السيسي في واشنطن.. بين التأييد والمعارضة

استقبل الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" بمكتبه بالبيت الأبيض، نظيره المصري "عبد الفتاح السيسي" في التاسع من أبريل 2019. وكان السيسي قد وصل إلى العاصمة الأمريكية واشنطن في اليوم السابق، وأقام بمقر الضيافة الرئاسي المواجه للبيت الأبيض "بلير هاوس Blair House". وقد أثارت هذه الزيارة العديد من التساؤلات حول توقيتها وأهدافها والنتائج المتوقعة منها. وبالمثل أفرزت تباينا في المواقف بين الترحيب بالزيارة ورفضها. وبين الدعم الذي يحظى به السيسي من جانب إدارة ترامب، مقابل الانتقادات الموجه له من بعض أعضاء الكونجرس ومنظمات إنسانية ونشطاء سياسيين وحقوقيين.

على الرغم من أن مثل هذا النوع من الزيارات يعد أمرا طبيعيا في إطار تعزيز العلاقات بين الدول، إلا أن عدة عوامل جعلت من تلك الزيارة محل تساؤل في ظل مجريات الأمور في مصر والشرق الأوسط. فبينما تعد جهود دعم التعاون الدولى والعلاقات الدبلوماسية وتحقيق المصالح المشتركة من المبررات المنطقية لتلك الزيارة، إلا أن البعض يرى أنها تهدف لتحقيق مآرب أخرى داخلية وخارجية. فعلى المستوى الداخلي، يرى البعض أن أهداف السيسي من تلك الزيارة هي الحصول على مباركة أمريكية لإجراء التعديلات الدستورية التي تمكنه من البقاء في الحكم حتى 2034، وتوجيه رسالة للشعب المصري وللمؤسسة العسكرية المصرية مفادها أن السيسي باق في الحكم بدعم أمريكي.

في الوقت الذي يصف فيه ترامب السيسي بكونه رئيسا عظيما يقوم بعمل رائع، وبأن العلاقات الأمريكية المصرية لم تكن جيدة أكثر مما هي عليه اليوم، يصفه منتقدوه بأنه ديكتاتورا قتل المئات والمئات من المصريين

وعلى المستوى الخارجي، يصف البعض تلك الزيارة بأنها إقليمية أكثر من كونها ثنائية، وأنها قد تكون استكمالا لتأسيس تحالف عسكري عربي لمواجهة إيران، وكذلك لإتمام صفقة القرن بعد الإعلان الوشيك لنتائج الانتخابات الأسرائيلية، وكذلك الاتفاق على التدابير اللازمة لمواجهة آثارها المحتملة. وذلك في الوقت الذي يتوقع الكثير من المحللين أن تغيب مناقشة أوضاع حقوق الإنسان في مصر عن جدول أعمال ترامب – السيسي.

ولعل الانتقادات المحلية والدولية الموجهة للسيسي بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر من ناحية، وتجاهل هذا الملف من ناحية أخرى هو ما دفع عددا من أعضاء الكونجرس والمنظمات الإنسانية العالمية والنشطاء السياسيين والحقوقيين إلى عدم الترحيب بزيارة السيسي لواشنطن. وبينما يحظى السيسي بدعم كبير ومعلن من جانب ترامب وإدارته، إلا أنه محل انتقادات متعددة فيما يتعلق بالحقوق المدنية والإنسانية من جانب ممثلين نيابيين وقوى سياسية أمريكية. وفي الوقت الذي يصف فيه ترامب السيسي بكونه رئيسا عظيما يقوم بعمل رائع، وبأن العلاقات الأمريكية المصرية لم تكن جيدة أكثر مما هي عليه اليوم، يصفه منتقدوه بأنه ديكتاتورا قتل المئات والمئات من المصريين، واعتقل كل صاحب رأى معارض له، وبأن الموقف في مصر تحت حكم السيسي أكثر خطورة مما سبق، كما طالبوا ترامب بالضغط على السيسي للتوقف عن انتهاك حقوق الإنسان.

وفي هذا الصدد، تقوم جهات عدة بتنظيم فعاليات ولقاءات للتنديد بالسيسي وسياساته القمعية، تزامن بعضها مع زيارة السيسي لواشنطن. ومن هذه اللقاءات ما تم صباح نفس اليوم الذي التقى فيه السيسي ترامب، الثلاثاء التاسع من أبريل 2019. حيث نظمت إثنتا عشرة منظمة حقوقية عالمية جلسة استماع مع عدد من أعضاء الكونجرس، تناولت انتهاكات حقوق الإنسان في مصر. وتحدث في هذه الجلسة كل من الفنان المصرى/ خالد أبوالنجا، والناشط الحقوقى/ معتز الفجيرى، ومن منظمة هيومان رايتس ووتش كل من "سارة مارجون Sarah Margon" و"جولى دارف Julie Darf". كما ندد عدد من أعضاء الكونجرس بانتهاك حقوق الإنسان وقمع المعارضة في مصر ومنهم "كريس فان هولان Chris Van Hollen"، "جيم ماكجوفرن Jim McGovern"، "جيسون كرو Jason Crow"، و“ديفيد تورن David Torne". وذلك بالإضافة إلى سبعة عشر عضوا بالكونجرس أرسلوا خطابا لوزير الخارجية الأمريكى "مايك بومبيو Mike Pompeo" يعبرون فيه عن قلقهم البالغ من أوضاع حقوق الإنسان في مصر.

وفي كلمته أثناء جلسة الاستماع تلك، قال خالد أبو النجا أن مصر أصبحت حبيسة وراء القضبان وتعيش أسوء كوابيسها تحت حكم سلطات الانقلاب العسكرى، وأن السيسي يقود مصر في الطريق الخطأ، وأن أي اتفاق تعقده الولايات المتحدة الأمريكية مع مصر السيسي هو باطل لا سيما بعد إجراء التعديلات الدستورية المزمعة. أما السيناتور “باتريك ليهى Patrick Leahy" فقد قال أن السيسي  قتل المئات والمئات من المصريين كما قتل أمريكيين أيضا. وتساءل لماذا لا يسأل ترامب السيسي عن ذلك. وأضاف أن أي معارض مصرى هو في خطر، وأن المعونة الأمريكية يجب أن تضمن تفعيل حقوق الإنسان في مصر. وأن العلاقات المصرية الأمريكية يجب أن تتوافق مع القيم الأمريكية المتعلقة بضمان الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان.

وفي كلمته قال عضو الكونجرس "توم مالينوفسكى Tom Malinowski"، إن ترامب لا يمثل كل الشعب الأمريكى، وأن السيسي يجب ألا يبقى في الحكم طويلا، كما قال أنه سوف يعمل على قطع المعونة الأمريكية لمصر، وأنه سوف يبذل قصارى جهده لوقف تزويدها بطائرات الأباتشى طالما بقيت تحت حكم السيسي. أما أول عربية مسلمة تصبح عضوا بالكونجرس "إلهان عمر Ilhan Omar" فوصفت السيسي بالديكتاتور، وأن التعديلات الدستورية المزمعة سوف تبقيه في الحكم حتى عام 2034 قائلة أن هذا زمنا طويلا من الدكتاتورية. وأضافت أن بمصر عشرات الآلاف من السجناء السياسيين ومعتقلى الرأى والصحفيين وهو أمر لا يقبله الضمير الإنسانى، وأن الوضع في مصر الآن أكثر خطورة مما سبق. و أنه لا ينبغى على الولايات المتحدة أن تستمر في تزويد مصر بمعونة سنوية مقدارها مليار وثلاثمائة مليون دولار دون التساؤل عن قمع حرية الرأى وانتهاك حقوق الإنسان. وكذلك تعهدت بمواصلة العمل لدعم المناضلين من أجل حريتهم في مصر.

هذا وقد قامت المواطنة الأمريكية "أبريل كورلى April Corley" بمداخلة مرئية، روت فيها قصة القصف الذي تعرضت له مع آخرين ومنهم صديقها "رافائيل بيخارانو Rafael Bejarano" أثناء جولة سياحية بصحراء مصر الغربية في الثالث عشر من سبتمبر 2015. حين قامت مروحيات عسكرية مصرية بقصف الفوج السياحي الذي كانت ضمنه، الأمر الذي أودى بحياة صديقها، بينما أصيبت هى وكادت أن تلقى مصرعها. وقالت أن الجيش المصرى يقتل مواطنين أمريكيين بأموال دافعي الضرائب منهم.

وهكذا يتضح تباين المواقف من رئيس مصر عبد الفتاح السيسي وسياساته بين تأييد ودعم إدارة أمريكية رسمية من جهة، ومعارضة وتنديد قوى سياسية وحقوقية أمريكية ودولية به وبسياساته من جهة أخرى. ولسوف يحمل المستقبل القريب إجابات عن الأسباب الحقيقة لزيارة السيسي لواشنطن، وأهدافها، وما أسفرت عنه من نتائج. فهل سيفلح السيسي في دحض معارضيه والاحتفاظ بكرسي الرئاسة بدعم إدارة ترامب؟ أم سوف يتمكن معارضوه من تفعيل القيم الأمريكية والإنسانية في معركتهم ضده؟



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة