فلسفة الجنازة.. ما أجمل العصر الذي نأخذ فيه الحكمة من الطبيعة!

blogs الموت

بينما نحن في الجنازة، نحثو التراب -في عُجالة خاطفة، يُشق لها الأفق بالغبار الذي يبتلع الأنفاس، ويقصر الرؤية على دواخل النفس، وبواعث الخوف فيها- على زهرة العائلة البيضاء، كان الصوت غائبًا؛ فلا يحضر المشهد إلا حبات الرمال المنهمرة في غير توقف أو هوادة؛ فالأبصار شاخصة، يعنونها الترقب، والحيرة، ولا تشي إلا بكون أصحابها قد ذهبوا بخيالهم إلى ذلك المكان القريب، البعيد في آن واحد؛ إذ يُكرر المشهد نمطًا واحدًا، غير أنهم لن يكونوا متحيرين، مترقبين؛ فهم وقود ذلك المشهد، الذي لا شك فيه، ومن ستجري عليهم الدموع حزنًا، وبؤسًا، كان خطيب الجمعة المفوه، يتأهب ليطلق لسانه تعبيرًا عن موعظة الموت، على نحو مضطرب، جعل الحضور يفطنون إلى علامات وجهه، التي تنم عن ذهول وتردد يشوبهما خوف متنكر، حتى انتهى من مقالته القصيرة، واستقبل الناس القبلة، يؤمنون على الدعاء، أن قد تم الواجب، فعودوا إلى الحياة مرة أخرى.

الجنازة إنها تلك العاصفة، البتارة التي تقتحم حياة الناس، على حين غفلة منهم في سبل الحياة الدوارة، لتحول بينهم وبينها، وتنبه قلوبهم المستغلقة، وأذهانهم المستشردة، أنَّ الموت حاضرٌ مهما غاب، قريبٌ مهما بعد، لا نفارقه ولا هو يفعل؛ إذ قضت الحياة أن نخلق من رحم خلافه، وإلى كنفه نؤول في نهاية المطاف، في الجنازة لا معنى فوق معنى الموت؛ إذ الصخر صلد، جامد لا روح فيه، والأفق أصفر، لا خضرة ولا ندرة فيه، حتى وجوه المشيعين مقفهرة، كأنها مقبلة على موت متربص، أو كأن الحياة تستدينها، وها هنا سيكون الحساب، غير أن الناس على خلاف ما يبدون عليه، ما إن يوراى المتوفى في التراب، تشخص وجوههم، مقبلة على الحياة مرة أخرى، كأنها ما رأت للموت أثر، أو سمعت عنه خبر، كما يقول جرير شاعر عصره:

  
تُرَوِّعُنا الجَنائِزُ مُقبِلاتٍ
فَنَلهو حينَ تَذهَبُ مُدبِراتِ
كَرَوعَةِ هَجمَةٍ لَمغارِ سَبعٍ
فَلَمّا غابَ عادَت راتِعاتٍ
  

تحول اليوم النعش الخشبي إلى نعش من الألومنيوم اللامع، الذي رغم توهجه قد أطفأ جمال عصر، كنا فيه سعداء، لا نبحث عن مظاهر دنية، كما يفعل الناس اليوم في كل درب من دروب الحياة

بعدما فرغنا من الجنازة، هب المشيعون جميعًا إلى العربات، والدراجات، هبوب المتعطش إلى قطرة ماء، يغيب بها وعثاء سفره في الصحراء، تخطف الناس أماكنهم، في غير نظام، خلافًا لشكل الجنازة في بدايتها، وقد غاب الذهول، وبدت الوجوه حية، وارتفعت الأصوات، وكأن الموتى استنطقوا من جديد، وبض المكان بالحركة والحياة، كأنه شريان قد وقف جريانه، وما لبث غير ساعة حتى عاد يبض بالدم من جديد، أفجعني المشهد، حتى تعمدت التأخير، وأغفلت عمدًا أكثر من عربة، حتى تحينت عربة تجمع في صندوقها الخلفي، ثلة من الناس، الذين عهدتهم في القرية بالبساطة، واللين، إنهم أولئك الذين تظن أنهم لا يعرفون عن الحياة إلا ما يبقيهم أحياء، ولكنهم أصحاب نظرة بعيدة، ثاقبة، وعقلانية، فجلست بينهم، مطرقًا السمع، دوار البصر، مصغيًا لكل حرف ينطق، موقنًا أن حديثهم هذا الذي بدأ بمزاح سخيف -رغم كوننا عائدين من جنازة- سيؤول إلى نقاش ثري.

همز أحدهم الشخص الذي يسقي الجميع مزاحه غصبًا، أن ارعوي، فإن أهل المتوفى بيننا، وقد فعل، وبينما أمد نظري يمين ويسار في شكل الجنازة وهي عائدة، من الجبل إلى القرية، وأتأمل في التغير المستوحش الذي طرأ على عاداتنا في الجنازة كما عهدناها صغارًا، قال المازح في لهجة ريفية تعنونها الجدية: "لقد ذهب عصر الجرارات التي كانت تتسع لمائة شخص في المقطورة الواحدة".

  
ذهبت بخيالي بعيدًا، واستذكرت ماضي جنازاتنا في الريف، كيف كانت تأتي الجرارات الزراعية لتسعف نقل المشيعين من كل حدب وصوب، وشكل النعش الخشبي الذي عفى عليه الزمن، وقد تحول اليوم إلى نعش من الألومنيوم اللامع، الذي رغم توهجه قد أطفأ جمال عصر، كنا فيه سعداء، لا نبحث عن مظاهر دنية، كما يفعل الناس اليوم في كل درب من دروب الحياة، حتى الجنازة، هناك من يتفنن السبل للاستعراض فيها، حقًا إن لم يكن الموت لك واعظًا، فافعل ما شئت.

  

فلسفة الريف هي فلسفة حقيقية، لا استعراض فيها، ولا غلو؛ إذ هي فلسفة استنشأها المنطق المجتمعي، وهي بكل تأكيد، مختلفة تمام الاختلاف عن الفلسفة التي يعلمونها للطلاب بالمدارس والجامعاتفلسفة الريف هي فلسفة حقيقية، لا استعراض فيها، ولا غلو؛ إذ هي فلسفة استنشأها المنطق المجتمعي، وهي بكل تأكيد، مختلفة تمام الاختلاف عن الفلسفة التي يعلمونها للطلاب بالمدارس والجامعات
   

هنا ارتفع صوت خمسيني، قد نال منه الشيب، قائلًا جملة قد أصابت في نفسي كبيرًا: "هذا حال الدنيا، ألا تعرف أننا كنا نشيع الجنازة في بداية الأمر على الدواب"الحمير". وسأل صديقه الستيني، فأكد صدقه، ووصف كيف كانوا يسيرون هذه المسافة البعيدة حاملي النعش مستوون على الدواب، في مشهد مهيب، قد ودوا لو يعود لهم، يا للروعة! ما أجمل أن تسير الحياة على النمط السهل، غير المعقد الذي سير الله عليه الدنيا، دون آلات وتعقيدات، تضر أكثر مما تنفع، ما أجمل العصر الذي يكون فيه الإنسان، قريبًا من الطبيعة، يستفيد من الحيوان، ويفيده، ويستخدم معطيات الله له في الطبيعة، ويخلصها حقها.

هنا اتصل الحديث بقول رابع، كأنه كان حاضر حديثي إلى نفسي: "إنها الآلة، والحضارة الذين يدعون، ألا لعنة الله عليها، أما تذكرون كيف كنا نحرث الأرض، ونروي الزرع، ونجني المحاصيل، بأيدينا، أما اليوم فبات الإنسان قعيدًا، يدفع المال، ليروي أرضه بضغطة زر، ويحرثها بضغطة ثانية، ويحصدها بثالثة، ما أتعس الفلاح، الذي يستغني عن يديه، من أجل الآلة!"

ذهلت من هول الموقف، إنها فلسفة حقيقية، لا استعراض فيها، ولا غلو؛ إذ هي فلسفة استنشأها المنطق المجتمعي، في الريف، وهي بكل تأكيد، مختلفة تمام الاختلاف عن هذه الفلسفة التي يعلمونها للطلاب في المدارس والجامعات، في صورة صلبة، لا يتقبلها العقل البشري؛ فهؤلاء أميو الشهادة في نظر المجتمع، لكنهم في نظر العقل، أكثر الناس فهمًا وفلسفة، ولا غرو، فإن المرء إن لم يحمل العلم، وينزله في كافة دروب حياته، كان كالحمار يحمل أسفارًا، فما أعظم هذه الفلسفة الريفية، وما أجمل أن تستخرج النفس أفكارًا طواعية، دون قيود أكاديمية شوهاء، تجعل العقل مقولبًا، لا يفكر إلا بنمط واحد، ولا يحلل إلا بطريقة واحدة، كأنه حجر لا حياة فيه.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة