logo

حول ضرب الأطفال للصلاة

قال لي: هل تُنكِرُ أنَّ الضرب ضربٌ من ضروب التأديب والتهذيب؟ ثم هل تنكرُ أنَّ الله تعالى قد أمر به؟ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين" كما في مسند أحمد وسنن البيهقي والدارقطني والترمذي، أجبته قائلاً:

 

أولاً: الضربُ -كلُّ ضرب- هو سلوكٌ همجي بدائي عدوانيٌ انفعاليٌ مرفوض، وذلك وفق ما اتفقت عليه أبحاث علم النفس في كافة المؤسسات العلمية والتعليمية في العالم، وتأسيساً على ما استقرت عليه وانتهت إليه المجتمعات المتحضرة في كل عصر وفي كل مصر.

 

ثانياً: التهوين والتوهين من مسألة ضرب الأطفال يعدُّ جريمةً في حق الإنسانية، فقد مات أطفالٌ بسبب استسهال الآباء والأمهات لهذا النوع من أنواع العقاب والإيذاء الذي يمثلُ عدواناً جسدياً على طفلٍ مسكينٍ لا يملك من أمر نفسه شيئاً، ولا يقدر على الدفاع عن جسده المهزول، وكم أصيب أطفالٌ آخرون بأمراض ذهنية أو إعاقات وعاهات جسدية، كما أصيب غيرهم بعقد نفسية، بسبب بذر بذور العنف في نفوسهم الغضّة، فكان أن انتقم أكثرُهُم حين كبروا من المجتمع بأسره لمّا ملكوا السطوة والسلطة لا نهم كانوا يُضرَبُون وهم صغار! ومن زرع الشوك فلاينتظر أن يحصد ورداً!

 

ثالثاً: هذا الحديث -ورغم كونه متداولاً على الألسنة ومستقراً في الوعي الديني لدى مجتمعاتنا الإسلامية بكل أسف-، إلا أنَّه حديثٌ ضعيفٌ لا يصحّ، وأسانيدُه كلُّها معلولة، ولولا ضيقُ المقام هنا لبسطتها جميعاً ناقداً إياها حتى آتي بنيانها من القواعد، ثم إنه ليس له أثرٌ واحدٌ في أصحّ الكتب السنية (البخاري ومسلم)، وأقصى ما فعله بعضهم ترقيته إلى مرتبة الحسن! فإذا أضفنا إلى ذلك أنّ فيه دعوةً مبطنةً لا إساءة استخدام السلطة الأبوية تجاه الطفل كما أسلفتُ، وخصوصاً في بابٍ بأهمية باب العبادات التي لا تقوم إلا على إيمان مستقر في القلب، وهو الذي يلزم معه الاختيار لا الإجبار والاضطرار، وجبَ ردُّهُ بكل أريحية حتى نغلقَ باباً واسعاً للشر باسم أحاديث السنة!

 

نحنُ في حاجةٍ ماسة لمراجعة كثير من الأحاديث المنسوبة لرسولنا صلى الله عليه وآله وسلم، رغم شيوعها وتداولها، خصوصاً وإن كان يُشتمُّ منها رائحةُ الإساءة إلى مقام النبوة الرفيع،

رابعاً: كيف يُقالُ إن رسولنا الكريم -صلوات ربي وسلامه عليه- والذي لم يضرب بيده شيئاً قط ولا امرأة ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله، وهو الذي أرسله الله تعالى رحمةً للعالمين، وكان نموذجاً في التسامح النادر والرحمة والمغفرة، كيف يُقال إنه أمر بضرب الأطفال لتعويدهم على العبادة؟ وقد بيّن الله تعالى له مهمته الرسالية في نحو عشرين موضعاً من كتابه العزيز، فقال: "لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ"، "وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ ۖ "، "لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ"، "فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ "، "فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ" صدق الله العظيم.

