كيف سقط العالم العربي تحت العسكرة؟

تشكل المؤسسة العسكرية في خضم التحولات العنيفة التي يعرفها العالم العربي منذ انطلاق الربيع العربي إحدى القوى الأكثر نفوذا وهيمنة على المشهد السياسي، حيث نجدها قد ساهمت بدور كبير في إفشاله من خلال التآمر ثارة أو استعمال العنف لمنع تغيير قواعد اللعبة السياسية، ولا شك أن ذلك لم يكن عفويا وليد الصدفة المحضة التي فرضه حدث فجائي غير متوقع وجاء من منطلق حماية الأمن العام ومنع إمكانية الانزلاق نحو الحرب الأهلية، وإنما يوضح حقيقة هذه المؤسسة وعدائها الشديد للحكم المدني وكيف أنها تشكل العقبة الأكبر أمام الانتقال الديمقراطي ما دام نفوذها السياسي والاقتصادي فوق المساءلة.

لفهم هذه الظاهرة لابد من استدعاء التاريخ فعبره يمكن كشف جزء من الحقيقة المغيبة ومن الأكيد أن مشاكل اليوم هي نتيجة لاختيارات الأمس القريب فإن لم نفهم الماضي فمن المؤكد أن هاجس تكرارها مستقبلا يظل قائما، ولتوضيح أسباب هيمنة ظاهرة العسكرة على العالم العربي لابد من الرجوع للحقبة الاستعمارية التي خيمت على المنطقة لعقود، ففي ظلها تحددت الملامح النهائية للدولة كما تم فيها ضبط العلاقات القائمة بين الطبقات والمؤسسات.

ظاهرة العسكرتارية أي هيمنة المؤسسة العسكرية على الحكم لم تقتصر على قطر عربي بعينه دون آخر بل امتدت لتشمل معظمها وتحكمت فيها عوامل متراكمة، دشنت فعليا مع هزيمة العرب في حرب 1948

عانت المنطقة جراء الوجود الاستعماري من إفقار واستغلال اقتصادي بشع قضى على كياناتها وعلى علاقتها الانتاجية السابقة دون أن يرافق ذلك تنمية ولو في حدودها دنيا أو إشراك للأهالي في استثمار ثروات بلادهم وفي تسيير شؤونهم الداخلية ودون تمكينهم من تنظيم أنفسهم عبر أحزاب ونقابات مهنية قوية حيث كان ذلك سيمكنهم من الاحتكاك بالشأن العام وسيقربهم من مشاكله ومعضلاته، كما لم تتشكل برجوازية وطنية قادرة على تحمل أعباء بناء الدولة، وفي مقابل ذلك خلق الاستعمار تنظيمات عسكرية وأمنية قادرة على مجابهة المعارضة والمقاومة المحلية التي كانت في معظمها ضعيفة ومفككة تتكون في غالبيتها من أفراد تلقوا تعليمهم في الغرب وكانوا معزولين عن واقعهم المحلي وبلا سند شعبي قوي فغالبية الجماهير كانت ريفية أمية بلا وعي سياسي ومفرقة تعيش أسلوب حياة بسيط لم يتغير عما كان عليه الحال قبل الحقبة الاستعمارية.

ومع انحسار الاستعمار واجه العالم العربي العديد من الصعوبات الجسيمة خلال عملية بناء الدولة الحديثة كان من أبرزها تبعية استعمارية جعلت من الاستقلال عملية شكلية كما استفحلت حالة الاستقطاب السياسي والاجتماعي بين القوى التي كانت في سابق متحالفة فيما بينها للقضاء على الوجود الاستعماري فانكشف الصراع الذي ظل مضمرا حول السلطة، ومع الافتقاد إلى آليات مؤسساتية لتداول الحكم وغياب قوى مدنية قوية سرعان ما احتد التنافس ليتخذ طابعا عنيفا، استغلت المؤسسة العسكرية ذلك الفراغ لتأكيد وجودها ومكانتها مستفيدة من كونها تتمتع بشرعية الحق في القوة للحفاظ على النظام والأمن ومن جهة أخرى كونها الطرف الأكثر نفوذا وتنظيما دون أن ننسى شعبيتها الجارفة خاصة في البلدان التي حصلت على استقلالها عبر ثورة مسلحة كما هو الحال بالنسبة للجزائر.

وظاهرة العسكرتارية أي هيمنة المؤسسة العسكرية على الحكم لم تقتصر على قطر عربي بعينه دون آخر بل امتدت لتشمل معظمها وتحكمت فيها عوامل متراكمة، دشنت فعليا مع هزيمة العرب في حرب 1948 التي لم يستسغها القادة العسكريون حيث كانت دافعا لهم للخوض في الحياة السياسية، وشكل انقلاب حسني الزعيم في سوريا سنة 1949 أولها ثم تعاقبت موجات أخرى في باقي البلدان، فقد تصوروا أن حكم المدنيين وسلوكهم السياسي أفضى إلى تراجع خطير في جميع المجالات وبالتالي لابد من المبادرة للحيلولة دون الانهيار الشامل ولذلك جاء تدخلهم في الحياة السياسية من منطلق التحديث واللحاق بالغرب وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة مزجت بين مبادئ الاشتراكية والقومية.

وبلغ نفوذهم أعلى مستوياته خلال الفترة القومية حيث تحولوا في بعض الأحيان إلى دولة داخل دولة أو فوق الدولة نفسها مستغلين غياب المعارضة المحلية، اذ هيمنوا عليها عبر خلق بيروقراطية ضخمة تغلغلت في جميع مرافق ومؤسسات الدولة، أسفرت في المحصلة عن سيطرتهم على أهم المناصب السياسية والاقتصادية، وبهدف حماية مصالحهم المادية وظفوا الادوات القانونية لزيادة مخصصاتهم من الموازنة العامة ومنع مناقشتها أو التدقيق محاسباتي، ومع تعاظم حجم نفوذهم تشكلت علاقات انتاجية جديدة حينما انخرطت المؤسسة العسكرية بكل ثقلها الاعتباري في الحياة الاقتصادية كفاعل ومستثمر اقتصادي إما بشكل مباشر أو بالتعاون مع نخب اقتصادية التي دفعتها الانتهازية لربط علاقات معهم واستغلال نفوذهم لتحقيق امتيازات ومكاسب غير مشروعة.

الحكم العسكري سواء الصريح أو الضمني يؤثر على عملية الانتقال الديمقراطي كما أثبتت التجارب التاريخية في أمريكا اللاتينية، وإذا استمر بشكله الحالي ولم يخضع للرقابة المدنية فستظل عملية بناء الدولة المدنية متعثرة

وكان لهذه التحولات دور كبير في تغير عقيدة الجيوش فبعد أن ظلت خلال عقود الخمسينات والستينيات تنادي بالتحرر الوطني وتحقيق التنمية تحولت إلى النقيض من ذلك وتخلت عن هذه التوابث بعد أن ربطت وجودها ومصالحها بالتحالف مع القوى الغربية خاصة الولايات المتحدة الأمريكية مقابل الحصول على المساعدات العسكرية والاقتصادية كما في حالة مصر إبان حكم السادات، ومن جهة أخرى أفضى هذا التداخل بين المؤسسات الاقتصادية والعسكرية إلى ترسيخ الريع الاقتصادي وتنامي حالات الفساد الهيكلي الذي يقوض قواعد المنافسة الشريفة ويهيأ لنشوء لوبيات الاحتكار ونهب المال العام، ويمكن فهم خطورة الأمر إذا علمنا أن القطاعات الاستثمارية التي يهيمن عليها الجيش لا يستفيد منها الاقتصاد المحلي فهي معفية من الضرائب وليست تصديرية وبالتالي تحرم المالية العامة من موارد هامة.

تورط المؤسسات العسكرية في الحكم وإدارتها للشأن العام عبر فرض قوانين الطوارئ والتضييق على المجتمع المدني وتوجيه الرأي العام لتبني مواقفها وقبول سياساتها كان لها آثار جسيمة أفضت لموت الحياة السياسية وسيادة منطق الصوت والرأي الواحد، وهذا أمر طبيعي فمن المتفق عليه أن ميولها معادية لجوهر الديمقراطية القائم على تعدد الآراء والميول والاتجاهات وتوسيع هامش الحريات العامة ولمشاركة المدنيين في الحكم من منطلق عدم كفاءتهم وأنه من مسببات ترسيخ روح الفرقة والتعصب والانقسام المجتمعي، وهذا يبين لماذا اتخذت غالبية القيادات العسكرية موقفا عدائيا لثورات الربيع العربي لكونه تهديد وجودي للوضع القائم الذي لا ترغب في تغييره خاصة مع تجذر شبكات علاقاتهم ومصالحهم، بينت هذه الثورات مدى تحكم ونفوذ المؤسسات العسكرية في الحياة السياسية وخطورة إدارتها للمرحلة الانتقالية نحو الحكم المدني، وهنا يمكن أن نميز بين نمطين في تعامل المؤسسات العسكرية مع الحراك الجماهيري الأول يتمثل في العنف الشديد والاستعمال المفرط للقوة العسكرية دون تقديم للتنازلات تحول إلى حرب أهلية كما في حالة سوريا والنمط الثاني تعامل بحذر وخطط لثورة مضادة تحت غطاء الشرعية الشعبية والدستورية وبهدف حماية الأمن العام كما حصل في مصر مع انقلاب الجيش على حكم الإخوان.

والشاهد أن الحكم العسكري سواء الصريح أو الضمني يؤثر على عملية الانتقال الديمقراطي كما أثبتت التجارب التاريخية في أمريكا اللاتينية، وإذا استمر بشكله الحالي ولم يخضع للرقابة المدنية فستظل عملية بناء الدولة المدنية متعثرة، إلا إن تم تفكيك شبكات المصالح والنفوذ العسكري داخل أجهزة الدولة وهو أمر غير ممكن لعدم نضج الشروط اللازمة لمثل هذا التحول، ومنها غياب ثقافة سياسية عميقة فالديمقراطية لا تعني فقط الانتخابات والأحزاب والبرلمان ووجود قوانين وإنما هي فلسفة متكاملة للحياة، علاوة على افتقاد العالم العربي لتنظيمات مدنية قوية قادرة على منافسة القيادات العسكرية وتحجيم نفوذهم واستقلاليتهم ثم غياب دعم دولي من قبل القوى الكبرى المؤثرة التي تفضل دعم الأنظمة العسكرية عوضا عن الرهان على القوى المدنية نظرا لعلاقات المنفعة المتبادلة بينهما في ملفات عديدة كمحاربة التنظيمات المتطرفة إضافة إلى كون المدنيين لا يمكن التكهن بسلوكهم السياسي وباختياراتهم، وبهذا يمكن فهم الدعم الغربي للانقلابات العسكرية وللثورات المضادة لكونها ستعيد انتاج نفس أنماط العلاقات القائمة بين مركز مهيمن وأطراف تابعة وحماية مصالحها الاقتصادية وهي الغاية الأهم.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة