شعار قسم مدونات

في معنى أن تكون أنت

BLOGS تفكير

أي سلبية قدمتها وسائل التواصل الاجتماعي في هذا العصر أكبر من أن تشعر الإنسان أنه محاط بعالم مليئ بالمميزين والسعداء والمبدعين، من كل شكل ولون، حتى ليشعر بأن لا مكان له في هذا العالم. وكأن العالم مصنع تونا عملاق، وأنت علبة تونا أخرى مكررة، لن تستطيع الخروج عن احتمالية كونك اصداراً من اصدارات هذه الشركة.

 

إن الفكرة التي لا يستطيع الانسان استيعابها، هو أنه منفرد بنفسه عن كل الكون، وأن ما اعطاه الله له يختلف جداً عما يعجبه في غيره، وما يستطيع فعله، هو شيء جديد، ولن يستطيع أحد أن يوجد له تلك القوة المميزة داخله، ولكي ينتصر على نفسه، يجب أن يسير في طريق وحيد لا تشبه طريق أي أحد سبقه إلى هنا.

 

طريق موحش أليس كذلك؟ رفضك أن تسلك طريقاً جاهزة – ومملة بالمناسبة – لهو من أصعب الخيارات وأكثرها تحدياً، لكنني وإياك، متأكدون أننا أضعنا الكثير من الوقت في تقليد أناس آخرين قبل أن نكتشف أن هذا ليس عدلاً لنا قبل أن يكون أي شيء آخر.

 

لا يمكن أنكار أن الشجاعة تخبئ الكثير من الشكوك والقلق والاضطراب، ولن ينكر علينا أي أنسان مبدع صراعه الطويل مع شكوكه التي حاولت إعاقته عن هذا المشاور

يقول رولو ماي في مقدمة كتابه شجاعة الإبداع: " نحن مطالبون بالقيام بعمل جديد، أن نواجه أرضاً لم يسكنها أحد، أن نقتحم غابة لم تطأ مسالكها أقدام، ومعنى الحياة في المستقبل هو أن نقفز إلى المجهول، وهذا يتطلب بدوره درجة من الشجاعة ليس لها سابقة مباشرة، ولا يدركها إلا قلة من الناس ."

  

اذاً المسألة مسألة تضحية، تخرج بها نفسك من منطقة الراحة، وبدون ذلك يجب أن ندرك أن روح هذا العصر مهددة بالموت، هذا إن لم يكن عصرنا في مرحلة احتضار حالية من كثرة النسخ المتشابهة، فلا أحد يريد أن يبذل هذا الجهد المطلوب لحياءه، فأن يقدم لك الانستجرام أو اليوتيوب صورة وخطوات بسيطة لتحصل على مال او لتصبح مشهوراً لهو أسهل بكثير من اجهاد نفسك في البحث داخلها لتجد ما لذي فعلاً تستطيع أبداعه على هذا الكوكب، وتسقطه في أيامك القادمة.

 

لا يمكن أنكار أن الشجاعة تخبئ الكثير من الشكوك والقلق والاضطراب، ولن ينكر علينا أي أنسان مبدع صراعه الطويل مع شكوكه التي حاولت إعاقته عن هذا المشاور، قبل أن يستمر في هذه الطريق والموحشة ويصل إلى النور.

 

يعيش الإنسان أياماً عصيبة، فقط ليحاول فيها أن يُصدر صورة عن ما يجب ان يكون عليه في المستقبل، أن يجعل لحياته معنىً وأثر، ولا أقصد بذلك أحلام الطفولة، التي تتبدد وتتبدل لاحقاً، أقصد عن حاجة كل فرد فينا لأن يكون شيئاً في هذه الحياة، وهذا الشيء الذي يجب أن يكون يتطلب فكرة جديدة، ومسلكاً جديد، ليس فقط لتكون إنساناً مختلفاً، بل لأن تركيبتك النفسية والجسدية المعقدة والتي تجعل لكل منا بصمته البيولوجية، تقترح أن يكون لنا بصمة مميزة في الواقع تنتج عملاً لا مثيل له في عمل أي إنسان آخر، وهذا محور الإبداع في كل فنان عظيم.

 

أقصد أن الحيرة في حياة الإنسان نعمة، وتعدد مسالكه وعلامات استفهامه أيضاً نعمة، أنعمها الله على عباده كي يقفوا عند كل مفترق فترة كافية، تجعلهم يكونوا أكثر قيمة وحضوراً في تعمير هذا الكون. لأن لكل منا كون، ولأن علينا أن نكون مبدعين، ولأن الأبداع هو فعل خلق شيء جديد، خصصه الله لنا نحن، جعل فينا روحاً، ميّزنا وأعلانا لنمتلك تلك القدرة، لنسقط ذاتنا ورؤيتنا وتجاربنا التي مهما تشابهت مع آخرين اختلفت، نسقطها في كتاب، رسمة، قصيدة، عمل مؤسسة، أو أي وظيفة قررت أن تكون وسيلتك لتظهر للعالم من أنت. أنت إنسان لأنك ستضطر للحظات أو للأبد أن تسير وحيداً في انطلاقتك وفي مسارك الذي خصصته لنفسك، مهما آنسك الأحباب أو لم يأنسوك، وحيداً أو ممسكاً بيدٍ ما، وباعتزاز.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.