logo

هل تقلّل مسكّنات الألم التعاطف الإنساني؟

تباعًا لسلسلة من الدراسات المماثلة التي انطلقت منذ عقود يشرع ثلة من الباحثين من جامعة أوهايو في أثينا في استقصاء التأثيراتِ النفسيّة لدواءِ الباراسيتامول مركّزين هذه المرة على تأثيرهِ على قدرتنا على التعاطف مع الآخرين. يُعتبرُ الباراسيتامول أو كما يُعرف بالأسيتامينوفين أو ببعضِ أسمائه التجاريّة كالبانادول أحدَ أكثر العقاقير شائعة الاستخدام على مستوى العالم. إذ يُحتفظ به عادة ضمن الأدوية المنزلية المستعملةِ لعلاج الحمى والصداع وتسكين الآلامِ والأوجاع الخفيفة. وعلى الرغم من اعتبارهِ عقارًا آمنًا ومفيدًا نسبيًّا إلّا أن دراسةً حديثة تتساءلُ عمّا له من تأثيرات سلوكيّة على المستخدين. دومينيك ميشكوفسكي الأستاذ المساعد بالجامعة المذكورة والمهتم خصوصًا بكيفيّة تفاعل نظام الألم الجسدي مع الأنظمة الأخرى قرّر صحبة فريقهِ سبر أغوارِ هذه المسألة والبحث عن إجابة!

تجربة ميشكوفسكي

رغم أن فكرة تأثير مسكّنٍ واسعِ الاستعمالِ قد تبدو مفاجئة إلّا أن ميشكوفسكي لم يكن أوّل من طرحَها بل سبقته إلى ذلك دراسات عدّة كالورقة البحثيّة التي نُشرت سنة 2010 والتي خلصت إلى دور الباراسيتامول في التقليل من الاستجابةِ العصبيّة للرّفض الاجتماعي أي دورِ هذا الدّواء في تخفيض الألم النفسي. فضلا عن دراسةٍ أخرى أجريت سنة 2015 والتي كشفت قدرته على تخفيض المعالجة التقييمية والعاطفية لمتعاطيهِ. دراسةٌ حديثة أيضًا شملت أشخاصًا يُعانونَ اضطراب الشخصية الحدّي أكّدت أنه يزيد من مستوى ثقتهِم.

يعدّ التقييم الذاتي للفرد إشكالا لعدة أسباب. إذ قد لا تعود ردّة فعلهِ لانخفاض التعاطف وإنّما لمجرد انخفاض الرغبة في مشاركة المشاعر في ذلك الحين

أمّا عن ميشكوفسكي فقد نشر النتائج الأوليّة لدراستهِ التي أجريت سنة 2016. وفي ورقته البحثية أوضح أنّ المسكّن يقلّل تدريجيّا من قدرة مستعمليهِ على الاستجابةِ لا لآلامهم فحسب بل من الشفقة والتعاطفِ أيضا مع الآخرين ممّن يشكون معاناة جسدية كانت أو عاطفية. وإذ لم يكتفِ بما وجده أراد المؤلّفُ مزيد التوسّع فانطلق مع زملائه لاستكشافِ ما إذا كان الباراسيتامول يقلّل أيضًا من قدرة الشّخص على الشعور بالتعاطفِ الإيجابي على وجه التحديد. وللتحقيقِ جنّد الباحثون 114 مشاركًا. أعطوا نصفَ المجموعة 1000 مغ من العقارِ في حين تلقّى النصفُ الآخر دواءً وهميًّا خاملًا للتمويه (placebo) على نحوٍ مزدوجِ التعمية أي دون معرفة المُتداوي أو الباحثين ما إذا كان الدواء الذي بين أيديهم فعّالًا أم لا.

بعد ساعةٍ طلب الفريق من المشاركين قراءة مقاطع قصيرة تتضمّن قصصًا عن أبطالٍ ذوي تجارب إيجابية ومثيرة ليشرع الباحثون بعدها بقياس مدى إيجابية المشاركين في التفاعل مع الأحداثِ وأبطالهَا. وبمجرد أن استكمل التحليل أكّدت النتائج التوقّعات المنتظرة حيث أبدى المشاركون تحت تأثير العقار تأثيرًا أقل تعاطفًا مقارنةً بمن تناولوا الدواء الوهمي. ثم وضّح المشاركون أنّهم كانوا يدركون تمامًا مدى إيجابيّة المواقف التي عرضت عليهم غير أنّهم لم يشعروا بتعاطفٍ شديد مع أصحابِها.

محدوديّة الدّراسة

بالرغمِ من مساهمة نتائج جامعة أوهايو في تزايد عدد الأبحاث المماثلة إلّا أنّ معظمَ الدّراسات كانت ذات حيّزٍ ضيّق متضمّنة ما لا يزيد عن المائة مشارك ما عاق رغبة الباحثين في قياس التأثير المذكور للعقارِ على التعاطف والذي قد يكون ضئيلا أو منحصرًا على بعض الأشخاص على أنّ ذلك إن ثبت لا يقلّل البتة من أهمية الدراسة كما يقول ميشكوفسكي نظرًا للاستعمال الواسع النّطاق لهذا المسكّن. ولذا أكّد الفريق على حاجتهم الماسّة لدراسات أخرى لتوكيد النتائج البحثية السّابقة والبناء عليها باستخدامِ طرقٍ أخرى كإثارة التعاطف بمواقف حياتيّة واقعيّة لا بعرض نصوصٍ لتوليد هذا الشعور الذي يصعب تمامًا تحديده.

هنا تجدر الإشارة إلى أن فريق الدّراسة قد طلب من المشاركين تقييم رقميّا لما شعروا به من السعادة على سبيل المثال أو المتعة باستخدام مقياس من خمسِ نقاط. هذا ويعدّ التقييم الذاتي للفرد إشكالا لعدة أسباب. إذ قد لا تعود ردّة فعلهِ لانخفاض التعاطف وإنّما لمجرد انخفاض الرغبة في مشاركة المشاعر في ذلك الحين. يضيف ميشكوفسكي: ومع ذلك و لو لم يغيّر الباراسيتامول التعاطف فإنّه يؤدي إلى تغيّر ملموس في الطريقة التي يرد بها المشاركون على الاستبيانِ وهذا كافٍ لاثارةِ الاهتمام. فكرة احتمالِ تأثير نفسيّ جليّا كان أم خفيّا للمسكّن الأكثر استعمالا في العالمِ هي فكرة ذات أثر بالغٍ بالتأكيدِ تحتاجُ لمزيدٍ من الدراسات التفصيليّةِ لتوكيد مزاعم الباحثين: الباراسيتامول يقلّل التعاطف الإنساني!



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة