عندما يكون الاكتئاب فرصة ثانية!

blogs اكتئاب

الساعة تشير إلى الخامسة صباحا، أغلب الناس نائمون، والبعض مستيقظون لأداء صلاة الفجر. لكنك لا تستطيع القيام من مكانك، وفي نفس الوقت لا تستطيع العودة إلى النوم. كل ما تملكه هو التذمر من استيقاظك في هذا الوقت من الصباح الذي لن ينفعك بشيء سوى بإطالة يومك الممل. لست في عطلة، لكن لا طاقة لك بالعمل، تحس بالإحباط. في نفس الوقت، أنت مجبر أن تعمل. العالم مسرع ولن يتحمل تباطؤك. لذا فأنت تذهب كل يوم إلى العمل، أو الجامعة، أو المدرسة، أيا كان، دون أدنى رغبة، فقط للضرورة. ويمر اليوم بأقل الأضرار، وتتوالى الأيام دون أي هدف، محملة بالتشاؤم وضيق الصدر.

تأخذ يوما أو يومين إجازة بهدف استجماع عقلك، تحاول القيام بما تحب دون ضغط المسؤوليات، لكنك لا تنفك أن تفكر بها. تضغط عليك أيما ضغط. وكأن لا شيء بالحياة ذو أهمية سواها. هواياتك تفقد معناها، وقت فراغك يصبح حقا فراغا تاما. حتى أنشطتك اليومية تصبح ثقيلة، صعبة التنفيذ. تحس بالذنب تجاه نفسك، وتجاه وقتك الضائع، الذي لم يعد يصلح لشيء سوى لسجنك وسط أفكارك. وأنت تتساءل عن قيمتك، عن أهميتك، ولا تجد جوابا. لا يفيدك وجود عائلتك ولا قرب أصدقائك، ولا عملك، ولا وقت فراغك.

المشكل أنه عندما يلم بك داء عضوي، يكون الألم المحفز الأساسي للعلاج. في المقابل فإن الخطير في الداء النفسي هو قمعه لمحفزات العلاج. فأنت تدرك أن شيئا مؤلما يجتاحك لكنك لا تدري كيف تصنفه

ثم تبدأ الحياة في التراكم عليك شيئا فشيئا، تارة تتعب عقلك من هول التفكير، وتارة تتركه وحده في مواجهة الفراغ، ولا أحد يستطيع الوصول إليك، أقصى ما سيصل إليه محيطك هو حزنك وضياعك الدائم وغير المفهوم. بعضهم سيقلق عليك وبعضهم سيأخذه على محمل شخصي وبعضهم سيحزن لأجلك، والبعض سيحاول إشباع فضوله بالسؤال عنك. لكن هذا لن يزيد سوى الطين بلة. فأنت لم تعد عالة على نفسك فقط بل أصبحت عالة على الآخرين كذلك. وهذا أمر مخز بالنسبة إليك، مثير للشفقة.

لذا يصبح الحل المؤقت بالنسبة لك هو الانطواء، لا فائدة منه سوى أنه يقيك من ضغوطات المحيط.
تسقط في بحر من اليأس، تغرق بين أفكارك المتسارعة، لم تعد تدري مالذي أوصلك إلى هنا، ولا تملك طريقة للرجوع أدراجك. لا زلت تتساءل عن قيمتك بين صخب الحياة. ولا زلت لم تجد الجواب. تمنى من أعماق قلبك أن ينتهي الأمر لكنك لا تملك الشجاعة لتنهيه. تعلم أن الأمر بيدك لكنك لا تدري من أين تبدأ. فتقف مكانك وتتقوقع على نفسك، محتاجا للمساعدة خجلا منها.

هل سبق وعشت أمرا مماثلا؟ أو شيئا من هذا القبيل؟ هل ذكرك هذا بقريب لك؟ حسنا وإن لم يكن الأمر كذلك، فلتعلم أن ما سبق ليس حالة نفسية عابرة، ولا ضعفا وانكسارا يهدد موقعك الاجتماعي. وإنما مرض، يدعى الاكتئاب، ليس سببه ضعف الشخصية ولا البعد عن الله، وإنما داء قد يصيب أي كائن حي بسبب نقص في مجموعة من النواقل العصبية بالدماغ التي تحسن مزاج الإنسان وتلعب دورا في الإحساس بالطمأنينة. إذن فهو في الحقيقة خلل عضوي يترجم بشكل نفسي. يمكن أن يتسبب فيه أي حدث في حياتك، حسب قدرتك على التحمل. وله علاج كغيره من الأمراض يقتضي الصبر، الانضباط والالتزام بتناول العقاقير إذا تطلب الأمر ذلك والأهم من كل هذا الإقرار أن كل ما ستقوم به من تدخلات رفقة الطبيب، والدواء والعلاج النفسي ليس سوى مساعدات لتجد حلولا لمشاكلك بنفسك. وتبقى أنت سيد الموقف، واجبك كشخص لنفسه عليه حقا أن تطلب المساعدة ممن حولك. والأهم من ذلك أن تستشير طبيبا.

المشكل أنه عندما يلم بك داء عضوي، يكون الألم المحفز الأساسي للعلاج. في المقابل فإن الخطير في الداء النفسي هو قمعه لمحفزات العلاج. فأنت تدرك أن شيئا مؤلما يجتاحك لكنك لا تدري كيف تصنفه. ربما لا تتقبل أصلا ضعفك واحتياجك للمساعدة. تلوم نفسك لعدم قدرتها على تجاوز المشاكل. وتلوم محيطك لعدم فهمهم ما يؤلمك. لذا فحتى محاولاتك لمواجهة الحياة، تبنى على منطق خاطئ متسم بالتشاؤم والإحباط وقلة الحيلة.

لكن اعلم أنه من أنزل الداء، أنزل الدواء. لذا فالتداوي أمر واجب عليك تجاه نفسك. وإن كانت المراحل تبدو صعبة التحقيق في البداية، ضخمة من النظرة الأولى، فاعلم أنه من الحكمة التركيز على الخطوة الأولى، والتي تكمن في استشارة طبيب نفسي أو على الأقل طبيب عام. واعلم أنك في وقت ما ستدرك كم كنت قويا في مواجهة ضعفك، حكيما في اعترافك به. مثابرا عندما جربت العديد من الحلول ولو أنها باءت بالفشل. ستدرك أيضا انه لا توجد حلول فورية. فحل المشاكل يحتاج وقتا، جهدا، وليونة في التعامل.

خلقنا ضعفاء، وقوتنا تكمن في مواجهة أنفسنا، تقبل ضعفنا، وتليين قلوبنا بهدف إيصال رسالتنا في الحياة، ألا وهي عبادة الله بأي شكل يقدم الخير للعالم. لذا فربما مرورك من حالة اكتئاب ليس فقط سوى فرصة ثانية لمراجعة طريقة حياتك، وإعادة بنائها على أركان ثابتة، ستجدها وحدك في خضم العلاج. وهذا هو الجميل في المرض، يكسر الجسد، فيعاد بناء الروح.