اصطدام نيبيرو.. هل سنشهد نهاية العالم؟

فُتن الإنسان منذ القدم بنهاية العالم والتنبؤ بكيفية حدوث ذلك ومتى سيحدث، فقد جاء في الحديث الشريف أَنَّ أَعرابيًّا قَالَ لرسول اللَّه ﷺ: مَتَى السَّاعَةُ؟، وفي عصرنا الحاضر وبعد أن مرّ العام 2012 بسلام ولم تأتي النهاية التي تنبأت بها حضارة المايا سابقا، وبعيدا عن تنبؤات نوستراداموس العراف الشهير الذي ذكر أنه ستحدث حرب عالمية ثالثة، هناك الآن نبوءة جديدة قديمة لكنها استشرت الآن حول الكوكب ذو الذنب (الطارق) أو كوكب نيبيرو Nibiru كما يسمى باللغة الإنجليزية.

     

هذا الكوكب الذي يقول مروجو فرضية وجوده، اكتشف في ثمانينات القرن الماضي واسمه يعود للتراث السومري القديم، وله مدار طويل نسبيا ويقترب خلاله من الأرض كل بضعة آلاف من السنين دون أن يصطدم بها لكنه يؤثر عليها تأثيرا كبيرا قد يؤدي إلى اختفاء أغلب مظاهر الحياة، بل زعم من يؤمن بوجود هذا الكوكب أنه كان السبب في اختفاء الديناصورات في العصر القديم.

     

لست في هذه المقالة بصدد التحدث عن هذه الفرضية ونفي أو إثبات وجوده أو التعريف به أكثر، علما بأن وكالة الفضاء الأمريكية ناسا تنفي وجوده نفيا قاطعا ويعتبره علماء الفلك من العلوم الزائفة، ويرد عليهم المؤمنون بوجوده بأن كل ما يحدث هو ضمن نظرية المؤامرة والنظام العالمي الذي يخفي الحقيقة عن الناس، وبعضهم يروج صورا وفيديوهات له وكيف تقوم برصده وأين هو الآن ومتى سيصل، ومن خلال متابعتي سابقا كانوا يتوقعون وصوله هذه السنة 2019، ولم يحدث ذلك، وتم تمديد عام الوصول المتوقع إلى 2020 وربما أكثر.

   

تتبع تلك الأخبار وترقبها في رأيي أنه مدعاة للتواكل واليأس وذهاب الهمة والنشاط وإشغال النفس بما لا يفيد، ولم يحرص الصحابة الكرام على معرفة موعد الساعة بقدر حرصهم على تعلم دينه

نحن بوصفنا مسلمين، لدينا فهم خاص لكيفية نهاية العالم وكيف ستحدث القيامة بناء على ما ورد في القرآن والسنة الشريفة، ولكل ملة من الملل الأخرى تصور وفهم خاص أيضا لتلك النهاية، أما موعدها أي (يوم القيامة) فلا يعلمه إلا الله عز وجل، وهو من العلوم الخمسة التي لا يعلمها غيره (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) لقمان 34، لذا فإن الأخبار التي تنطلق كل فترة وأخرى وتتحدث عن وجود كويكب يهدد الأرض الخ، لا تزيد المؤمنين إلا اطمئنانا بما لديهم من يقين وعلم حول نهاية العالم وما يسبقها من أحداث عظيمة وعلامات صغرى وكبرى.

  

لكن ما يلفت الانتباه أن بعض المؤمنين بفرضية وجود هذا الكوكب من المسلمين، يحاولون تكييف بعض الآيات والأحاديث النبوية التي قد تكون في معظمها ضعيفة وموضوعة -وبعضها صحيح- للاستدلال على وجوده، ويقولون إنه لن ينهي الحياة البشرية بأكملها بل سينهي مظاهر المدنية الحديثة والتكنولوجيا ويعيد الإنسان إلى العصور البدائية، ومن أبرز استدلالاتهم حول ذلك نسرده في النقاط التالية دون أن نناقش صحة أو بطلان ما ذهبوا إليه:

  

1- القتال بالخيل والفرس آخر الزمان كما ورد في عدد من الأحاديث الصحيحة مثل (إِنِّي لَأَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ وَأَلْوَانَ خُيُولِهِمْ، هُمْ خَيْرُ فَوَارِسَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ) و (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدا، ويقتل ثلث هم أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث لا يفتنون أبدا، فيفتتحون القسطنطينية فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج، فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة فينزل عيسى بن مريم فأمهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لا نذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده فيريهم دمه في حربته).

 

2- يرى بعضهم أن هذا الكوكب مذكور في القرآن الكريم وبالتحديد في سورة الطارق، ويربطون بين ذكر الله عز وجل للتلقيح البشري في هذه السورة وذكر هذا الكوكب، وأنه يلقح الأرض ويمحي ما خلفه الإنسان من دمار وتلوث فيها ويعيدها نظيفة من جديد.

 

3- أحاديث ضعيفة وواهية مثل حديث عمود النار (ذا رأيتم عمودا أحمر قبل المشرق في رمضان، فادخروا طعام سنتكم، فإنها سنة جوع) و حديث الهدة (هذه في النصف من رمضان ليلة الجمعة ، فتكون هدَّة توقظ النائم ، وتقعد القائم ، وتخرج العواتق من خدورهن في ليلة جمعة ، في سنة كثيرة الزلازل والبرد ، فإذا وافق شهر رمضان في تلك السنة ليلة الجمعة ، فإذا صليتم الفجر من يوم الجمعة في النصف من رمضان فادخلوا بيوتكم ، وأغلقوا أبوابكم ، سدوا كواكم ، ودثروا أنفسكم ، وسدوا آذانكم ، فإذا أحسستم بالصحيحة فخروا لله سجدا ، وقولوا : سبحان القدوس ، سبحان القدوس ، ربنا القدوس ، فإنه من فعل ذلك نجا ومن لم يفعل هلك) وهو حديث موضوع كما ذكر بعض العلماء والمحققين.

 

4- أحاديث وآثار أخرى كثيرة بعضها مرفوع وصحيح وبعضها مقطوع وصحيح أيضا، وبعضها دون ذلك، وكلها قد يكيّفها أي إنسان يؤمن بشيء ما حسب اعتقاده.

  

ما ذكرناه في الأعلى ليس قطعي الدلالة على وجود هذا الكوكب أو عدم وجوده، ولست أنفي أو أؤكد ذلك، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حول القتال في آخر الزمان قد تكون على ظاهرها وربما تكون ذكرت بلغة ذلك العصر حتى يفهمها أصحاب النبي، لا يمكنني الجزم بشيء، وليس هذا يهمنا كثيرا في إثبات اقتراب النهاية أو حدوث بعض العلامات الكبرى أو الصغرى التي نؤمن بها، فقد دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى العمل والكد والجهد حتى عند قيام الساعة كما جاء في الحديث (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها)، وتتبع تلك الأخبار وترقبها في رأيي أنه مدعاة للتواكل واليأس وذهاب الهمة والنشاط وإشغال النفس بما لا يفيد، ولم يحرص الصحابة الكرام على معرفة موعد الساعة بقدر حرصهم على تعلم دينهم والنجاة من الفتن.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة