمَّا ركَّب صورة المرأة إنما ركَّبَها لتتماشى مع شرعه في التعدُّد، فالوحي وحيه والخلق خلقه، ولكَ في حاجتها إلى أسبوع كي تطهر من الحيض، وأربعين يومًا لتطهُر من النفاس عبرة على أنَّ الرجل يلزمه أكثر من زوجة ليقضي حاجة نفسه! والتعدد من الموضوعات التي لـمْ تسلمْ من وحل الشبهات، شُبهات لسخافتها تملأُ عينيكَ دمعًا من الضحك، لعلَّ منها تلك الشبهة التي تقول: "إنَّ التعدد كان جائزًا في القرون الأولى لأنَّ الرجال كانوا يملكون طاقة جِماعية قويَّة"!

وربَّما استدلُّوا بالطريفة التي أوردها "أبو حيَّان التوحيدي" في "البصائر والذخائر" حينما قال الجمّاز: أردتُ أن أتزوج جارية بصرية فقالت لرسولي: أريد أن أسمع كلامه، فقعدتُ قريبا منها فقالت لي: أذكر ما عندك، قلت: عندي دنانير ودراهم وثياب، قالت: ما سألتك عن هذا، إنما سألتك عن الفراش! قلت: واحدة في أول الليل، وأخرى في السَّحَر، قالت: قم رحمك الله، فإنك إلى قبر أحوج منك إلى امرأة"! فقد أبانت له أنَّه ضعيف لا تحتاجه، سبحان الله! إن كان الرجل الذي يُجامع زوجته في اليوم والليلة مرتين في وقتهم ضعيفًا، فكم من مرَّة كانَ يُجامع القوي؟!

في القصَّة شيءٌ نتَّفق عليه وآخر نختلف فيه، فلا أحدَ يغيبُ عليه مدى الفرق بين جيل قرن الواحد والعشرين مقارنة بجيل القرون الأولى؛ إذْ ليس من رضعوا من أثداء أمهاتهم كمن رضعوا حليب الـمعلَّبات، ولا من أكلوا لحومَ أنعامٍ رعتْ عشبًا ربَى من قطر السماء، كمن يأكلون لحمَ أنعامٍ تكبرُ بالإبر، وتعلفُ غذاءً عولج بالأدوية، وتنمو على تُربة شُوِّهَتْ بالكيمياويات والأسمدة، بل حتى أنَّ الدجاج في وقتهم كان يستغرق الشهر والشهران قبل أن يصير صالحًا للذبح والأكل، بخلاف اليوم فقد صار ينمو في أسبوع ويُذبح في الأسبوع الثاني! لكن اختلاف الأجيال لا يقتضي منه اختلاف شريعة الله، وتفسير علَّة التعدُّد بطاقة الرجل الأوَّل تفسير منحرف، لأنَّ الله لمَّا شرَّع التعدُّد لم يشرِّعه لأجل أنَّ الرجل أشهى من المرأة فقط، وإنَّما لغاياتٍ أسمى من ذلكَ بكثير..

علمًا أنَّ هناكَ من زعمَ أنَّ الله لم يشرِّع التعدُّد بدعوى غَلَبة رغبة الرجل رغبةَ المرأة، محاولاً بذلك إثبات أن المرأة مساوية للرجل في الرغبة، فهذا الزعمُ مُناقض للفطرة؛ لأنَّ التساوي في الرغبة يفضي بنا إلى منعرجات خطِرَة! منها: أنَّ الله ظلمَ المرأة حينما ساوى رغبتها برغبة الرجل، بينما ميَّز الرجل عنها في عدد الأزواج، وهذا مُنحَرَفٌ لا يسلكه إلاَّ منحَرِفٌ، ذلك أنَّ التفاضل في الخِلقة ينجرُّ عنه التفاضل في الشريعة والعكس، فالله لمَّا خلق الرجل فضَّله عن المرأة، وهذا التفضيل لحكمة يعلمها ولا نعلم منها إلاَّ ما علَّمنا، فكيفَ يفضِّله خَلقًا ويساويه بهَا شرعًا؟! فهذا لا يقول به إلاَّ من لديه خَرَفٌ كخرفِ نوال السعداوي! 

وكان أولى بالذين وضعوا مقارنات بين قرننا هذا والقرون الفارطة، ثم استنتجوا بعقولهم رباعية الدَّفع أنَّ "التعدُّد لا يجوز في زمننا هذا"، أنْ يُدركوا أنَّ مقارنتهم مردودة بحديث نبيِّ الله صلى الله عليه وسلَّم: "إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم، ويظهر الجهل، ويفشو الزنا، ويُشرب الخمر، ويذهب الرجال، وتبقى النسـاء حتى يكون لخمسين امرأة قيّم واحد". وفي حديث آخر: "ويُرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يَلُذْنَ به من قِلّةِ الرجال وكثرة النساء"! فإن هذا الحديث يثبت بلا ظنيَّة ويؤكِّد بلا رِيبة أنَّ الرجال إلى نَقصٍ والنساء إلى زيادة، الأمر الذي يجعل من التعدُّد ينتقل من الحاجة إلى الـحاجة الـماسَّة!

وقد قرأتُ بالأمس مقالاً ينادي فيه صاحبه -وليس صاحبته- بأن الرجل اليوم ليس بحاجة إلى التعدُّد، لأن هناك تقارير تشير إلى تصدر دول عربية قائمة استهلاك أقراص الفياجرا، ولأن شرَّ البلية ما يُضحك فقد ضحكتُ ضحكًا يشبه البكاء وأنا أتساءل في دخيلتي: منذُ متى جُوِّز تعطيل الأحكام الشرعية لأجل التقارير العلميَّة؟! ونحن إذْ ندافع عن التعدُّد فليس ذلك من قبيل انحيازنا الذكوري، وإنما نُصرة لشريعة الله، ومن باب قوله تعالى: "وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا" حقيق بنا أن نُلفتَ الانتباه أنَّ التعدد وإن كان شريعة لا يختلف فيها مسلمان عاقلان، إلاَّ أنه غير مباح للجميع، الأمر الذي يجعلنا نتساءل: هل تعدُّد الزوجات صالح لكلِّ الرجال؟!

التعدد حلال.. ولكن ليس لكل الرجال

الأخطاء الشخصية ليست حجَّة لتعطيل الأحكام الشرعية، ولا حتى للانقاص منها، فلو اجتمع شعراء الدنيا لهجاء الشمس، فإنهم لن ينقصوا من ضياعها شعاعًا، وكذلك شريعة الله لا تسقط بأخطاء المكلَّفين

ما إنْ يُذكر موضوع التعدُّد فإذا بالرجال على بَكرة أبيهم يتحمَّسون حبَّتين زيادة، ويتسرَّعون في إسقاط حِلِّيَّة التعدد على أنفسهم، جاهلين أو متجاهلين أنَّ التعدد ليس بمقام الصلاة يأخذ حُكم الوجوب ولا يسقط بعذر من الأعذار، وإنما يعلو ويهبط حكمه حسب خصوصية كل إنسان، فقد يجب على زيد ويحرم على عَمرو، فهو مثله مثل بقية الـمواضيع التي تعتريها الأحكام الخمسة من "وجوب، وحُرمة، واستحباب، وكراهة، ونَدْبٍ"، وهذا من أخطر ما يغفل عنه جلُّ الرجال، فجواز التعدُّد كشريعة لا يقتضي بالضرورة جوازهُ لجميع الرجال، فإنَّ من الرجال من لا تصلح له إلاَّ امرأة، بل إن منهم مَن لا يصلح له الزواج بواحدةٍ أصلاً!

وعليه فالتعدُّد ليسَ حلالاً لكل الرجال، وإنَّ حَلَّ لبعضهم فليست حِلِّيَته جائزة في كلِّ وقتٍ، ذلكَ أنَّ التعدد الذي يشتِّتُ شمل العوائل لا يصحُّ أن يكون حلالاً، فلا خير في تعدد يُهمِّش الزوجة السابقة بينما يحوِّل الرجل إلى زوجٍ مثالي مع الزوجة الجديدة، ولا خير في تعدُّد تُختزل غايته في الشهوة دون التعبُّد، وما من رجل يُعدِّد بُغية تنويع النساء إلاَّ أدخل نفسه في دائرة اللاعدل! لذلك حقيق بالرجل الذي أراد التعدُّد أن يريده شرعًا لا شهوة، وليحذر أن يكون دَيْدنه مثل ذلك الذي تزوَّج الثانية ليؤدِّب بها الأولى، فإن الزوجة الثانية ليست عصَا لتأديب زوجتكَ الأولى، وما هكذا ينبغي أن يُنظر للتعدُّد!

ولستُ أنكر أن هناكَ شريحة كبيرة من الرجال يتزوجون مثنى وثُلاث ورُباع، ولو جئتَ تستفتيهم عن حكمة زواجهم هذا لم ينبسوا ببنتِ شَفَة، بل لقد حدَّثني أحدهم يقربني قرابة زَمَالة، أنَّ جدَّه تزوَّج أربعة نساء من أجل إنجاب الكثير من الذكور كي ينهضوا بفلاحة أرضه الواسعة، وما هكذا ينبغي أن يُنظر للتعدُّد! ومع ذلكَ فالأخطاء الشخصية ليست حجَّة لتعطيل الأحكام الشرعية، ولا حتى للانقاص منها، فلو اجتمع شعراء الدنيا لهجاء الشمس، فإنهم لن ينقصوا من ضياعها شعاعًا، وكذلك شريعة الله لا تسقط بأخطاء المكلَّفين!

وهذا الأمر هو الذي تسبَّب في اختزال التعدد إلى شهوة، حتى خَلَطَ وغَلَطَ فيه كثير من الناس فنسوا أنه شريعة من الله لم يفضِّل بها الرجلَ لسواد عينيه، وإنما ليؤدِّي بها مصلحة الله في الأرض، لذلك ما من إنسان يسعى لتعطيل شرعٍ من شرع الله إلاَّ وعاثَ فسادًا في الأرضِ، فالمسألة مسألة تكليف لا تشريف. ولو أننا فهمنا حكمة التعدُّد لخاف منه الرجال خشية ظلم النساء، ولدعى إليه النساء خشية ظلم الرجال، ولكننا بشر فُطرنا على الأنانية، فقدَّمنا عن شرع الله مصالحنا الشخصية، لذلك سعى الرجل لإسعاد نفسه بالتعدد، ومنعته الـمرأة منه لئلاَّ يشقيها، ولو فقهنا الشريعة ما عكسنا الأدوار!