logo

السيسى في واشنطن.. قراءة تحليلية لمشهد التظاهر

فى التاسع من أبريل 2019، وقعت بالعاصمة الأمريكية "واشنطن" ثلاثة مشاهد هامة تخص الشأن المصرى. الأول منها هو لقاء القمة الرئاسية المصرية الأمريكية بالبيت الأبيض. حيث استقبل الرئيس الأمريكى "دونالد ترامب" نظيره المصرى"عبد الفتاح السيسي" وسط توقعات بإتمام صفقة القرن، وتمرير التعديلات الدستورية المزمعة، وكذلك بغياب ملف حقوق الإنسان والديموقراطية في مصر عن جدول أعمال هذه القمة.

  

أما المشهد الثاني فهو لجنة استماع عامة حضرها مجموعة من أعضاء الكونجرس، ومنظمات حقوق الإنسان، وعدد من النشطاء من بينهم الممثل المصري وسفير الأمم المتحدة للنوايا الحسنة / خالد أبو النجا، والتي تضمنت انتقادات واسعة لملف حقوق الإنسان والحريات في مصر. أما المشهد الثالث فهو تظاهر مجموعتين من المصريين إحداهما مؤيدة والأخرى معارضة للرئيس السيسي وسياساته. وسوف يركز هذه المقال على المشهد الأخير وما تضمنه من أوجه تشابه واختلاف، تتعلق بالسمات العامة للمتظاهرين، وأسباب التظاهر وأهدافه، ومهارات التنظيم والتواصل. وكلها مؤشرات يجب تحليلها والاستفادة منها.

  

على عكس مؤيدو الرئيس السيسي الذين تظاهروا بهدف إظهار الدعم المطلق له هو شخصيا، تمثلت أهداف معارضيه في فضح سياساته القمعية، وانتهاكاته لحقوق مصر والمصريين

ففى حوالي الساعة الحادية عشرة من صباح التاسع من أبريل 2019، وعلى إحدى ناصيتي تقاطع شارع 17 مع شارع بنسلفانيا، تظاهرت مجموعة من مؤيدى الرئيس السيسى. بينما وقفت مجموعة من معارضيه على الناصية المقابلة من نفس التقاطع. وكانت أمتار معدودة وحواجز أمنية قليلة تفصل بين المجموعتين من ناحية، وبينهما وبين كل من البيت الأبيض ومقر الاستضافة الرئاسي الأمريكي "بلير هاوس" حيث أقام السيسي أثناء زيارته من ناحية أخرى.

  

وبالإضافة إلى وقت التظاهر ومكانه، كانت هناك أوجه تشابه بين المجموعتين. فجميع المتظاهرون سواء المؤيدون للسيسي أو المعارضون هم مصريون يشتركون في وحدة الأصل والجنسية واللغة، وكذلك التاريخ المشترك والثقافة. وكلهم رفعوا العلم المصري، وهتفوا "تحيا مصر". كما أنهم جميعا – وفق ما أدلى به البعض منهما – جاءوا من ولايتي نيويورك ونيوجيرسى حيث يقيمون. ولم يزيد عدد المتظاهرين في كل مجموعة على مئة فرد على أحسن تقدير.

 

وعلى الرغم من التشابه في تلك السمات الديموغرافية والثقافية، إلا أن عدد من أوجه الاختلاف بين المجموعتين كان ملفتا للنظر. فعلى حين ضمت المجموعتين ذكورا وإناثا من فئات عمرية متقدمة نسبيا ومتقدمة في السن، إلا أن مجموعة المعارضين تميزت بتنوع عمري أكثر حيث ضمت أطفالا وشبابا، الأمر الذي غاب عن مجموعة المؤيدين. ويشير ذلك إلى وجود معارضة شبابية للسيسي ونظامه، وإلى حرص أكبر من جانب المعارضين على إنتاج أجيال جديدة منهم. مما يعنى استمرار معارضة السيسي لمدة طويلة قادمة من الزمن في حال بقائه في السلطة، وبالتالي استمرار حالة الاستقطاب.

  

أما عن أسباب التظاهر فكانت أيضا محل اختلاف. حيث أفاد عدد من مؤيدي السيسي أنهم يتظاهرون دعما له هو شخصيا وبشكل مطلق، ولكل ما يقوم به من جهود لمواجهة التطرف والإرهاب، ولبناء دولة قوية، ولتعزيز موقفه في مواجهة معارضيه. بينما أفاد معارضوه أنهم يتظاهرون دعما لقيم الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان في مصر، ورفضا للانقلاب العسكري الذي جاء بالسيسي رئيسا لمصر، وتنديدا بسياساته القمعية من اعتقال وتعذيب وقتل خارج نطاق القانون وإعدامات غير قانونية، فضلا عن التعديلات الدستورية المزمعة والمكرسة للدكتاتورية. وبالمثل تنديدا بسياساته الخارجية التي أدت لتقزيم مصر، والتفريط في ثروات البلاد وتعريض أمنها القومي للخطر، فضلا عن صفقة القرن. وقد يشير ذلك إلى تباين دوافع التظاهر بين المجموعتين، حيث الشخصنة بالتركيز على شخص الرئيس من جانب مؤيديه، في مقابل إعلاء القيم والتركيز عليها في صفوف معارضيه.

 

وعلى عكس مؤيدو الرئيس السيسي الذين تظاهروا بهدف إظهار الدعم المطلق له هو شخصيا، تمثلت أهداف معارضيه في فضح سياساته القمعية، وانتهاكاته لحقوق مصر والمصريين، وخطورة تداعيات التعديلات المزمعة على الدستور الذي يرونه باطلا وغير شرعي من الأساس. وكذلك العمل على إيجاد رأي عام أمريكي ضاغط من أجل وقفها.

  

إلى متى سيظل ذلك الانقسام بين أبناء الشعب الواحد؟ أليس السبيل للخروج من ذلك الموقف المأزوم هو دولة مدنية تضمن العيش والحرية والعدالة الاجتماعية

وقد جسدت مهارات التنظيم والتواصل وجها آخر للاختلاف بين المجموعتين. فعلى المستوى الداخلي كان جليا أن مجموعة معارضي السيسي يعرفون بعضهم جيدا وبينهم علاقات شخصية قوية. بينما غابت هذه المعرفة وتلك العلاقات بين مجموعة مؤيديه. الأمر الذي يطرح تساؤلات حول كيفية التجمع والتنظيم ومصادر التمويل، خاصة أن كلتا المجموعتين جاءت في حافلة واحدة فقط لكل منهما. فمن الطبيعي والمنطقي أن تقوم مجموعة من الناس بينهم علاقات شخصية بالتنظيم والدعوة للتظاهر والتمويل الذاتي على الأقل فيما يتعلق بتكلفة الانتقال، بينما يصعب على مجموعة أخرى لا تعرف بعضها أن تقوم بذلك.

 

أما على مستوى التواصل الخارجي، فقد كان معارضي السيسي أكثر انفتاحا وترحيبا بالحديث إلى الجمهور ومختلف وسائل الإعلام، في إطار السعي لتوصيل رسالتهم إلى الرأي العام خاصة الأمريكي. على حين أبدى مؤيدو السيسي درجة أقل من مهارات التواصل الخارجي واكتفوا بالحديث إلى وسائل الإعلام المصرية التي جاءت ضمن الوفد المرافق للرئيس السيسى. بل إن بعض قادة المجموعة المؤيدة رفضوا صراحة الحديث إلى بعض منصات الإعلام الأمريكية، ومنعوا المؤيدون من ذلك مهدرين فرصة لتوصيل رسالتهم إلى الرأي العام لا سيما الأمريكي.

 

وقد انعكست القدرة على التواصل في الآليات والوسائل التي استخدمها المتظاهرون، والتي شهدت بدورها تشابها واختلافا ذو دلالة هامة. فقد رفع الجميع إعلام مصر وصور رئيسها الذي يدعمون سواء كان السيسي أو مرسى. إلا أن اللافتات التي رفعها مؤيدو السيسي جاءت خالية تماما من أي صور أو أرقام تعكس دوافعهم للتظاهر. فلم توجد أى لافتات تتعلق بإنجازات تم تحقيقها في عهد السيسي، ولا مؤشرات للإرهاب الذي يحاربه أو صور لضحاياه، ولا أي مظاهر أخرى تعزز موقفهم الداعم للرئيس السيسى.

 

وعلى النقيض من ذلك، فقد كانت الوسائل التي استخدمتها مجموعة معارضي السيسي أكثر تعبيرا. حيث تضمن اللافتات التى رفعهوها صورا توضح اعتداءات الشرطة المصرية على نساء وفتيات وأطفال، وصورا لمجازر ارتكبها نظام السيسي في حق مواطنيه كمجزرة رابعة التى رفع المعارضون شعارها. وكذلك تضمنت مجسما كبيرا يمثل حالات الإعدامات غير القانونية، وصورا لقتلى مدنيين بسيناء وغيرها. وصورا تظهر السيسي بملابسه العسكرية كتب عليها عبارة "جنرال عسكرى ارتكب جرائم حرب ضد الإنسانية"، بالإضافة إلى لافتات توضح أرقام ضحايا الاعتقال والقتل والإعدام. ولافتة كبيرة تضمنت عبارة "إن أموال دافعى الضرائب الأمريكيين تستخدم لقتل المتظاهرين المدنيين المصريين". فضلا عن هتافات النساء والفتيات المعارضات للسيسي في مكبرات صوت مع ترديد المتظاهرين.

 

وقد عكست تلك الوسائل التي استخدمها معارضو السيسي درجة عالية من القدرة على التنظيم والتواصل على المستويين الداخلي والخارجي، بالإضافة إلى وضوح أسباب ومطالب تظاهرهم. فضلا عن الوعي بطبيعة الجمهور الأمريكي، وأساليب التواصل الفعال معه. لذلك كان من الطبيعي أن تنجح في لفت نظر وانتباه عدد من المارة، الذين توقفوا يتساءلون فتلقوا إجابات تفصيلية ومنطقية. الأمر الذي جعل مجموعة المناهضين تبدو أكثر مصداقية أمام الجمهور. ولعلها بذلك نجحت في توصيل رسالة المعارضين، وفى كسب رأى عام أمريكي مؤيد أو متعاطف حتى وإن كان محدودا.

  

وأخيرا فإن هذا المشهد التظاهري ما هو إلا انعكاس للانقسام المجتمعي، وتجسيد لحالة الاستقطاب الحاد التي شهدتها مصر وتزايدت إلى حد الخطورة بعد 2013. تلك الحالة التي تهدد وحدة المجتمع، بل وجود الدولة المصرية ذاتها. فإلى متى سيظل ذلك الانقسام بين أبناء الشعب الواحد؟ أليس السبيل للخروج من ذلك الموقف المأزوم هو دولة مدنية تضمن العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية لكل مواطنيها؟



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة