طالبان وإيران.. شراكة حقيقية أم تحالف استراتيجي؟

ولدت مفاوضات غير مسبوقة في قطر بين المبعوث الأميركي الخاص إلى أفغانستان زلماي خليل زاد وطالبان تفاؤلا حذرا بمصالحة دائمة. وكتب خليل زاد في حسابه على تويتر "لقد أحرزنا تقدما كبيرًا في قضايا حيوية"، مضيفا "إننا لن نتفق على أي شيء، ما لم يتم الاتفاق على كل شيء، و ’كل شيء‘ ينبغي أن يتضمن حوارًا أفغانيا داخليا ووقفًا شاملا لإطلاق النار". وبحسب تقرير لوكالة رويترز، ينص اتفاق السلام المحتمل على مغادرة القوات الأجنبية للأراضي الأفغانية خلال  18 شهرا من التوقيع على مسودة الاتفاق. في حين يكون منوطا بطالبان منع القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) من استخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات ضد الولايات المتحدة وحلفائها.

  

لكن المشكلة الحقيقية تظل في كيفية ملء فراغ السلطة الناجمة عن الاتفاق، وأي دور، على وجه التحديد، سيضطلع به جيران أفغانستان، إيران وباكستان، في بيئة ما بعد الانسحاب. ففي حين وفرت باكستان الدعم لطالبان في أفغانستان بوصفها شريكا موثوقا أيديولوجيا وسدا منيعًا أمام النفوذ الهندي المتزايد في المناطق الشمالية عسكريا، تظل علاقة إيران الشيعية بالجماعة السنية المقاتلة معقدة للغاية.  ويقبع جزء من هذا التعقيد في المعارضة المشتركة للولايات المتحدة، والتي حدت بطهران لاتباع سياسة مكلفة من "التحوط الاستراتيجي" في أفغانستان التي مزقتها الحرب، ترجمتها بدعم الحكومة الأفغانية المدعومة أمريكيا وحركة طالبان في الوقت ذاته وشحن الأجواء بينهما كلما اقتضت الضرورة.

 

عداوة طهران – طالبان

لكن بعيدًا عن الاختلافات الطائفية والأيديولوجية، فثمة عداوة تاريخية جيوبوليتيكية بين الجمهورية الإسلامية و"الإمارة الإسلامية"، كما يطيب لطالبان أن تلقب نفسها. في سبتمبر/ أيلول عام 1996، تمكن محاربو طالبان من السيطرة على كابول وتأسيس ما أطلق عليه "إمارة أفغانستان الإسلامية"، والتي نالت اعتراف باكستان، والمملكة العربية السعودية والإمارات، أي كافة الأعداء الإقليميين لإيران. بعد نحو عامين، في أغسطس/ آب 1998 عندما كانت طالبان تحارب تحالف الشمال المدعوم إيرانيا، وهي جبهة عسكرية كان يرأسها وزير الدفاع أحمد شاه مسعود، لبسط سيطرتها على كافة الأراضي الأفغانية، قامت طالبان باقتحام القنصلية الإيرانية شمال مدينة مزار شريف وقتل عشرة دبلوماسيين إيرانيين بالإضافة إلى مراسل من وكالة الأنباء الإيرانية التابعة للدولة آنذاك.

  

كان السبب الرئيسي في علاقة التقارب واللاتحالف بين الجمهورية الإسلامية وطالبان هو الصعود العنيف لتنظيم الدولة الأكثر قتالية وعدوانية للشيعة في أجزاء من أفغانستان

في صدمة وسخط إزاء عملية القتل الجماعي التي استهدفت دبلوماسييها، قامت طهران بنشر عشرات الآلاف من قوات المشاة على طول حدودها مع أفغانستان، وكانت على وشك غزو جارتها الشرقية. وإن تكهنت مصادر لاحقا بأن أعضاء "سباه صحابة" وهي حركة معادية للشيعة تجمعها صلات مقربة بالجيش الباكستاني وجهاز الاستخبارات ، قد اضطلعوا  في عمليات القتل.

 

لا شك أن القدرات الباكستانية النووية قد لعبت دورًا في عدول القادة الإيرانيين عن التدخل العسكري ضد قوات طالبان المدعومة باكستانيا في أفغانستان. لكن بعد مرور ثلاث سنوات على استراتيجية ضبط النفس والتحلي بالصبر، تمكنت إيران من اقتناص فرصتها المتمثلة في هجمات 11 أيلول/ سبتمبر، وقامت إلى جانب تحالف الشمال بتزويد التحالف الذي قادته أمريكا بمعلومات استخبارية وعسكرية مؤثرة بهدف إسقاط حكومة طالبان في أواخر 2001. منذ ذلك الحين، اتسمت علاقة طهران النامية مع طالبان بمزيج متناقض من الدعم والاحتواء المتحفظيّن، في ظل سعي القادة الإيرانيين لاستخدام الجماعة المسلحة كأداة استراتيجية لإحباط جهود الولايات المتحدة في أفغانستان وضمان أن يظل الوجود الأميركي في ساحة إيران الخلفية في حالة نزاع وتخبط.

 

في سبتمبر/ أيلول 2017، أكد رئيس الأركان العامة للجيش الأفغاني، شريف فيتالي، وفي مقابلة خص بها قناة بي بي سي بأن لدى كابول دليلا يثبت بأن إيران قد قامت بتزويد طالبان بالأسلحة غرب أفغانستان. وجاء التصريح بعد تصريحات مماثلة أدلت بها السلطات الإقليمية في المنطقة. في أغسطس/ آب من العام نفسه، قال حاكم إقليم فرح المجاور لإيران، محمد عارف شاه جهان، لنيويورك تايمز بأن "أقوى عناصر طالبان" على المناطق الحدودية هي "طالبان الإيرانية".

 

ظهرت علامة أخرى على إمكانية وجود تعاون بين طهران وطالبان في مايو/ أيار 2016، عندما قامت طائرة من دون طيار  أميركية باستهداف مركبة على الطريق الصحراوي جنوب شرق الإقليم الباكستاني، بلوشستان، ما أسفر عن مقتل السائق وراكبه الوحيد. وفي حين كان جواز سفره مدرجا باسم والي محمد، وهو مواطن باكستاني، إلا أن المسؤولين الأميركيين والأفغان قد تمكنوا من  تمييز هويته الحقيقية تحت اسم ملا أختر منصور، قائد طالبان آنذاك. ومما لفت الانتباه، أن الراكب كان عائدا من إيران، حيث أشار جواز سفره إلى أنه قد سافر  إلى هناك مرتين ذلك العام.

 

وكان السبب الرئيسي في علاقة التقارب واللاتحالف بين الجمهورية الإسلامية وطالبان هو الصعود العنيف لتنظيم الدولة الأكثر قتالية وعدوانية للشيعة في أجزاء من أفغانستان. بالنسبة لإيران، كانت طالبان، من بين أشياء أخرى، هي الأقل نقمة، والأكثر قدرة على كبح الانتشار الشرس للقوات المناهضة للشيعة في شرقي البلاد. وإن كانت طهران تتعامل مع طالبان كأداة إسناد من ضمن أدواتها الاستراتيجية، فالجماعة السنية تعامل إيران من منظور نفعي مماثل.

 

وكما أخبرني هارون نجفي زاده، وهو من المحاربين الأفغان القدامى وصحفي ومترجم كتاب زلماي خليل زاده إلى الفارسية، بعنوان "المبعوث"،  فهي "علاقة موسمية بغرض واحد فحسب وهو القتال لإخراج الأمريكيين من أفغانستان. وهي بالتالي، علاقة تقوم على الحب والكراهية في آن واحد" وأضاف إنه "بالنظر إلى اطلاع طالبان على الطريقة التي تعامل فيها الجمهورية الإسلامية رعاياها السنة، فلا يبدو أن الحركة تعتبر إيران الشيعية حليفًا استراتيجيا".

 

طالبان في حكومة ما بعد الحرب؟

بما أن مفاوضات السلام بين الولايات المتحدة وأمريكا تكتسب زخما بينما تبحث إدارة ترمب عن ممر آمن لسحب القوات الأميركية من أفغانستان، فقد تزايدت اتصالات طهران مع الجماعة المسلحة مؤخرا. وفي معرض التأكيد الرسمي على وجود تلك الاتصالات شدد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني، على الحاجة "للمشاركة الفاعلة للدول الإقليمية" في استقرار أفغانستان  وعملية السلام خلال زيارة استغرقت يوما واحدا إلى كابول في 26 ديسمبر/ كانون الأول من العام الفائت. لكن تشديدات شامخاني لم تثر نفس الجدل الذي أثارته تصريحات وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف، الذي وصف مستقبل الدولة الأفغانية بدون طالبان بـ"المستحيل" ضمن لقاء تلفزيوني مع القناة الهندية NDTV في يناير/ كانون الثاني المنصرم. وقال ظريف "إنني أعتقد بأنه سيكون من المستحيل لأفغانستان المستقبلية ألا تتضمن دورًا لحركة طالبان. لكننا نعتقد أيضا بأن طالبان لن تلعب دورا  بارزا، ولا ينبغي  لها ذلك".

   

وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف  (وكالة الأنباء الأوروبية)

 

وفي رد فعل قاس، انتقد مسؤول في مكتب الرئاسة الأفغانية ظريف لتصرفه كما لو كان "متحدثا باسم طالبان". بينما كتب نائب المتحدث باسم الرئيس أشرف غني، شاه حسين مرتضوي، في حسابه على فيسبوك "إن كان البلد الجار يؤمن بالحوار لإيجاد الحلول، فلماذا لا يستخدم الأسلوب نفسه لحل أزماته الداخلية؟ واقع الأمر أن الحكومة الإيرانية تخشى أن يصبح النموذج الأفغاني للحريات مثالا يحتذى به للشعب الإيراني"، لكنه سرعان ما حذف المنشور.

 

برغم ذلك، يعتقد بعض الأفغان بأن كابول تتبع سياسة "حذرة جدا" إزاء طهران. وبحسب أستاذ الصحافة في جامعة هيرات، ومدير معهد أفغانستان للأبحاث ودراسات الإعلام، فيصل كريمي، فإن "الحكومة عادةً ما تلتزم الصمت حيال تصرفات إيران لأنها بحاجة لدعمها المالي والسياسي"، وأردف قائلا "إنهم يحاولون خلق توازن في أفغانستان، وفي اعتقادهم أن رضا إيران سيخدم المصالح الأفغانية".

 

إن ما يدفع الجمهورية الإسلامية لتفضيل حكومة متباينة، ما لم تكن منقسمة، في أفغانستان ما بعد الحرب، هو السعي لتحقيق توازن استراتيجي مماثل. يبدو أن القادة الإيرانيين يعتقدون بأن توازنًا من هذا النوع سيكون كفيلا بمضاعفة سيطرتهم على الجار الشرقي، لمنعه من التحول إلى معقل معادٍ للشيعة من جهة، وحصن سياسي عسكري أميركي من جهة أخرى.

——————————————–

التقرير مترجم عن: الجزيرة



حول هذه القصة

منذ أصبح ترامب رئيسا اتخذت علاقته بهوليود شكلا أكثر توترا، وأصبح من المعتاد أن نسمع الممثلين يسخرون منه علانية في حفلات توزيع الجوائز، بينما يكتب هو تغريدات مسيئة لهم.

7/3/2019
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة