شعار قسم مدونات

دروس من اعتصام القيادة العامة بالسودان

blogs السودان

التكافل قيمة إيمانية عظيمة حثنا عليها الشرع ورغبنا فيها يقول صلى الله عليه وسلم: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر، يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة)، وهو من أجل الأعمال وأفضل القربات يقول صلى الله عليه وسلم: (أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم). ويظهر أثر التكافل في المجتمعات في زيادة ترابطها، والألفة بنينها، في السودان تبرز قيمة التكافل واضحة في المجتمعات إذ عرف أهل السودان بكرمهم وإنفاقهم

  

اعتصامات السودان

وقعت في الآونة الأخيرة بالسودان أحداث خرج الناس على إثرها مطالبين برحيل النظام الذي عاث في الأرض فساداً بعد أن أغلقت في وجوههم كل خيارات الإصلاح، مع غياب تام لأي محاولاته، وتطور الأمر إلى أن وصل لاعتصامهم أمام القيادة العامة للقوات المسلحة والكلام هنا ليس عن حكم ذلك من ناحية شرعية ولا عن الخوض فيما تناوله أهل العلم من مسائل فيه، لكن مجمل الحديث هنا عن عكس جوانب طيبة وأخلاق نبيلة برزت مع هذه الأحداث وتخللت هذه التجمعات وتنبيهات من محب وأخ لإخوانه، أذكر منها على سبيل الاختصار.

 

أماكن التجمعات التي يحتمل فيها إطلاق رصاص أو أي نوع من الاشتباكات مظنة فقدان الأنفس فعلى الإنسان أن يكون جاهزاً متسلحاً للموت فيتجنب قول الفحش والنميمة

من هذه الخصال السمحة تدافعهم في عمل الخير وبذل المعروف، يجمعهم هدف واحد وهو إزالة الظلم والفساد عن عاتق البسطاء وأن يعم لهم الأمن والرخاء، ومن جميلها كذلك أن ترى شباباً في مقتبل العمر يقودون التغيير ويتقدمون الصفوف لا يخافون التهديد ولا الوعيد، يقدمون كل نفيس ويبذلون كل غالٍ من أجل أن ينعم غيرهم بالراحة يقفون ساعات النهار الطوال وهم يدفعون عن قضيتهم ويناضلون من أجلها.

 

خرج الشباب وكحال أي تجمع يطول يبدأ يفتقر لبعض الحاجيات فما كان منهم إلا التدافع لتقديم كل ما ينقصهم دون تردد أو تباطؤ. من أروع البذل وسرعة العطاء أن كل نقص يكتمل بمجرد النداء له كلٌ يريد أن يقدم ما عنده، كلٌ يريد أن يكون هو المبادر المتقدم، هو السباق المعطاء في مشهد يحكي الكرم السوداني الفياض والنفس السودانية الأصيلة.

 

ومن أروع المشاهد شبابا يحملون كيساً كبيراً يجمعون فيه المال لإعانة إخوانهم ممن لا يملكون ما يبلغون به ديارهم والجميل أنهم يجمعونها ممن حولهم في ساحة الاعتصام يرددون عبارة سودانية (كان ما عندك شيل ولو عند خت) بمعنى أنك إن كنت محتاجاً للمال فخذ من هنا وإن كان لديك سعة من مال فأبذله لغيرك هنا، والشباب يتدافعون لبذله لغيرهم، كذلك من الخصال المشرقة التي برزت سقي الماء فسارع بعض الشباب لجمع تبرعات وشراء كميات كبيرة من مياه الصحة وتوزيعها على الناس وبعضهم تبرعوا بها من مراكز التسوق الخاصة بهم، راسمين بذلك أروع صورة للبذل والعطاء.

 

الشعب السوداني محب للدين بفطرته محب لأهله وإن كان قد حكم زماناً من طغمة لعبت باسم الدين وشوهت صورته وتكسبت به مصالح شخصية إلا أن وعيهم وإدراكهم أن ذلك مناف لدين الله الحق ظهر ذلك في هتافاتهم (الدين بقول الزول إن شاف غلط ينكر) وهو ما جاء به الشرع الحنيف. تذكرني هنا أبيات الشاعر السوداني محمد عثمان عبد الرحيم التي يصف فيها أهل السودان مبيناً مجدهم وكرمهم وحسن سيرتهم

 

أيها الناس نحن من نفر عمروا الأرض حيث ما قطنوا

يذكر المجد كلما ذكروا وهو يعــــJJـتز حين يقترن

حكموا العدل في الورى زمنا أترى هل يعود ذا الزمن

ردد الدهر حسن سيرتهـــــــم ما بها حطة ولا درن

نزحوا لا ليظلموا أحدا لا ولا لاضطــــــهاد من امنوا

 

تنبيهات

1) (لا تحسبوه شراً لكم) حكم الله في كتابه والنبي صلى الله عليه وسلم في سنته أن أمر المؤمن كله له خير وأحيانا قد تغيب عن المرء مظاهر تلك الخيرية لأمر يعلمه الله، فلا يحملنا ضيق الحال أحياناً أن نتضجر أو أن يصدر منا ما لا يرضي الله عز وجل.

 

2) (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) هذه رسالة لأخواني وأخواتي ممن يسر الله لهم أن يشاركوا في أمر عجز عنه غيرهم، جعل الله أمر المحاسبة منوطاً بالسعة والقدرة فعذر غير المستطيع حتى في أداء شعائره، فمن باب أولى أن نعذر نحن أخواناً لنا ربما لم يستطيعوا أن يشاركونا في كل أمر نريده، فما ينبغي أن يخون من لم يشارك وأن لم يعتذر عن ذلك ما دام أن مراده مرادنا وأمره أمرنا، فسعة الصدر وتقبل أمر الغير لهو من صميم الأخوة والمحبة.

 

3) (حرية – سلام – عدالة) شعار جاء الإسلام كاملاً بمعانيه، حاثاً عليها قبل أن ينادي به أي إنسان، فالإسلام كفل للناس الحرية ودعى للسلام وأمر بالعدالة، ومن ينادي بهذا الشعار ينبغي أن يدرك تماماً معانيه ويعمل بها، والكلام سقته لأن البعض ينادي به لكن قد يخالفه، أحياناً عن قصد وأخرى عن تسرع وجهل، فلو كان لك رأيا معينا في أمر اجتهادي ثم جاء أحد برأي خالفه في الفرع لا في أصل الأمر فينبغي تقبله من باب (الحرية) وتحقيقاً (للسلام) و(العدالة) وليكن شعارنا (رائي صواب يحتمل الخطأ ورأي غير خطأ يحتمل الصواب) وما ينبغي أن نحجر واسعاً.

 

4) جميل أن يشعر كلنا بالمسؤولية ويشارك فيها والأجمل أن تصحبها حدودنا الشرعية حتى ننال توفيق الله وإعانته، وما ينبغي أن نغتر بالكثرة فقد قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين (لن نغلب اليوم من قلة) فهزموا في أول الأمر ليعلموا أن كل نصر إنما يكون بتوفيق الله لا بأمر العبد، أسوق هذا الكلام لأن البعض لا يقبل نصحاً ولا يراعي توجيهاً وإن ذكره أحد بحدود الله أتهمه بالخيانة والعمالة وأنه من الفئة القليلة التي لا تقف في صف الثورة.

 

5) أماكن التجمعات التي يحتمل فيها إطلاق رصاص أو أي نوع من الاشتباكات مظنة فقدان الأنفس فعلى الإنسان أن يكون جاهزاً متسلحاً للموت فيتجنب قول الفحش والنميمة وأن ينشغل بما يحبه الله ويرضاه وما يحقق له مراده الذي خرج له ويكثر من الدعاء فكل طاغية الله قادر على قهرة وإذلاله.

 

6) ينبغي أن نفرق بين دين الله الذي قال عنه الله عز وجل: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) وبين دين من تكسب به الدنيا فما يحملنا بغض طاغية عاث في الأرض فساداً باسم الدين أن نتبرأ من الدين أو نعتبره لا يصلح.

 

نسأل الله أن يتقبل من مات وأن يسكنه فسيح الجنات وأن يحفظ على السودان أمنه وأن ينزع منه كل مفسد ومخرب.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.