كيف نعالج أزمات الطفولة والمراهقة الكبرى؟

blogs مراهق

من أبرز الأزمات التي يعاني منها الوالدان خلال تربية أبنائهما في سنّ المراهقة وما قبلها وما بعدها ثلاث أزمات:

الأولى: أزمة المظاهر أو الشكليات:

وهي التي تجعل الطفل يشعر بالدونية إذا لم يكن مظهره الخارجي وممتلكاته وممارساته مثيرة للإعجاب أو القبول على الأقل في مجتمع الأطفال أو المراهقين الذي يعيش فيه. ففي هذه المرحلة ترتبط شخصية الطفل في حسّه الذاتي بالمظهر الخارجي والشكليات المادية التي تظهر للآخرين، ومن ثم يصبح شكل الشعر ونوعية الملابس ونوع حقيبة المدرسة وممتلكاته الشخصية الأخرى هي مجموعة المعطيات التي تحدّد شخصيته وكيانه أمام الآخرين.

 

الثانية: أزمة التقليد، وهو على مستويين:

(أ‌) تقليد الآخرين في المجتمع. (ب) تقليد القيم الغربية المهيمنة.

فتجد الطفل في اهتماماته وهواياته وطريقة كلامه وملابسه وغير ذلك محكومًا بتقليد معايير المجتمع الذي يعيش فيه (وخصوصا الأطفال الآخرون)، فتنطمس ذاتُه وآراؤه الخاصة وذوقه الشخصي ولا تكاد تبين، كما أنّه يشعر بضرورة تقليد القيم والممارسات الغربية إذا أراد أن يتسم بالتحضّر والمواكبة والمعاصرة، ويظهر ذلك في الاهتمامات الموسيقية الغربية، وفي استخدام كلمات إنجليزية/فرنسية خلال الحديث الشخصي دون حاجة، والاحتفال بالمناسبات الغربية وجعلها أمرا أساسيا، إلى جانب ما يخضع له في الجهاز التعليمي والثقافة المهيمنة من مركزية الفكر الغربي والفلسفة الغربية والقيم الغربية التي تُعمم باعتبارها "القيم الإنسانية" في ظلّ الهيمنة الغربية الحالية.

  

الثالثة: أزمة التفاهة أو الإغراق في الترفيه:

وتتجسّد هذه الأزمة في الأوقات الزائدة التي يقضيها الطفل في اللعب، سواء ألعاب الحاسوب والهاتف أو خارج البيت (والأولى أخطر). كما تتجلى في الاهتمام المبالغ به بمتابعة كرة القدم وحفظ أسماء اللاعبين وفرقهم وتسعيراتهم وقصّات شعرهم وحركاتهم وآخر أخبارهم، والذي يأخذ مساحات كبيرة من حياته اليومية. كما تظهر هذه الأزمة في التميّع والإفراط في السخرية والمزاح عند بعض الأطفال والذي يصبح عندهم منهج حياة، فالكوميديا هي سمة الطفل "الحربوق" في المدرسة، أما الجدية في التعامل فهي صفة الطفل "المعقّد"، وتحت هذا الضغط النفسي من مجتمع الأطفال ينساق الطفل إلى جعل السخرية من كل شيء منهجا له في الحياة!

 

هذه الأزمات الثلاث يعاني منها بعض الأهالي الذين يصْبون إلى رؤية أطفالهم شخصيات مبدئية بنّاءة أشدّ المعاناة، ويلاحظونها في أطفالهم مع عجزهم عن معالجتها، ويجدون أنّ الطفل لا يستجيب للأوامر المباشرة والتوجيهات المعارضة لهذه التوجهات، فكيف نتعامل مع هذه الأزمات؟ وكيف نساعد أطفالنا على المرور في هذا البحر الهائج من فتن المراهقة وأزماتها دون أن تفسد شخصياتهم ونفسياتهم وتخرّج لنا شابا فاشلا لا تنتفع به الأمة؟

 

لا يوجد حلّ سحري بطبيعة الحال، كما أنّ المقام هنا لا يكفي للتفصيل المطلوب في جميع جزئيات هذه الأزمات، ولكني أزعم أن معالجة هذه الأزمات تستلزم المضيّ في خطّين تربويين، الأول: يتعلق بكل أزمة من هذه الأزمات تفصيلا. والثاني: خط عام يساهم في تخفيف وطأتها جميعا والنجاة من فسادها.

  

الخطّ الأول: كن قريبًا

يستلزم هذا الخطّ التربوي أولا تبنّي "التربية اللقمانية" (سأفرد لها حيّزا في آخر التدوينة)، أي تلك التربية التي نلاحظها في خطاب لقمان الحكيم لابنه في القرآن الكريم، وتتّسم هذه التربية بالقرب والصداقة مع الطفل، وإيجاد مساحة من المحادثة والمناقشة والتوجيه الرفيق القريب، أي مخاطبة عقل هذا الطفل في جميع ما يتعرض له، ورفع آفاق تفكيره إلى المستوى "الكلّي"، لإطْلاعه على هذه الأزمات بأعيانها وأسمائها.

     undefined

  

فأما أزمة المظاهر والشكليات فنحن بحاجة إلى خطاب يعزّز شخصية الطفل، نحتاج أن نحدّثه بأنّ شخصيته تتمثّل بأفكاره ومبادئه ومواقفه وأخلاقه، لا بشكله وممتلكاته المادية، وأنّه سيكون "بطلا" حين يرضى عن نفسه حتى لو لم يرض الآخرون عن شكله أو ممتلكاته، وأنّ الأهم من كل شيء هو رضى الله سبحانه وتعالى، وهذا يحتاج إلى ربط الطفل بمراقبة الله عز وجل أكثر من مراقبة المجتمع، وإلى "تطنيش" كل رأي متطفّل لا يعجبه شكله أو نوعية ممتلكاته، فهذا شأنه الشخصي الذي يحدده هو فقط وبناء على قناعاته وقدراته. هذه المفاهيم يمكن تبسيطها وشرحها للطفل، في حديث الأب/الأم الصديق/ة الرفيق/ة الذي يملؤه الحنان والدفء، بحيث يشعر الطفل بالاطمئنان إليه، والأهم من كل ذلك هو أن يصل هذا الخطاب بأوضح صورة إلى عقلية الطفل، فهذا العقل الفطري الغضّ سيؤثّر فيه الخطاب العقلاني الحسن المتّسق، والذي يردّ للطفل شخصيته الضائعة في المظاهر والشكليات.

 

وأما أزمة التقليد فبمثل المنهج السابق ينبغي تعزيز ذاتية الطفل، ولا بأس باستخدام عبارات دعاة التنمية البسيطة "كن ذاتك" و"كن أنت"، فهي على ابتذالها عندنا نحن الكبار؛ صادقة وحقيقية ومؤثرة في الأطفال والمراهقين، إلى جانب بيان أنّ الرجولة والشجاعة تكمن في أن تكون حرّا في مظهرك لا عبدًا للآخرين منقادًا لاختياراتهم، بل ينبغي أن تكون قدوة في أخلاقك وسلوكك ليتأثر بك الآخرون. وفي جانب تقليد القيم الغربية ينبغي تعزيز الانتماء إلى هذه الأمة وقيمها، وأنّ قيم دينها أرفع من القيم الغربية، وأنّ هذه القيم الغربية ليست ضربة لازب ولا معيارا نقيس به الأمور، بل هي قابلة للنقد والتمحيص.

   

وأما أزمة التفاهة والإغراق في الترفيه فهي بحاجة إلى ضبط حتى ولو بتخصيص أوقات للطفل لا الحرمان المطلق مما يحب من الترفيه إلا لو كان مُضرّا أو حراما. كما أنها بحاجة إلى خطاب يوضّح أضرار هذا الإيغال على الطفل في الحاضر والمستقبل، كما يحاول لفت نظره لاهتمامات وهوايات نافعة أخرى، وتحبيبه باهتمامات نافعة وبذل المال من أجل ذلك سواء من خلال أطر معينة أو دورات، لا تركه فريسة لأتفه الاهتمامات التي يعج بها مجتمع الأطفال.

 

إنّ المشترك بين الأزمات الثلاث أنها جميعا أزمات يكون الطفل غائبا عن تصوّرها وعن خطورتها؛ نظرا لقصر تجربته في الحياة ولكونه جزءًا من الظاهرة. والمشترك في هذا الخط التربوي الذي أقترحه للتعامل معها أنّه يرفع أفق الطفل ليرى الأزمة بعد تعريفها وبيان خطورتها، ومخاطبة عقله وروحه بضرورة الانتباه لها وعدم الغرق فيها وكيف أنها تسيء إلى شخصه. فهذا الخطاب يساهم كثيرا في الحدّ من وطأة هذه الأزمات التي عمّت مجتمعات الأطفال والمراهقين. ولا ينبغي الاستهانة بهذا الخطاب والتقليل من أثره، فقط جرّبوا أن تكونوا قريبين من أطفالكم، أن تتحدثوا إليهم وأن تخاطبوا عقولهم الواعية وضمائرهم الحيّة.

لكن هل يكفي ذلك؟ كلا، بل لا بد من الخط التربوي الآخر، والذي أزعم أنه المؤثر الأكبر للخروج الآمن من هذه الأزمات.

   

كانت لدي اهتمامات في القراءة والكتابة والشعر منذ الطفولة، ولكني وتحت أجواء المجتمع المدرسي الموبوءة طمستُ هذه الاهتمامات، فهي أقرب لأن تكون كانت لدي اهتمامات في القراءة والكتابة والشعر منذ الطفولة، ولكني وتحت أجواء المجتمع المدرسي الموبوءة طمستُ هذه الاهتمامات، فهي أقرب لأن تكون "وصمة عار" في هذا المجتمع
   
الخطّ الثاني: عرّفه برسالته في الحياة كإنسان

ربما يكون هذا الخطّ هو الأقوى أثرا في معالجة جميع هذه الأزمات وغيرها، لكونه خطّا عامّا يغير حياة الإنسان بأسرها، وهو يتمحور حول خطاب تربوي يسعى لتنشئة طفل يرى أنه كإنسان له دور مهم في هذه الحياة، رسالة ينبغي أن يحملها ويوصلها للبشرية، مسؤولية كبيرة منوطة بهذا العقل النفيس وتلك النفس الكريمة. وإنّ تعاهد القرآن مع أطفالك مع الانتباه إلى أسئلة الفطرة والوجود التي يجيب عنها، وغرس قيم التوحيد في نفس الطفل بشكل متدرّج بحسب كل جيل، ومساعدته على تكوين قناعة ذاتية بدوره في حمل الرسالة؛ لهي أهم المنطلقات التي تصنع الفارق وتسهّل الخروج من تلك الأزمات الثلاث.

 

وما زلت أذكر المرحلة الإعدادية والثانوية وكيف كانت مسألة مظهري الخارجي أزمة الأزمات في حسّي، فقد كنت مختلفا عن الكثير من زملائي في الصفّ في تلك المدرسة الخاصة، نظرا لأوضاع والديّ المادية المتواضعة (والحمد لله على كل حال، وأشكر الله شكرًا لا يتناهى على تلك النعمة التي علّمتني الكثير!)، فقد كان يزعجني أنني أشتري بناطيلي إما من السوق الشعبي أو من أسواق جنين ونابلس في الضفة، ولا أكاد أجرؤ على ذكر ذلك أمام زملائي، بينما يشتري معظمهم بناطيل الليفايس والكروكر واللي كوبر والديزل التي كان مجرد ذكر أسعارها يصيبني بالدهشة! كما كان يزعجني الفارق المهول بين مصروفي اليومي (الذي لم يقصّر فيه أبي) وبين مصروفهم الكبير الذي أتاح لهم تناول الغداء يوميا في بعض مطاعم الوجبات السريعة، بينما كنت أقف مع زوّادتي وشيء بسيط أشتريه من البقالة وحيدًا أو مع أحد الفقراء مثلي في الاستراحة لعدم قدرتي ماديا على ذلك! (لم يكن المجتمع ثريا، لكن السبب أنها كانت مدرسة خاصة تجذب ميسوري الحال).

 

وكانت لدي اهتمامات في القراءة والكتابة والشعر منذ الطفولة، ولكني وتحت أجواء المجتمع المدرسي الموبوءة طمستُ هذه الاهتمامات، فهي أقرب لأن تكون "وصمة عار" في هذا المجتمع، ورغم محافظتي على تلك الهواية صرت أحاول طمسها وعدم إظهارها، والانخراط في المقابل بالاهتمامات النمطية العامة لبقية الأطفال. ومما أذكره أيضا أنه كان لتوجيهات الوالدين التي تخاطبنا كبالغين دور مهم في المحافظة على قناعتي بتلك الاهتمامات الجادة وتنميتها إلى حدّ جيّد وعدم التخلّي عنها، ولولا هذه التوجيهات والتشجيع لانطمستْ وغرقتُ في التفاهات.

  

أما التحوّل المركزي في حياتي فقد بدأ بعد التخرج من الثانوية بنحو عام، حيث كنت قد تعافيت من سكرة ذلك المجتمع المدرسي الموبوء، وقررت المحافظة على الصلاة وممارسة حياة ملتزمة بتعاليم الدين، وانخرطت في مجتمعات المتديّنين في المساجد من شتى التوجّهات، وإنْ كنت لم أنتم يومًا لأحدها. وبدأتُ أكوّن شخصيتي الفكرية، وصرت كثير القراءة للكتب الفكرية والشرعية. هنا تحديدًا صرت أدرك لوجودي الإنساني غاية عليا، وصرت أرى الإسلام رسالة للإنسانية تقع ضمن مسؤوليّتي كفرد. هذا التحوّل الجذري في فهم الإسلام وممارسته جعلني أنجو من الاهتمام بالشكليات، وأنشأ في قلبي اعتزازا بالإسلام وبالحضارة الإسلامية، ورغبة جامحة في ضرورة العمل على إعادة بعثها من جديد، ونظرة نقدية تجاه القيم الغربية التي لم تعد معايير نقيس بها الأشياء، بل صارت موضوعا للنقاش والنقد.

 

في إطار هذا التحول تضاءل أثر تلك الأزمات الثلاث (المظاهر والشكليات، التقليد، التفاهات والمبالغة في الترفيه). لم أعد أنزعج من فكرة شراء بنطال أو قميص يتسق مع إمكانياتي المادية، بل صرت متصالحا جدا مع هذه الفكرة ولا أخجل منها، ولم يعد يهمني رأي الآخرين بشَعري ذي القصّة التقليدية، ولا أن أضع "الجلي" و"الكريم" أو لا أضعه، بل أرتدي ما يريحني ويقنعي وكفى (اختلف الأمر لاحقا بعد بدء الاهتمام بالجنس الآخر بهدف الزواج، وهو سلوك فطري طبيعي).

 

ولم أعد أقبل على نفسي الغرق في الاهتمامات التافهة، بل كوّنت لنفسي اهتمامات وهوايات نافعة ساعدتني كثيرا في الدراسة وفي عملي لاحقا، صرت أشعر أنني بلا قيمة لو كنت مجرد كائن يأكل ويشرب ويرفّه عن نفسه، فالترفيه مهم ولكنه ليس محور الحياة، والإيغال فيه قاتل لعقل الإنسان!

   

  

وأنا لا أزعم أن تجربتي كانت مثالية، بل كانت مليئة بالأخطاء والعثرات والإخفاقات، ولكني أحاول هنا استخلاص الفائدة من هذه التجربة. ومثل هذا التحول لم يحدث لي فقط، بل لاحظته لدى الكثير من الشباب، وهو يؤكّد أن وجود المشروع والقضية والرسالة هو خير معين على الخروج من أزمة الإنسان المعاصر التي تبدأ من مرحلة الطفولة والمراهقة وتستمر لدى الكثيرين حتى الشيخوخة. فكيف نحمّل أبناءنا هذه الرسالة؟ هذا يعيدنا إلى "التربية اللقمانية".

 

التربية اللقمانية

من أهم دروس التربية التي يغفلها الكثير من الآباء والأمّهات ذلك الدرس الذي علّمنا الله إيّاه في سورة لقمان، لقد أخبرنا الله عزّ وجلّ في كتابه أنّه آتاه الحكمة، وهذه المعلومة وحدها كفيلة بشدّ انتباه جميع حواسّنا ونحن نقرأ توجيهات لقمان الحكيم لابنه؛ لأنّها توجيهات صادرة عن رجل "حكيم" يعرف كيف يربّي!

  

ربّما يكون أبرز معطى في هذه التوجيهات ليس موضوع التوجيهات نفسها، بل تلك المحادثة التي ينشؤها لقمان الحكيم مع ابنه في مختلف شؤون الحياة: يحدّثه عن التوحيد أولا ليبني القيم التي ينقلها إليه على هذه القاعدة الراسخة. يحدّثه عن أهمية البرّ بالوالدين ويذكّره بمعاناة أمّه في حمله وتنشئته، ثم يذكّره بالآخرة ويؤكّد على التوحيد ويعيد تذكيره بما بعد الموت وبعلم الله الشامل، ويذكّره بأهمية الحفاظ على الصلاة وأهمية أن يكون صاحب رسالة تغيير، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحثّه على فضيلة الصبر والعزيمة، ثم يرشده إلى جملة من الفضائل الأخلاقية في التعامل مع الناس ويحذّره من بعض الآفات (راجعوا الآيات).

  

ورغم إيجاز هذا الحوار الذي حفظه لنا القرآن، فإنّ دلالته مهمّة جدّا لنا، وعلينا أن نسأل أنفسنا: كم مرة فكرنا في أن تكون لنا محادثات ودّية مع أبنائنا نحدّثهم فيها عن الله وعن التوحيد والآخرة والفضيلة والتعامل مع المجتمع وأهمية حمل الرسالة في الحياة؟ كم مرّة كنا حريصين على تقدير كياناتهم المفكّرة الحرّة ومخاطبتهم بأخص خصائص الإنسان؟ كم مرّة فكرنا في أنّ مثل هذه المحادثات الهادئة توسّع آفاق الطفل وتزيد من ارتباطه بالدين والرسالة عن قناعة عقلية ولا يكون مجبرًا على ممارسة الدين لمجرّد أنّه وُلد لأسرة مسلمة؟!

  

حدّثوا أولادكم عن الله، أخبروهم ما معنى كونهم موحّدين، ولماذا يصلّون. حدثوهم عن حقيقة هذه الحياة الدنيا، والطبائع المختلفة للنفس البشرية، وحقيقة الدار الآخرة

إنّ مشكلة الكثير من الأسر أنها تفاجأ بانحراف أطفالها حين يكبرون، أو تُفجع بميولهم الكارهة للدين أو تعلّقهم بالتفاهات. والسبب في ذلك أنّ هذه الأسر بذلت جهودا في جانب واحد وغفلت عن الجانب الأهم، وهو الوصول إلى عقل هؤلاء الأطفال وحثّهم على توليد قناعة ذاتية بهذا الطريق الذي يحبّون أن يروا أبناءهم عليه.

 

جميع ممارسات ضبط التلفزيون ومنع وسائل التفاهة وتسجيل الطفل في دار قرآن وإجباره على الصلاة وغير ذلك لن تؤدي إلى بناء الإنسان الرسالي الذي نريد، بل قد تكون سببا في انفجار شخصية الطفل في اتجاه معادٍ في مرحلة لاحقة من عمره؛ لأنّ جميع هذه "الطقوس" كانت بمنزلة "قيود" مفروضة عليه في مجتمع موبوء، لم يفكر يومًا في مقصدها وارتباطها بالتوحيد وبحقيقة الإنسان والحياة الدنيا.

 

إنّ كل تربية تغفل عن توجيه تفكير الأبناء إلى أسئلة الوجود الكبرى هي تربية ناقصة، وكل تربية على الصلاة دون بيان معاني الصلاة وحاجة الإنسان إليها ودلالات كل حركة وكل تسبيحة وذكر فيها هي تربية ناقصة. تذكروا: لم يقل لقمان لابنه "صلّ"، بل قال له {أقم الصلاة}، والفرق بينهما عظيم!

 

لقد أكرمنا الله في كتابه برؤية متكاملة للوجود: لحقيقة الإنسان والحياة، ولطبيعة النفس البشرية، ولحقيقة الدار الآخرة، وقبل كل ذلك أكرمنا ببيان شافٍ لأسمائه سبحانه وصفاته العلى وأفعاله. إنّ هذه المعلومات التي يزخر بها كتاب الله لم تكن بهذا الحجم عبثا، تعالى الله عن العبث، بل كانت تهدف إلى أن يكون الارتباط بالدين منطلقا من القناعة التامّة بهذه الحقائق الكبرى، وكل ارتباط بالدين مغيّب عن فهم هذه الحقائق وعن مقاصد هذا الدين هو ارتباط هشّ قد ينكسر عند أول صدمة، وما أكثر الصدمات والعراقيل والآفات في مجتمعاتنا!

 

حدّثوا أولادكم عن الله، أخبروهم ما معنى كونهم موحّدين، ولماذا يصلّون. حدثوهم عن حقيقة هذه الحياة الدنيا، والطبائع المختلفة للنفس البشرية، وحقيقة الدار الآخرة، ومحاسن القيم والأخلاق التي يدعو إليها الإسلام. ارزعوا في نفوسهم حبّ التغيير إلى الأفضل، علّموهم أنّ لديهم رسالة عظمى هم مسؤولون عنها، نبّهوهم لمأساة أن يعيشوا كالبهائم يأكلون ويتكاثرون فقط، الفتوا أنظارهم إلى كل الحقائق المدهشة في هذا العالم.

 

إنّ التربية بحاجة إلى قدوة نعم، ولكنها بحاجة أيضا إلى محادثة وكلام، إلى معايشة وصداقة، إلى بذل أوقات كثيرة نكون فيها مع الأطفال في حديث ودّي "لقماني" حكيم.. نحتاج أن نكون بالقرب دائمًا وفي جميع مراحل الطفولة، حتى لا نُفاجأ يومًا بشياطين الإنس يقودون أبناءنا الذين أحببنا في طريق بعيدة.. جدّا بعيدة!