أمل دنقل.. شاعر جيد وعاشق نعس!

blogs عبلة الروبني وأمل دنقل

كثيرةٌ هي قصص العشق والهيام التي مرت عبر العصور ولازالت خالدةٌ في أذهان الناس أو في الكتب، كعلاقة أنطونيو وكليوباترا أو روميو وجولييت الذين كتب عنهم شكسبير، أو كقصة عنتر وعبلة التي ظلت تجري على لسان كلّ محبّ، وقَيس وليلاه التي حظي اسمها بحضور قويّ في الشعر كما في النثر…، هي قصص غرامية كثيرة لأن النفس البشرية بطبيعتها ميّالة للحب وبحاجةٍ إلى الآخر، بعض هاته القصص مَكتوب ومتداول، وبعضها الأخر معروف لكنه غير منتشر بكثرة أو غير مكتوب، كالعلاقة العشقية الكبيرة التي جمعت بين أمل دنقل وعبلة، والتي كتبت عنها عبلة الرويني في كتابها "الجنوبي".

 

بأسلوب شاعري كتبت عبلة الرويني كتابها الأول "الجنوبي"، نسبةً إلى القرية الصعيدية التي وُلِد فيها زوجها أمل دنقل ذات يوم من سنة 1940، وبأسلوب أقرب إلى أساليب صياغة التقارير الصحفية نقلت حياته بصدقٍ وحياد تام، فهي تأتي على ذكر طباعه السيئة كما تأتي على ذكر صفاته الجيدة وعذوبة إحساسه بالآخر، وتعرض محطات بارزة من حياتها وتستعيد ذكرياتها معه، وبذلك تتداخل في هذا الكتاب سيرة غيرية بأخرى ذاتية، سيرة تحول الوقائع والمشاهد إلى قضايا شديدة الحضور، تيماتها الأساسية الشعر وطقوسه، وأمل الشاعر وإنسانيته وتمرده، بالإضافة إلى انصهار الذات في الآخر والتضحية، التضحية لأن أمل دنقل كان من أولئك الذين لا يملكون ثمن فنجان قهوة، بل من أولئك الذين قد يمضون أحيانًا يومًا أو يومين كاملين بلا أكل، تجرعت معه مرارة الفقر المدقع والحاجة الملحّة، وهي القادمة من رغد العيش والثراء، تنازلت عن رغباتها الكثيرة وأحلامها الكبيرة، وصارت منه ومن عوالمه، حينما اختزلت كل أمنياتها في أن يكتب قصيدة جديدة، وتتمظهر هاته التضحية جليا في الصفحة الثامنة والسبعين من الكتاب، حيث تقول؛ "كان الفقر يضاعف احترامي لهذا الشاعر الذي يمكنه كثيرًا النوم جائعا".

   

  

عرفَتهُ لأول مرة في دار الأدباء ثم في مقهى ريش بالقاهرة، حينما كانت مُكلفة بإجراء حوار صحفيّ معه، قبل لقائه رسمت في مخيلتها صورة شاعر أنيق في المظهر بارع في الكلام، لكنها وجدت أمامها شابًا بدويّ المظهر، قليل الكلام ووديع الملامح والنظرات، في مقهى ريش تكررت جلساتهما، حتى فاحت بينهما رائحة الإعجاب المُتبادل، وصارحتهُ فخجلَ، هذا الفتى الخجول الذي جاء إلى القاهرة قادمًا إليها من قرية ضواحي الصعيد جنوب مصر، عاش طفولة قاسية وخبر ضنك العيش جيّدا، ولم يكد يستقبل الحياة حتى ذاق اليتم وعانَ الويلات مع أقاربه الذين سرقوا أرضه، ومنذ صباه وهو منتحل صفة رجل البيت، هذا كله كان كفيلًا بأن يجعل منه شخصًا كئيبًا وانطوائيا، لا ملجأ له إلا القصيدة، يفرّ من الأضواء ومن الأصدقاء، لأن الصداقة بالنسبة له تنبع من القلب لا من الائتلاف العقلي والسلوك، لذلك كان الأمان والاطمئنان الكامل هو كل ما يبحث عنه مع معشوقته عبلة، كان يريد منها الكثير من الحب، والمزيد من الوفاء، وفي المقابل كان يمنحها تَوتُّرًا ونكدًا مُستمرًا لا يُعبر عن أي رغبة في الاستقرار.

 

"الجنوبي" هو كتاب للصحفية والكاتبة المصرية عبلة الرويني صدر سنة 1985، سيرة تتناول حياة أمل دنقل، شخوصها الأساسية؛ أمل وعبلة، والهوة الكبيرة التي تفصلُ بين عوالمهما، عبلة سليلة أسرة ثرية ومحافظة، صحافية، بهية الملامح والمظهر، وأمل فقير، يتيم الأب، لا يملك بدلات أنيقة ولا حتى ثمن قهوة، كل ما يملكه هو سروال أسود ممزق من فوق الركبة نتيجة رماد السجائر، لكن الحبَّ وحَدهما في عالمٍ واحد، عالم التضحية وصدقية المشاعر، عالَم نزع عنها ثوب البرجوازية، وفتح قلب أمل الجامد الذي لم يُسبق له أن عرف طُعم الحب.

  

 ستشقين معي فأنا لا أملكُ حتى قوت يومي.

سأشقى أكثر بدونكَ، وأنا أملك قوت غدي!.

 

التضحية برهان الحب الصادق، وهذا برهان عبلة وبرهان ارتباطهما الشديد والمُلتهب، ارتباطٌ لم تستطع أن تستوعبه عقول الناس، قالوا عنها كلامًا كثيرًا، وحذروها مرارًا من خطورة الارتباط بهذا الشاب الذي لا سمعة ولا مال له، "الغراب خطف يمامة"، كلمات جارحة كانت تُدغدغ مسامعها باستمرارٍ، لكنه

من كان يظن أن هذا الفتى الذي رفضت الجريدة نشر قصيدته سيصبح اسمه لامعًا إلى جانب كبار الشعراء، بل سيصبح لقبه "أمير شعراء الرفض"

نداء القلب كمَّمَ أفواه الشامتين والقائلين، أحبته بشغفٍ كبير رغم طباعه الحادة وامتزجت روحها بروحه، ليتوج هذا الحب الكبير بزواجٍ بسيط، زواج هو الآخر أحدث ضجة كبيرة لم تُؤثر في أمل دنقل، كما أثرت فيه فكرة الزواج بحد ذاتها، حولتهُ من شاعر يهتم بالشعر وبالكلمة إلى رجلٍ عادي كلّ همه هو توفير المسكن واللقمة. حيث عزم على السفر إلى بيروت للعمل في جريدة ورقية، بعد أن قام ببيع بعض القراريط التي ورثها من والده من أجل شراء خاتم لزوجته، ولأنه عاشق سيء الطبع في ليلة زفافه رفضَ ركوب سيارة زُينت بالورود خصيصا لهما، وأصرَّ على ركوب سيارة أجرة عادية لتحملهما إلى بيت الزوجية أمام استغراب الحاضرين واستياء الأصهار.

 

أتم زواجه، لكن طباعه في المنزل لم تتغير، ظل كعادته ينام على كومة من الأوراق والكتب، غير عابِئ بحبها للترتيب والأناقة، يحب التمرد ويحترف الصمت لا يفصح عن مشاعره شفهيا بل يكتبها!، ما فعله بالأمس يكرره في الغد، وتمرّ الأيامُ والإنسان مِن طَبعه أن يتعوّد، حتى تتعوَّد عبلة على طِباعه فتصيبها عدوى الصمت وبعثرة الجرائد على السرير، هكذا، تمضي حياتها معهُ مُتنقلة من شقةٍ إلى أخرى ومن فندق إلى آخر، لا مستقر لهما إلا القصيدة، إلى أن أصيب بمرض السرطان وامتدت إقامتهما لأكثر من سنة ونصف في الغرفة رقم 8 في الطابق السابع من معهد السرطان.

 

هاذه الغرفة التي زَينت عبلة جدرانها بالصوّر والقصائد والرسائل، كانت أبرزها رسالة ياسر عرفات، أما أرضها فكانت مُزدحمة بمناضدٍ تعلوها باقات الورود وهدايا الزوار، غرفة كانت بالنسبة لهما بمثابة أول سكن دائم، بل شهدت لحظات سعادتهما وحزنهما المُشترك كما شهدت ميلاد العديد من قصائد أمل دنقل، كقصيدة "الخيول" و "لعبة النهاية"… وقصيدته الشهيرة "الكعكة الحجرية" التي كتبها على سرير المرض سنة 1983، وفور نشرها تسببت في إغلاق المجلة التي نشرتها وإصدار أوامر عليا بعدم إذاعة أشعاره، ولم يفارقا هاته الغرفة حتى دخل أمل في غيبوبته الأخيرة، وحان موعده مع "لعبة النهاية"، ليُغادر "بيته المرح" في صباح يوم السبت 21 مايو 1983، ماتَ وعمره لم يتجاوز بعد الثالثة والأربعين. ثلاثة وأربعون سنة هي المدة التي عاشها أمل دنقل، في حين لم تعش معه زوجته إلا سنوات قليلة، أربع سنوات هو عمر العلاقة الزوجية التي جمعت بينهما، لكنها كانت كافية لكي تكتبَ عنه وعن طفولته وقصائده، كما كانت حياته القصيرة كافية لكي يترك دواوين شعرية شهيرة كثيرة.

 

الكلمة الصادقة تعيش للأبد ولا تموت مع موت قائلها، تلكَ سنة الحياة ولا أحد يعلم ما تخفيه الأيام! من كان يظن أن هذا الفتى الذي رفضت الجريدة نشر قصيدته سيصبح اسمه لامعًا إلى جانب كبار الشعراء، بل سيصبح لقبه  "أمير شعراء الرفض"، وستتحول قصائده إلى شعارات ترددها حناجر الطلبة والغاضبين، منذ طفولته المُبكرة انكب على الكتب ثم على الكتابة، حتى أتى ذلك اليوم الذي أرسل فيه قصيدة إلى مقر جريدة ورقية لنشرها، إلا أن بعض الأحلام لا تكتمل، لأن الجريدة لم تنشر القصيدة، وصاحبنا ينتظر ويتصفح أعداد الجريدة الصادرة تباعًا، حتى تمر عامين ويتم نشرها، ومنذ ذلك الحين وهو يكتب القصيدة حيثما وُجد، يكتب على عُلب الكبريت وعلى عُلب السجائر، يكتب ولا تشغله شواغل الحياة عن الكتابة، وبذلك ظلت كتاباته وقصائده كقصة حبهما خالدة في أذهان الناس.