logo

بيداغوجيا الحب

لابد في البدء من محاولة لتبسيط مفهوم البيداغوجيا قبل الخوض في التشعبات المرتبطة به على اعتباره مصطلحا شاملا ينتمي لأسرة المفاهيم المتعلقة بحقل التربية والتعليم، فأصل هذا اللفظ يوناني مكون من شقين؛ الأول بيدا: تعني الطفل، والثاني غوجيا: تعني القيادة والتوجيه، ويقصد به بالذات كل ما يفعله المدرس للتأثير بشكل إيجابي على تعلم المتعلمين القاصرين أي أنه علم يهدف إلى تدريس فعال للأطفال، واقتران البيداغوجيا بالحب كقيمة يعني أنه ركيزته في عملية التدريس بحيث يشملها في طرقها ومناهجها المحددة.

   

من هنا يحق لنا طرح تساؤل جوهري: ما موقع قيمة الحب في الخطاب التربوي الذي يمرره مدرسو اليوم؟ وبما أن الجواب معلوم بالواقع المشاهد، فهذا مدعاة إلى بلورة رؤية تربوية ممنهجة قابلة للتنزيل العملي، والمتمثلة هنا في بيداغوجيا الحب لتتضمن هذه الإشكالية التربوية التي جعلت المتعلم ما إن يلج أسوار المدرسة إلا ويتبدى له أنه دخل إلى سجن عسكري لا يسمع فيه إلا الأوامر ولا يقوم فيه إلا بالواجبات، الأمر الذي يدعو إلى إعادة النظر في أساليب التدريس المتبعة وطرقه المرتبطة بتحقيق النجاح المعرفي الذي يسهل تقييمه وإعطاء درجات محددة له، في حين أن  النجاح القيمي لا تعطى له أي أهمية بالغة في ظل انعدام الإجراءات والأساليب والأدوات التي بفضلها نستطيع تقييمه بدقة نظرا لعدم توفر مقاييس محكمة له، فالحب وحده كقيمة مركزية يمكنها أن تدفع المتعلم لمزيد من العطاء والإبداع، فما هو قيمي يبني ما لا يمكن أن تبنيه المعرفة ويصنع ما لا تصنعه الدرجات العلمية.

 

إن الإستراتيجيات المعرفية المفصلة لعمليتي التربية والتعليم التي تزخر بها الدراسات التربوية والمؤلفات التي تهتم بهذا الحقل الواسع الذي يعج بمفاهيم متعددة ومتجددة لا يمكنها أن تحقق الجودة المطلوبة في غياب تواجد حقيقي لقيمة الحب في الممارسة العملية، وإن تكاثفت الجهود وتكاثرت القوى لتكديس العلم والمعرفة في عقول المتعلمين وأذهانهم، أو ترغمهم بالإكراه بفعل قوة ما على تتبع السلوكيات السوية، فالمهارات والقدرات تنال برغبة ذاتية كما أن القيم لا ترسخ بالإجبار.

 

بيداغوجيا الحب هي أكبر محفز للتفكير وإن اختلفت القدرات العقلية سواء بين المستوى الواحد للمتعلمين أو بين المراحل الدراسية المتقاربة

يحتاج المتعلمون في المدرسة إلى حب مدرسيهم وما يتلقونه منهم من تعلمات وقيم ومهارات، وتوفير الحب في المدرسة يجعلهم يأنسون بمن يدرسهم ويشعرون بأنهم قريبين إليهم، وعلى العكس إذا لم يجدوا هذا الحب فإنهم ينفرون من المدرسين، فإن لم يستفيدوا مما يقدموه لهم مدرسيهم كما هو منصوص عليه في المناهج المتبعة الظاهرة فالحال سيكون أكثر سوءا فيما يتعلق بالمناهج الخفية، ومن العيب الفاحش تجاوز قيمة الحب والتعامل بسلطوية مقيتة، وحين نقول ذلك فإنا نعنيه بكل ما تمثله هذه القيمة من أهمية في التدريس وإحداث التغيير الإيجابي الفعال في المتعلم، أي أن العلاقة القائمة بين المدرس والمتعلمين لابد أن تقوم على الحب، لأن المتعلم إذا أحب مدرسه أحب المادة التي يدرسها وبذلك يتحقق أحد أهم الأهداف التدريسية، فالمدرس المحب لمتعلميه يغرس بشكل غير مباشر الحب في قلوبهم؛ الشيء الذي يقوي الثقة بينهم ويساهم في تعميق العلاقة الطيبة التي تكون بينهم، فبواسطة قيمة الحب يمكن صنع ما لا يخطر على البال.

 

لماذا بيداغوجيا الحب؟

يحظى الحب كقيمة مركزية برصيد ضخم من الحضور والتأثير في كينونة المتعلمين بل ويتحكم في تصرفاتهم، لأنهم يقادون به أكثر مما يقادوا بشيء آخر، وهناك جملة من الركائز في بيداغوجيا الحب مؤكدة لذلك، والتي ينبغي أن تكون حاضرة في تصور المدرس وتعامله مع متعلميه، وسنختصرها في النقاط التالية:

-انبثاق الرغبة في التعلم لدى المتعلم بالتعامل اللاسلطوي المفعم بالحب والذي يفتح أبواب الرغبة المقفولة للتعلم.

-التأثير والتغيير مرهون بالحب الذي يرفع من قيمة التواصل التربوي الذي يصير له مفعول سحري في المتعلم.

-استفراغ الوسع في التعلم بفعل الحب الذي يجعل المتعلم يستلذ من بذل الجهد وهذا بؤرة التميز ومنطلقه.

-الاستجابة السريعة للتعلم يكون بالحب الذي يمَكن المتعلم من اكتساب تعلماته في وقت وجيز وبجهد أقل.

 

-الضمانة القطعية للنجاح تخلق بالحب فالمتعلم المحب لما يدرسه لا يستعصي عليه النجاح ويكون في حوزته بسهولة.

-حل مشكلات المتعلمين يستدعي وجود الحب الذي يعطينا نتائج مبهرة حين يتعامل بالحب مع المتعلم المتأزم.

-تكوين الشخصية السوية للمتعلم لا يتم بمنأى عن توفير الحب اللازم لإصلاح الذات وتقويتها في مختلف جوانبها.

يتبين مما سبق أن بيداغوجيا الحب تساهم بشكل كبير في الرفع من مردودية المتعلمين على مختلف المستويات، ومن أبرزها:

 

يمكن التأكيد على كون بيداغوجيا الحب ضرورة ملحة في عملية التدريس الفعال وليست ترفا، بل هي أهم دعائم تحقيق تعلم متكامل ذات فائدة كبرى ومن أكثر ما يُحتاج له لتوفير تربية متوازنة

المستوى الفكري: نقول أن بيداغوجيا الحب هي أكبر محفز للتفكير وإن اختلفت القدرات العقلية سواء بين المستوى الواحد للمتعلمين أو بين المراحل الدراسية المتقاربة، لأن هذه البيداغوجيا لها دعائم قوية مختزنة في قيمة الحب التي تمكن المدرس من النجاح بحق في جعل المتعلم منتبها بتركيز عالي وحاضرا بالفكر والرأي والبحث والتفاعل الجيد مع الأفكار المتنوعة، وهذا ما يؤكد على أن تعزيز قدرات المتعلم الفكرية ترتفع كلما ازدادت كمية الحب الممررة له، والتي تزيد أيضا من احتمالية نجاح عملية تعديل التصورات الخاطئة في البنية الذهنية للمتعلمين.

 

المستوى التربوي: بيداغوجيا الحب تمكن المدرس من أن يجتهد لتحقيق أهدافه التربوية بخطابه وأفعاله المفعمة بالحب، متجاوزا الطرق العقابية التي تطفئ رغبة المتعلمين في التمثل لنصائحه وإرشاداته وكل ما يربطه بهم، فالمتعلم سواء أكان طفلا كبيرا أم صغيرا يحب من يتحاور معه، فهو يفهم لغة الحوار ويستأنس بمن يتكلم معه بحب، وتقديم الرعاية التربوية له بلغة مليئة بالحب بعيدا عن الانفعال تجعله يحس بأن مدرسه مقرب إليه فينقاد له ويشاوره في أموره ويأتمر بأمره كما ينقاد المريض لطبيب حاذق ناصح.

 

المستوى الإبداعي: هناك الكثير من المتعلمين المبدعين بالفطرة بدون تعب أو مجهود، لكنهم بالتأكيد يحتاجون لمن يؤمن بهم ويساعدهم على اكتشاف إبداعاتهم وتنميتها، لهذا فبيداغوجيا الحب من بين أكثر الطرق التي نكتشف بها مواهب المتعلمين وتنميها بإعطائها الرعاية المحتاجة والتطوير المطلوب لها، فأول ما توفره هذه البيداغوجيا هو الجو المناسب والصالح لنمو الإبداع وبروزه، كما أنه بفضلها يمكن خلق أجيال مبدعة من المتعلمين منسوبهم الإبداعي مرتفع لأنهم يصيرون أكثر تعطشا للتميز، فطاقة الحب هي التي تستطيع بسهولة أن تخرج كنوز إبداعهم.

 

ومن كل ما ذكر تظهر بوضوح حقيقة بيداغوجيا الحب الكفيلة بالإسهام في تحسين جودة التعلم وتسريع وتيرته، وتنمية القدرة على الاستطلاع والاستكشاف، والفضول الفكري والمبادرة الابداعية لدى المتعلم، بل والأكثر من ذلك فهي مدخل أساس وأصل لا محيد عنه لإصلاح العلاقة بين كل من المدرس والمتعلم والمادة المدروسة.

 

وفي الأخير يمكن التأكيد على كون بيداغوجيا الحب ضرورة ملحة في عملية التدريس الفعال وليست ترفا، بل هي أهم دعائم تحقيق تعلم متكامل ذات فائدة كبرى ومن أكثر ما يُحتاج له لتوفير تربية متوازنة، فالتقصير فيها أو إهمالها بالمرة سيؤدي إلى حدوث خلل كبير يقود إلى الإخفاق في عمليتي التربية والتعليم وعدم تحقيق أهدافهما الأساسية، وقد يصير المدرس فاشلا لا لشيء إلا لأنه لا يستخدم بيداغوجيا الحب ولا يتعامل بها مع متعلميه: لذا يقل تجاوبهم معه أو يصبح شبه منعدم لتعامله الخالي من الحب، لهذا فأداء المتعلمين الظاهري للأعمال المطلوبة منهم مرتبط بسلوك مدرسهم، لكون القيام بفعل أو ردة فعل جافة لا حب فيها يخلف أعمالا شكلية غير مثمرة كالتي يخلفها الخطاب الترهيبي والتهديدي، ومن هنا يحصل التدني في مستوى التحصيل العلمي للمتعلمين الذي يكون تبعا لما يفرزه المدرس، في حين أن المتعلمين الذين يلمسون بيداغوجيا الحب في أقوال وأفعال مدرسيهم يكون لهم مع التعلم شأن آخر، فلا يقف نتاج تعلمهم عند الصورة الظاهرة والأداء الشكلي دون تفاعل واستجابة حقيقية وحتى أداؤهم يصبغ بصبغة التميز ويكون الإتقان والإبداع لصيقا بهم.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة