في حب السودانيين وثورتهم المجيدة

في كل مكان على هذه البسيطة ستجد السودانيين، بابتساماتهم الطيبة، وملامحهم البشوشة.. فمنذ أن شردتهم الحكومات وبددت أحلامهم الأنظمة الفاسدة، انتشروا في بقاع الأرض كبذور الياسمين، لينبتوا في كل أرض هاجروا إليها، وينثروا الطيبة والمحبة في كل مكان.. ستندهش عزيزي القارئ إذا تجولت يوماً في شوارع الخرطوم، درجات الحرارة هناك مرعبة بحق، تتجاوز الخامسة والأربعين مئوية، سخونة تجبر حتى الحديد على تغيير ملامحه، تجبر الأزهار على الذبول.. لكن برغم ذلك تظل الابتسامات والبشاشة حاضرة في كل الوجوه وفي كل الأزقة، ستجد أناساً يتقسمون الحب واللقمة وضيق الحال..

 

حالة اقتصادية مزرية، وشعب مطحون جرى التنكيل به وجزره جزراً على مدى ثلاثين عام من الحكم الاستبدادي الشمولي، نظام أمسك فعلياً كل مفاصل الدولة وحول الوطن إلى زنزانة كبيرة يحرسها الجلادون والقتلة. ذلك الشعب الطيب المبتسم استقطعت منه حكومة البشير وتنظيمه ثلاثين عاماً كاملة، أجيال كاملة نشأت وترعرعت في ظل هذا البؤس، لم تعرف قط رئيساً غير البشير، الذي حاول جاهداً أدجلة تلك الأجيال الصغيرة وتدجينها بشتى الطرق والأساليب الخبيثة.. حتى أن أحداً لم يكن ليتخيل أن الفرعون سيسقطه مجدداً من تربى في قصره ووفق مناهجه الدراسية وإعلامه الرسمي، لكن هذا ما حدث.   

 

اليوم وبعد شهور كثيرة وليالي مضنية انتصرت الثورة، وبدأت المعارك السياسية الطويلة.. لكن ما زال الجميع في حالة من التشكك وأحيانا حتى الفوبيا من أخطار الثورة المضادة التي تتربص بالشعب من كل مكان

19 ديسمبر هو يوم إعلان الاستقلال من داخل البرلمان.. وللمرة الثانية كان هذا التاريخ مفصلياً في حياة السودانيين، هناك في شرق البلاد بعيداً عن العاصمة الخرطوم ودون أي سابق إنذار حدث الانفجار العظيم الذي زلزل عرش الطاغية، خرجت الجماهير عن طورها لأول مرة منذ العام 1985 واستباحت الشوارع ومباني الأجهزة الأمنية، الصدمة حينها ألجمت الجميع، لكن سرعان ما استعاد النظام السيطرة وقمع الجموع بالرصاص وأزهق عشرات الأرواح في ليلتها.

 

لكن كرة الثلج كانت قد بدأت فعلياً في التدحرج، وسرعان ما بلغت العاصمة في مواكب ومظاهرات واجهتها السلطة بقمع لم يسبق له مثيل في تاريخ الثورات، ملاحم استمرت في الشوارع لأكثر من أربعة أشهر، مجازر مرعبة ارتكبتها السلطة وتجاهلها الجميع، من إعلام محلي مأجور وإعلام عربي يسير وفق المصالح والتوازنات التي تخدمه فقط. السودانيون فعلياً قاتلوا وحدهم، دون أي غطاء إعلامي أو دعم من أحد، دفعوا الدماء ومشوا على الجمر الحار لوحدهم، وتقبلوا الرصاص بصدور عارية إلا من الإيمان بمشروعية مطالبهم وقدرتهم على تحقيقها.

 

هل تتصوروا أيها السادة أن هناك معلماً جرى تعذيبه ومن ثم الإجهاز على حياته بالخازوق على طريقة دراكولا في العصور الوسطى، هل تعرفون أن هنالك طيباً جرى إمطاره بوابل من الرصاص وهو يحاول إسعاف المصابين، هل سمعتم بالطفل الذي تلقى رصاصة في رأسه وفارق الحياة.. والكثير الكثير قد حدث تحت التعتيم الإعلامي والتجاهل المتعمد لما كان يجري من مجازر لا يمكن تصور بشاعتها أو اختصارها في مقال أو اثنين.

 

اليوم وبعد شهور كثيرة وليالي مضنية انتصرت الثورة، وبدأت المعارك السياسية الطويلة.. لكن ما زال الجميع في حالة من التشكك وأحيانا حتى الفوبيا من أخطار الثورة المضادة التي تتربص بالشعب من كل مكان، فبعد ثلاثين عام من الكذب والمراوغة السياسية والخداع الممنهج سيكون من السذاجة توزيع الثقة بالمجان، الشعب اليوم -وبحرص شديد- يفترض سوء النية بالجميع حتى يثبت العكس.. إذ لا مجال لأخطاء أخرى.

 

المستقبل ما زال غامضاً، والفرحة ما زالت مؤجلة حتى إشعار آخر، وكذلك الطريق ما زال طويلاً ومظلماً لكن الجميع مُصر على إكمال المسير حتى النهاية.. حتى تحقيق الأحلام.. أحلام الذين أرهقت الغربة مضاجعهم وأضاعت أعمارهم، أحلام من قطعوا المتوسط بالأيدي والأقدام لأجل لقمة طيبة، أحلام الطفل الذي انتحر قبل عام في أحد شوارع الخرطوم لأنه فشل في أن يوفر ثمن العلاج لوالدته المريضة، أحلام "ستات الشاي" اللائي يمنين النفس بأمسية واحدة يقضينها مع صغارهن..

أحلام الصغار في دارفور بليلة واحدة هنيئة تكمل فيها الجدة حكاية ما قبل النوم دون أن تقاطعها أصوات المدافع والرشاشات. أحلام الجميع بوطن حقيقي يملك قراره ولا يتسول اللقمة عند أحد، وقبل كل هذا محاكمة المفسدين والقصاص لدماء الشهداء الطاهرة التي عبدت الطريق وأنارت الدرب للجميع. الشعب السوداني يستحق حياة أفضل من هذه، يستحق وطناً حقيقياً يشبه طيبته وتسامحه.. يستحق أن يخرج أخيراً من دوائر المؤامرات والمكايدات الإقليمية والدولية. وعلى الجميع أن يفهم أن الردة مستحيلة، وأن عقارب الساعة لا يمكن لها أن تعود إلى الوراء.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة