شعار قسم مدونات

عزيزتي الأم.. الخادمة ليست مربية

مدونات - خادمة

انتشرت في الآونة الأخيرة بشكل كبير الكثير من الظواهر الجديدة والدخيلة في آن واحد على مجتمعاتنا العربية، خاصة تلك البعيدة كل البعد عن ديننا العظيم، من تقليد للآخرين خاصة الغرب في كثير من الأمور حتى تلك الشخصية منها، ابتداءا من السروال وانتهاءا بطريقة الكلام.

المشكلة ليست في التقليد بحد ذاته فأنت حين تقلّد شخص بعمل صالح قام به أو نشر فكرة ما أو أي سلوك حسن، فإنك تأخذ الأجر عليه وهو يأخذ الأجر في المقابل لأنه قد سنّ سنّة حسنة فعلها الناس بسببه، لكن التقليد الذي لا يقبله عقل هو ذاك التقليد الأعمى الذي لا يميّز فيه الشخص الخبيث من الطيب، فإن كان مع الصالحين قال أنا معكم، وإن كان مع المنافقين قال أنا معكم، متلونا بلون الشخص الذي أمامه أيا كان، وأمثال هذا الشخص موجودون منذ زمن بعيد، وهو نفسه الذي وصفه رسولنا الكريم بالإمّعة.

ومن تلك الظواهر التي باتت متفشية في مجتمعاتنا هو ظاهرة انتشار الخدم في البيوت بشكل كبير كحل أسهل لتيسير الحياة الصناعية التي نحياها، والتي تتميّز بالسرعة والمظاهر والضغوط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لكن المشكلة الكبيرة التي صاحبت هذا الانتشار ليس هو وجود الخادمة بشكل رئيسي قدر ما أنها تمثّلت في إحلال الخادمة محل الأم، هذه الخادمة التي تأتي من بلادها كخادمة متوقعة أن مهامها ستكون منحصرة في تنظيف البيت، من تنظيف للحمامات وغسل للأطباق وطي للملابس وغيرها من أعباء المنزل التي لا تنتهي ولن تنتهي- لذلك فإن لا أحد ينكر أن وجودها سبب من أسباب تيسير الحياة وتفويض المهام للانشغال بما هو أهم لديننا ودنيانا-لكن الملفت للنظر هو أن الأم قد انتشلت نفسها من معظم مسؤولياتها داخل البيت والتي أهمها رعاية الأبناء وتربيتهم، وسلّمتها عن طيب خاطر لتلك الخادمة التي لم تأت لترعى أحد وعليه فإنها لن تربي أحدا!

  

كم سمعنا من قصص يشيب لها الرؤوس عن أطفال تدمرت نفسياتهم بسبب خادمة، تريه ما يخدش الحياء، تطعمه ما تشمئز له النفس من بول أو دماء أو خلطات لا يُعرف ما هي

تذهب للسوق فتجد الأطفال منهم من هو حديث الولادة إلى ذاك الذي هو قبل مرحلة البلوغ بقليل مع الخادمة، يقع فتمسكه الخادمة، ينعس فتضمه وتنيّمه – وأحيانا كثيرة الهدف من الضم ليس الحنان ولكن على اعتباره الوضعية الأسهل للنوم خارج البيت-يجوع فتطعمه وفي أحيان كثيرة تأكل معه ومن نفس الملعقة! يقع قد تهتم له وقد لا تهتم، تُمسك هاتفها وتسكته بجعله يشاهد مقاطع فيديو والله أعلم أي مقاطع هذه التي يشاهدها هذا الطفل البريء. عند مدخل المدرسة تجدهم ينتظرون الطلاب وكأنهم أولادهن وليس لهم أهل، في البيت تعدّ له الطعام الذي طبخته، إن بكى أسكتته بقطعة من الشكولاتة المليئة بالسكر الذي لا يخفى ضرره على أحد خاصة للصغار، تخرج الأم والطفل مع الخادمة في البيت، وإن بكى ليلا والأم متعبة نام بأحضان الخادمة.

كم سمعنا من قصص يشيب لها الرؤوس عن أطفال تدمرت نفسياتهم بسبب خادمة، تريه ما يخدش الحياء، تطعمه ما تشمئز له النفس من بول أو دماء أو خلطات لا يُعرف ما هي، ترميه للتلفاز بالساعات والأم بالدوام أو مع الصديقات أو حتى مع الزوج، كم من طفل قُتل على يد خادمة لأنها لم تتحمل تصرفاته الطفولية الشقية أو نفّذت فيه معتقداتها الوثنية، أو لم تتحمل الأعباء الكثيرة التي حمّلتها إياها ربة المنزل أو الراتب القليل الذي تأخذه مقابل الجهد الكبير الذي تقوم به فكان الطفل البريء هو ضحيتها ومتنفسها الذي لا حول له ولا قوة، كم من طفل ذاق جسده الغض الطري ضربا مبرحا على يد الخادمة ومن يبحث في الإنترنت يجد العجب العجاب من القصص التي لا تخطر على البال.

لا ينبغي التعميم طبعا فهذا يتنافى مع العقل والمنطق ومن الظلم اتهام جميع الخادمات بهذه التهم، فمنهن الأمينة والصادقة وصاحبة الأدب والقيم، وقد وصّى ديننا بالرأفة والرحمة بالخادم، والأحاديث النبوية في ذلك كثيرة، لكن الفكرة الأساسية هي أن هذه الإنسانة ليس مندرج تحت مهامها أنها مربية، فكيف تسلمين فلذة كبدك لمن هو ليس أهل للعناية به، إذا كانت الأم في أحيان كثيرة تنضغط من أولادها وتتمنى لو تنفجر بهم أو تضربهم لتخمد البركان الثائر بداخلها-خاصة إن لم تكن مطلعة في مجال تربية الأبناء- هذا وهي أم.

  

فما بالك بخادمة لا تتقن من التربية شيء ولا تفهم خصائص نمو الأطفال ولم تقرأ بحياتها شيء يخص تربية الأطفال أو حتى غيره في كثير من الأحيان، فتكون السبب الرئيسي في تدمير الطفل من الداخل قبل الخارج، بكلامها ولغتها المكسرة وحركاتها المتشنجة وعصبيتها طوال اليوم التي لا تلبث أن تنفجر بهذا الطفل متى سنحت لها الفرصة ولا عتب عليها، ذلك أن تأتمن ابنك مع من ليس هو أهل له فتوقع أن تأتيك نتائج لن تكون أنت نفسك أهل لحلها في المستقبل عندما تظهر العقد النفسية الدفينة بأشكال متعددة على المراهقين والشباب من أمتنا.

أنت عزيزتي الأم ربة البيت، قلت ربة البيت! نعم ربة البيت، هذه الكلمة التي تعتبرها الكثير من النساء انتقاص لقدرهن مع أنها هي من أكثر التعبيرات التي تعطي المرأة قدرا ووزنا، وقد قالها نبي الأمة حين قال: (خيركم خيركم لأهله)… (والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها)، مثلك مثل الحاكم إن لم يكن أهم.

أتساءل عن التكوين النفساني للأجيال القريبة القادمة، لهؤلاء الأطفال الذين قضوا أهم مرحلة في حياتهم -و التي هي السبع سنوات الأولى من حياتهم بإجماع الخبراء والمختصين – على يد خادمة غير مؤهلة للتربية، ولا يعني هذا أن جميع الخادمات سيئات كما أن ليس جميع الأمهات ملائكة، لكنه بالتأكيد يعني أن جميع الخادمات لسن مؤهلات للتربية، كما أن بعض الأمهات أيضا لسن مؤهلات للتربية لكن على الأقل يأخذ طفلها منها الحب والحنان الفطري السليم وهذا الحب يُشرى بمال الدنيا لنقائه.

هناك ناقوس خطر لا بد أن يُدّق لندرك أجيال بأكملها من الأمراض النفسية، نعم للخادمة إن كانت ستخفف من أعباء الحياة، لكن لا تسلميها فلذات أكبادك، دعيهم أهم مسؤولية في حياتك ليس للأبد لكن على الأقل حتى يقوى عودهم ويحسنون الكلام والتعبير، بعدها سيكون دورك مقتصر على التوجيه.

  

أحيانا كثيرة نتعب من الأطفال ومن تربيتهم ورعايتهم ونتمنى وقتا للراحة والاسترخاء، ولكن تذكري أننا عندما نكبر ونشيخ سنتمنى لو يعودون في أحضاننا
أحيانا كثيرة نتعب من الأطفال ومن تربيتهم ورعايتهم ونتمنى وقتا للراحة والاسترخاء، ولكن تذكري أننا عندما نكبر ونشيخ سنتمنى لو يعودون في أحضاننا
   

الخادمة ليست سوى شخص غريب عنك مهمته التنظيف والترتيب، وبعدها تنتهي وظيفته التي يأخذ عليها مقابل، أما أنت فلا أظنك بحاجة لمقابل إن رأيت فلذات أكبادك وقد كبروا بحب حقيقي بلا عقد أو أفكار وتصرفات دخيلة، تكونين عندها أهديت هذه الدنيا أجيال سليمة نفسيا في المقام الأول، وأهديت نفسك ولد صالح قرة عين لك في حياتك ودعاؤه يصلك إلى قبرك بعد مماتك، وإن حدث ولم يصبحوا كما تتمنين تكونين عندها قد أدّيت الأمانة التي ائتمنك الله عليها وبرّأتِ ذمتك.

وإذا كانت ابنة أشرف الخلق السيدة فاطمة اعتمدت على نفسها واستعانت بكلمات علّمها إياها رسول الله حين أتته تطلب خادم يعينها، هذا يعني أننا نستطيع أن نستغني نحن أيضا عنها على الأقل في إبعادها عن منطقتنا الخاصة في تربية أبنائنا، فأنت لست مطالبة بتنظيف البيت ولن تحاسبي على ذلك لكنك مطالبة برعاية أولادك وستسألين عن ذلك!

الآن هم متعِبون جسديا ومعنويا وممتعون بنفس الوقت، أحيان كثيرة نتعب منهم ومن تربيتهم ورعايتهم ونتمنى وقتا للراحة والاسترخاء، ولكن تذكري أننا عندما نكبر ونشيخ سنتمنى لو يعودون في أحضاننا، يملؤون بيوتنا بضحكاتهم وشجاراتهم وبراءتهم وأحاديثهم، ونتمنى لو قضينا معهم وقتا أكثر قبل أن يمضي كل منهم في طريقه مبتعدا عنا كما هي سنّة الكون، سنفرح عندما يأتون إلينا ويجتمعون في بيوتنا ونتمنى أنهم لو لم يرحلوا ويتركوا هذا الفراغ في حياتنا وبين جدران بيوتنا، تماما كما يتمنى آباؤنا الآن!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.