لبلد المليون شهيد بطل واحد فقط

blogs الجزائر

دائمًا ما يتكرر الحديث بمبالغات كبيرة عن حقّ الشعب في اختيار من يمثّله وعن الوحدة الوطنيّة، في الخطابات السياسيّة التسويقية للسادة قبل الانتخابات في حديث مجاني غير ملزم يتدفّق دونما حساب، لكن سرعان ما يتحوّل بفعل المُحاصصة التي أسقطت مفهوم المُواطنة إلى منازعات سقيمة في لحظة اقتسام المقاعد النيابية والمغانم وتقع الأقليات (التي تكون غالبًا أحزاب المعارضة/الأحزاب الإسلاميّة) ضحية الصراع بين القوى المهيمنة (الأحزاب الحاكمة)؛ فتتهاوى ادعاءات هؤلاء -الأحزاب الحاكمة-عن الأخوّة وحقوق المواطنين وتتغالب الطوائف وتتصارع الكتل لقضم حصة أكبر من خيرات هذا الوطن ليبقى مفهوم المُواطنة لديهم عائمًا سواء في النص الدستوري أو في الإجراءات الواقعية على الأرض.

 

هذه التظاهرات التي أطلقنا جذوتها منذُ أيّام بداية جدية لتهشيم الأيقونة الفولكلورية عن الوطنية وتأسيسًا جديدًا لمواطنة قائمة على مدوّنة شرف من حقوق وواجبات معلومة وليس محض نصوص دستورية غائمة تدوسها الأحزاب الحاكمة (حزب جبهة التحرير الوطني وحزب التجمع الوطني الديمقراطي) بمداساتهم في كلّ مناسبة وحدث متجاوزين الدساتير وإلزاماتها، وأغلب الظنّ أن التظاهرات غيّرت إلى حدّ ما مفهوم المواطنة الرجراج ونقلته بفخرٍ من ظاهرة فولكلورية عاطفية أو فوضى تستباحُ فيها الأملاك العامّة والخاصّة ترتعب من وقعها الحشود، إلى مُواطنة تعرف حقوق الوطن والمواطن وواجبات الدولة.

 

اليوم صار الجميع ينتظر قرار الشّعب وهُتاف الشّعب والتغيير الذي سيُحدثه الشّعب. وفي النهاية مازال الإعلام يهلل ويكبّر لأسماءٍ لم نكن نسمعُ لها همسًا قبل هذا

لا أحد يُنكر أنّ ثورة الشّعب هذه طريقٌ محفوفٌ بالمخاطر، والحقيقة أنّنا في مرحلة تيهٍ عام؛ وبالتالي كل الحلول فيها مسكونة بالتردّد والخوف، فلا شيء واضح ولا حلّ مُطلق، ننقادُ نحو المجهول، يسكُننا الخوف والشكّ ومع ذلك نُحاول الثّبات، وما هذه الثورات والمظاهرات سوى قدر لا يُردّ حِينما يتعذّر الإصلاح الجذري الجاد. في فترةٍ ليست بالبعيدة، كان الشّعب يرجو ويُعلّق آماله على أيّ اسمٍ جديدكان أم قديم باختلاف الواجهة التي يمثلها أو الجهة التي ينتسب إليها: إعلامي، سياسي، برلماني، وزير، إمام، فقيه… وحتى المغني والممثل. ينتظرون منهم قول كلمة حق واحدة، ينتظرون منهم أن يصرخوا في وجه النظام باسمهم، لكن كانت الأصوات الصادرة من هؤلاء النخبة تصدر قليلة وعلى حياء كمن سيُجاهر بالمعصية.

 

اليوم هذه النّخب، فاسدة كانت أم صالحة (كلّ من يخدمه انهيار عرش بوتفليقة وعُصبته) أضحت هي التي تُعلّق أمالها على الشّعب، هذا الأخير الذي صرخ حين يأس من حناجرهم المزيّفة، حين لم يجد بديلاً لصوته ليُعبّر عن نفسه بقوّة وحزم، اليوم صار الجميع ينتظر قرار الشّعب وهُتاف الشّعب والتغيير الذي سيُحدثه الشّعب. وفي النهاية مازال الإعلام يهلل ويكبّر لأسماءٍ لم نكن نسمعُ لها همسًا قبل هذا، ليقول "فلان الفلاني" خرج ليساند الشعب في حراكه، "فلانة الفلانيّة" تستمرّ في نضالها ورفضها للفساد.. في لحظةٍ صار الفأر أسدًا يزأر، يركبون الموجة ويأخذون المجد باسم الشعب، الذي لو أنّه لم يصرخ لما سمعنا لهم حرفًا ولا رأينا لهم أثرًا.

 

وزد على هذا كلّه، يدعونهم لقيادة الحِراك والتحدّث باسم الشعب، لا حقّ لأيّ شخصٍ من هؤلاء تمثيلنا أيًّا كان؛ الحِراك بدأ شعبيًّا وينتهي كذلك، لن يقوده أحد غير أفرادٍ من أبناء هذا الشّعب. الشعب لم يكن يلتفت إلى الجانب السياسي ولا للحديث عن السياسة ولا لنشرة الأخبار ولا لخطابات السياسيين، ولا لصفحاتهم ولا لمنشوراتهم وربّما منّا من لا يعرف أغلبهم أو معظمهم… ليس لقلة وعي وإنّما لأنّ النظام خلق له من مشاكل الحياة والعثرات والحروب من أجل العيش وامتلاك الحقوق البسيطة ما يكفيه، لكيلا يلتفت لغير ذلك اللهم إلاّ ما ندر. يعني علينا ألا ننصدم بما نُصادفه من مشاهد وما نسمعه من آراء، لأنّها أمر طبيعي جدًّا في ظلّ ما سبق.

 

بالعكس، أن تجد الشباب الذين كانوا بالأمس يقولون: (لا شأن لنا بالسياسة)، (المهم أن يسلم رأسي)، (بالناقص من البلاد فليأخذوها ويقسموها)، (لا تتكلم معنا في السياسة) مُلتفّون حول الوضع السياسي للدولة ويهتفون لإسقاط الأنظمة الفاسدة، ويهتمون بسماع الخطابات، ومعرفة كل المستجدات السياسية، ويُحاسبون السياسيين ورؤساء الأحزاب، فهذا أعتبره وعي لم نكن نتوقعه، وصحوة علينا استثمارها وتوجيهها دون احتقارٍ ولا استصغارٍ ولا استهانةٍ، باللين والخطاب الهادئ لا أسلوب المُهاجمة وإغلاق الفم بعبارة (اسكت أنت ماذا تفهم فالسياسة) وإنّها لنقطة تحوّل عظيمة في مسارنا لكنّنا نغفل !

 

اتركوا الشّعب يتحدّث ويعبّر عن رأيه فيما يحصل، لتدركوا منظوره للأمور فتصحّحوا الخاطئ منه، وعلكم تستفيدوا من الصّائب لم يبقى الكثير حتى نصل الى هدفنا وتشرق شمس النصر على الوطن الوضعية الصحيحة لأسلوب المقاومة ننتهج (بالسلم نحن حماة لمبادينا) النصر سيكون للشعب … عاش الشعب وعاش الوطن نسأل الله عز وجل أن يجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد اللهم انصرنا يا رب.