 

خامساً: ثم كيف يُقالُ إنَّ الله تعالى قد أمر بضرب الأطفال؟ وليس لشئٍ من هذا الزعم ظلٌ من الحقيقة أو أثرٌ واحدٌ في كتاب الله تعالى، بل قد تضافرت آياتُ القرآن العظيم على خلاف ذلك، فقد قال -عزَّ من قائل-: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى" (النحل: 90) صدق الله العظيم، فهل الإيذاء البدني للأطفال من العدل أو الإحسان أو إيتاء ذي القربى في شئ؟ تلك والله فرية بغير مرية!

 

قال معارضاً: لكنّ كثيراً من الأئمة والفقهاء الكبار قد احتجوا بهذا الحديث وقالوا بصحته وعلى رأسهم الإمام النووي وهو من هو، فالحديث -وإن كان ضعيفاً عندك- فإنه صحيحُ الإسناد عند من هم أكبر منك، فهل نصدقك ونكذبهم هم؟ ثم إن صدقناك، فلم لا تقول إن هذا من الخلاف السائغ الذي لا يجدرٌ بك التشنيع فيه على المخالف، قلت لا يعنيني أن يحتجّ به من يحتج، فنحن أمة النقد، أمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر! لا نتهيبُ أن نقول للمخطئ أخطأت ولا كرامة كائناً من كان، هذا وأقوالُ الرجال ليست حجّة في ذاتها، فإنما هي أقوالٌ بشريةُ ليس فيها ثمّةُ قداسة، وصدق إمامنا مالك بن أنس حين قال: وكلُّ أحدٍ يُؤخذُ من قوله ويُترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم.

 

نحن يا أخي لا نتكلم في شيء من فضائل الأعمال حتى تذكِّرَنِي بقاعدة الخلاف السائغ الذي يمتنع معه الإنكار على المخالف، وإنما بصدد جريمة تدخل في باب العنف الأسري كما صنفتها مراكزُ الأبحاث النفسية والعلمية المعنية، فلا يمكن في حالٍ كهذا أن تعارض كلامي بمثل تلك الدعوى التي تفتحُ أبواباً من الشر لا أظنك تحتمل عاقبتها، وإلا فهل تقدرُ على أن تلقى الله تعالى بتسويغك لجريمة قتل طفلٍ أو إصابته لا نَّ أباه قد أسرف في ضربه؟ ثم هل يُعقَلُ أن يكون الضربُ طريقةً لتعويد الطفل على العبادة؟ وأيُّ عبادةٍ تلك التي تُؤدَّى قسراً وقهراً وإيذاءاً لمن لمّا يصل بعدُ إلى سنّ التكليف؟ هل الله تعالى في حاجةٍ لعبادةٍ كهذه؟

 

كثيرٌ من الرواياتُ المنسوبة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا تخلو من مؤاخذاتٍ لأنّ القواعد التي وضعها رجال الحديث هي في نفسها عُرضةٌ للنوازع التي تعرض للبشر ولا يسلم منها بشر، من مثل الخلط والخطأ والغلط والسهو والنسيان، فإذا وضعنا في اعتبارنا أنّ تلك الروايات قد انتقلت مشافهة عبر أربعة أجيال -على الأقل- حتى وصلت للراوي الأدنى، فضلاً عن أنَّ الصحابة كانوا يروون عن الرسول بالمعنى وليس اللفظ، ناهيك عن أنّ الرواة أنفسهم كانوا يتصرفون في النصوص بالإضافة والحذف كما اعترف به الحافظ البخاري نفسه، فعندها يتضّحُ لك لماذا انتهى إلينا مثلُ ذلك مما لا يمكن نسبته لرسول الله بحال.

  

الخـلاصة نحنُ في حاجةٍ ماسة لمراجعة كثير من الأحاديث المنسوبة لرسولنا صلى الله عليه وآله وسلم، رغم شيوعها وتداولها، خصوصاً وإن كان يُشتمُّ منها رائحةُ الإساءة إلى مقام النبوة الرفيع، وذلك بنسبة العنف البدوي الغليظ تجاه الطفل أو المرأة لرجلٍ تمثّل كل معاني السمو والرقي الإنساني في معاملاته وأخلاقه، وقد زكّاه الله تعالى حين قال واصفاً إياه: "وإنّك لعلى خلقٍ عظيم" صدق الله العظيم.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة