ثورة الوعي.. هل نحن مع موعد لسودان جديد

في ظل المشهد الحاضر وبقوة في السودان، وبعد أن بدأت مظاهرات سلمية تُندد بغلاء الأسعار وتُنادي لِتُسمع السلُطات أن هذا الشعب قد سئم موجة الغلاء المتزايدة في ظل أزمة الوقود والخبز التي تمر بها البلاد، والوعود الوهمية التي كانت تطال الشعب كل يوم بتحسين الوضع المعيشي رغم تردي الأوضاع على وتيرةٍ متزايدة، ومع استمرار الحزب الحاكم في إطلاق وعُودٍ كاذبة مما زاد حنق الشارع السوداني وجعله ينفجر في وجه النظام مُنادياً برحيله.

 

ففي الوقت الذي أخذت الاحتجاجات فيها منحى سلمي تماماً قام النظام بإشهار ما سماه جنود الظل كي يطلقوا الرصاص الحي في مواجهة المُتظاهرين العُزّل مما زاد من حنق الشارع، استمرت المسيرات واستمر القمع والقبض على المتظاهرين وضربهم وتعذيبهم دون وجه رحمة، تدوي في ذاكرتي كلمةُُ قالها أحد جنود النظام العام لأخي: "إن أمسكنا مُتظاهراً فلن نجعل فرقاً بينه وبين أُخته"، لك أن تتخيل نظاماً يستخدم كل أوجه القمع كيف لا يجعل الشارع ينفجر، ولأن منزلي قريب من الجبال فمع بداية التظاهرات كنا نسمع صوت صراخ المتظاهرين الذين يمسك بهم الأمن ويقومون بضربهم، وكانت الصور التي نُشرت لشكل الضرب والتعذيب الذي تلقاه المتظاهرين على مدى ثورتهم السلمية أكبر دليل.

 

نحن نرى الأن كما لم نر من قبل، لا يرضى الشعب بحلول وسطيه يُريدها شعبية ديمُقراطية، خاليه تماماً من كل أوجه النظام القديم

كُلما هدأ الشارع كان سؤال يتردد صداه وماذا بعد؟ هل سيبقى هذا النظام مشهراً أسلحته في وجه المواطن الأعزل؟ ألن تنطفئ شمس هذا النظام؟ أسيظل الوضع على ما هو عليه؟ ألن يرحل؟ وإن كان فمتى؟، كُلها أسئلة كانت بلا جواب مشرعةً في وجه الشباب المُتظاهر ضد النظام وظُلمة، تحوم في أذهان أهالي الشُهداء، وكانت ذكرى سته أبريل التي أطاحت بالرئيس السابق نميري شرارةً غيرت وجه الثورة، زادت سلمية الثورة وصمد الشباب الحالمون بالتغيير في وجه النظام.

 

لكن الأمر الذي اختلف وما لم يتوقعه النظام الذي ملأ الشوارع بالجيش، أن يقف الجيش مع المواطنين العُزل لحمايتهم، ويجعلهم يصلون في مسيرتهم إلى القصر الرئاسي ومبنى القيادة العامة للقوات المسلحة، ولم يتوقعوا أيضاً أنه وصل بهم الوعي لأن لا يبرحوا أماكنهم حتى تنجح ثورتهم ولسان حالهم يقول: "لن نبرح حتى نبلغ"، وهكذا سطرت الثورة السودانية الشبابية في المقام الثاني الواعية بالمقام الأول عهداً جديداً لدولة السودان، أعلن الجيش عن مرسومٍ هام! ترقب الشعب وأملوا أن تكون هذه نهاية النظام الحاكم.

 

في صباح الخميس الحادي عشر من أبريل استيقظ الشعب وكله أمل برحيل النظام، شُرعت الأعلام ورفع الشعب رايات النصر، أمل بالحرية والخلاص وظل مُترقباً للبيان الهام! ولكن، صدمة الشعب كانت أكبر من أن توصف لم يبرح المتظاهرين أماكنهم، زادت أعدادهم، الملايين من الشعب أمام مقر القيادة العامة للجيش، هل ظن النظام للحظة أن الشعب يمكن أن يستبدل البشير بابن عوف، ما الفرق أيخدعون الشعب بوجهان لعملةٍ واحدة، نادينا بسقوط النظام لا باستبدال الكراسي، زاد خنق الشارع وأعداد المتظاهرين، نداءات الجوع أصبحت نداءات خلاص من عهدٍ دام ثلاثين عاماً.

 

لم يعد الشعب خائفاً، فقد فقدنا الولد في سبيل الخلاص، ليسوا ضحايا كما يُسميهم النظام بل شهداء فداء الوطن، انتهى عهد تكميم الأفواه، انتهى عهد الظلام وغشاء البصر والبصيرة، نحن نرى الأن كما لم نر من قبل، لا يرضى الشعب بحلول وسطيه يُريدها شعبية ديمُقراطية، خاليه تماماً من كل أوجه النظام القديم، كانت هُناك كلمة واحدة في البيان الذي ألقاه ابن عوف صادقة: " الغني يزداد غني والفقير يزداد فقراً". لازالت الثورة مستمرة وقد شهدت الجمعة الثاني عشر من أبريل اعتصاما ضاهى ما كان عليه في الأيام السابقة، لا نريد نفس الوجوه فقط قومية ديموقراطية، لا نريد كلاما ووعودا وشعارات بل حلولاً وأفعال، وهذا ما لم يستطع فعله الرئيس السابق عمر البشير ولن يستطيعه ابن عوف.

 

تظل بعض الأسئلة مشرعة، من الأصلح من المدنيين للإمساك بزمام الحكومة الانتقالية، في ظل باتت الحكومة العسكرية مرفوضة تماماً من قبل الشعب، فهناك أسماء كُثر لازالت تُطرح ولكن من الأجدر؟ ما دور الجيش في ظل حكومةٍ انتقالية مدنية، وهل ستُحل هذه الأزمة التي تمر بها البلاد سلمياً كما هي الثورة أم سيلجأ ابن عوف للقوة كما فعل البشير من قبل؟ لازالت الساعات تمضي والشعب مصمم على كلمته "فجر الخلاص قرّب"، فهل سيشهد السودان فجراً جديداً فجر كما ينبغي له أن يكون.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة