هجرة الشباب اليمني من الوطن الضيق إلى شواطئ الموت

blogs الهجرة غير الشرعية بالمغرب

"في الليلة التي يتساقط فيها شباب الوطن في أصقاع الأرض، تنتفخ القلوب برياح الموت وتنمو في قلوب أخرى أنباء قاسية؛ ستجد حكامًا يدخنون وآخرون يمضغون أعشاب القات، يتبادلون أحاديث أضاعت شعوبهم التي تعلقت أمالهم بمن أصبحوا أشبه ما يكون بخزنةٍ للنار"، هذه كانت أول رسالة لي من صديقي الذي أبلغني أن شابًا يمنيًا مات غرقًا في المياه الإقليمية التابعة لجمهورية الجزائر حاملا لوصية ضد المجهول وهو الأخر كان ينوي الرحيل بذات الطريقة إلى إحدى الدول الأوروبية.

لقد خاطبني بشعور الضياع، وبالتوهمات المقلقة والمستقبل المجهول، بذلك الشعور الذي يحول سماؤنا الداخلية إلى ثكنة لأبدية المستحيل. وقفت حائرًا حينها تحت مطر من الحزن الصامت، تحت الحقيقة الحزينة التي تبلل روح شابٍ أفنى السنوات من عمره يبحث عن لحظة زهو، لكنه اكتشف أن القاع مكتوب له على الدوام، ردد صديقي وهو يبكي بحزن بلا أمل "لقد مات (محمد الأهدل) فمنح قلوبنا الوجع الشاسع". لم أستطع الرد حينها، الطرقات من أمامي حمراء تشبه لون بلدي التي تأكل جسدها نيران الحرب منذ أربع سنوات، غارقة تحت رياح الموت ودوراتها التي لا تنتهي.

إنني من أقصى الأرض أرض العذابات والوشاية، الأرض التي أغوت أهلها فتراهم يشقون صدور بعضهم، الأرض التي ثملت بالدم، جذورها محطمة وحقولها لا تنبت غير السنابل المحترقة وصنوف من فقاعات الدم التي يشربونها كالعقاقير

اختليت بنفسي حزينًا كما هي عاداتي مثل طفل يموت في زاوية المساء أفتش عن الحقيقة، أتسلق جدران هذا الزمن العصي، أعد جثث الذين تصاعدت أرواحهم في معابر الغربة والهرب وتحت مياسم المياه القاتمة، واجهت الحقيقة، تلك الحقيقة التي أفر منها كل يوم، حقيقة الحلم المقيد والمرتعش مثل كهلٍ بلا عكاز، أبحث عن قمرٍ يواسي ألمي، فعرفت قدر حلمي وواجهته بأصالة واصرار، جردت نفسي من كل مغالطة كي أرى الحقيقة فوجدتها مؤلمة، واجهتها مثل لغز يلف خاصرة العالم ما بين الفناء والوجود، وجدت واقع يحمل في يده خنجر في عالم جد واسع لكنه بلا متسع بالنسبة لهؤلاء الحالمون.

اختفى الصباح في وجه هؤلاء الشبان هذا كل ما استطاعت ذاكرتي تلخيصه، لقد وجدت أبناء بلدي أعمار تفر من قلقها إلى قلق أكبر، قلق السؤال: ترى عما نبحث؟ إننا نبحث عن حياة بعيدة عن فكرتها المتسلطة بعيدة عن سيولة الوجع، بعيدة عن هذا التآكل الروحي الذي يثب إلى المشهد مثل جريمة في سوق قديم، يدفع بي إلى عراء ينخر جسدي وسط ألف من المفاتن المحطمة.

أذعن قلبي لصوت الهزيمة حينها وأنا أنصت لصديقي الذي يتكوم في زاويته مثل طفل أضاع أمه، لقد استسلم هو الآخر بحدة وذهول فخاطبني: "يا صديقي لم تعد هناك حروب نحو المحقق، كل ما في الأمر أن هذا الزمن بلا قدمين، أصابه الدوار واقفًا، يستعيد أنفاسه الأخيرة فلا يصدر غير حشرجة شيطان وليد، وإني لأرغب بقليل من تطمينات وعزاء قديسين قديمين لم تلوثهم الحياة بعد، فعلى أي جدار أسند ظهري يا صديقي؟ إنني أمشي فوق وجعي، فوق جثث القتلى ثم أصرخ (لقد حيدت العدالة في أرضي)، وضعت في دلو صغير فحملت على الأكتاف بعيدًا.

أتخيل صورة أولئك الغارقين في ايقاع الحتمية والأبدية، في إيقاع الموت المتتالي وفي ونباهة الحراس وهم يتساءلون من أي أرض أتيتم؟ في المرة التي حاول فيها صديقي الدخول هربًا إلى تلك القارة التي كما لو أن نبي صادق وقف داعيًا لها ذات يوم كما فعل نبي الله إبراهيم في أرض الحرمين! إنني أيها العالم من أرض يستفز شعبها أكتاف النساء وتحملق فيها رغبة في قضمها، شعب تستفزه خصلاتهن الدقيقة التي يرغب المرء في الموت لأجلها تفانيا ولا تستفزهم صور الأطفال عراة يوارون الموت جوعا في أحشائهم، لا تستفزهم جثث مهدرة على شواطئ الزمن الشقي على وجوهها يتكدس الألم المحض.

إنني من أقصى الأرض أرض العذابات والوشاية، الأرض التي أغوت أهلها فتراهم يشقون صدور بعضهم، الأرض التي ثملت بالدم، جذورها محطمة وحقولها لا تنبت غير السنابل المحترقة وصنوف من فقاعات الدم التي يشربونها كالعقاقير، من بلد يتلون فيها الآيات في وجه الجوع، الأرض التي يحشون فيها الوسائد بالبارود قبل الخلود إلى النوم، تلك البلد التي ضاقت بأهلها والتي تخوض الأمم على اتساعها في حكاياتها كل ليلة فيخلدون إلى النوم وتبقى وحدها عارية تستحم تحت ضوء القمر أشبه بذئب لاهث فقد القدرة على العواء، يا سيدي إنني من بلد غرقت في وهم التاريخ ومفاخرة الرسل بها وترف الأنبياء، تلك هي بلدي التي يوقظ صباحها صوت المآذن كل يوم فترى أهلها يتدافعون كأنهم في يوم المحشر.

من يصدق يا صديقي أن هذه الأرض التي تكتظ بكل هؤلاء المرضى والشحاذين وقطاع الطرق وتجار الحروب هي نفسها التي كانت تفوح منها رائحة البخور من كل النوافذ!، النوافذ التي يختبئ خلفها عشاق يجعلون من العذاب أجل قصير قبل السقط والرقاد. تأملت في سمائي المفتوحة لحظتها رأيت عيني (محمد الأهدل) الشاب والصحفي الرياضي الذي فتحت رياضة الموت أبوابها له في أعماق البحر على مقربة من الجزائر، وجدت أعمارًا تتسرب بين جنة قديمة وجحيم عصري هذا ما كانت تحكيه عينيه اللاتي نازعتا الحلم مرارا فكنا أول من احتفل بالحياة وأول من يلعنها، فقد بحث عن التهويم في مراقد خلف جدران لم تسقطها الحرب فغنت الملائكة باكرًا فوق رأسه وما كان باحثًا عن اللهو قط.

تذكرت حينها فتيات المدارس التي تفتر ثغورهن عن ابتسامة تمحو الحسرات، تثير الخيال المعذب، أجسادهن البضة التي تشبه قصب السكر والتي تتساوى من بعدها الليالي والأيام

أدركت مؤخرًا أن الحزن قد اعتاد على أن يقتات على أجسادنا، فخلال الشهرين الماضيين كنت قد تواصلت مع ثلاثة من زملاء الراسة، كنت أبحث عن متنفس وعن متسع للأمل الذي يبدو أنه تلاشى تمامًا وباتت فكرة الهجرة مثل أسهم مضطربة يتقاسمها الجميع، شرح لي أصدقائي خيبة أملهم من الواقع هناك، الجميع فقد ثقته في الخلاص الذي تقوده الحروب فكانت المرارة أكبر.

لقد نشبت أظفارها السمراء كلماتهم في موجات دمي العطشى والمكتظة بالأسرار ورائحة الاحتراق، أصغي إليها فتصفعني أغان مبعثرة من هنا وهناك وصديقي يخاطبني بجملته التي تشبه الوسواس المميت "إنني أجهل كل شيء حولي لا رياح ولا رعود بعد أن فقدت أبي وأكملت الحرب ما تبقى"، لقد أيقظت تلك الكلمات في ذاكرتي صورة أبي المعلقة في قلب منزلنا الريفي وحيداً يحملق في العدم وخياله الذي يرجع بي إليه في أشد اللحظات انهزامًا وكأنه قد نذر نفسه لي سلاحا في وجه الخشية، تذكرت ضحكة أمي على مائدة العائلة أول النهار، وابتسامتها التي تلوي دهري الأسود فتشفيني، هكذا تتسرب إلى أعماقي فأجدني أهمس "إني أحبك" مثل طفل لعوب في الثانية من عمره يحاول أن يستجمع الحروف على شفتيه لكنه يعجز فيلفه البكاء والحنق، فهل يكفي أن أهز يداي فأنجو؟

لقد عاودت هذه الصور اصرارها في تحطيمي، تفتح باحة للصلوات ومراسيم للعزاء يكتظ فيها أطفال حينا بأقدامهم الملأة بالطين، وبائع الحلوى الذي كان يبدو لي مثل صوفي هارب في هذا العالم رفقة حماره الذي سقط في منحدر جبلي بعد ان انهكته سنوات التعب والانهاك على طريقة (الهاراكيري) وكأنه مقاتل ياباني يأبى إلا أن يموت بطريقته التي ترفض الاستسلام وهو يطوف الأرض بلا تقويم لا يعرف من الفصول غير المطر.

تذكرت حينها فتيات المدارس التي تفتر ثغورهن عن ابتسامة تمحو الحسرات، تثير الخيال المعذب، أجسادهن البضة التي تشبه قصب السكر والتي تتساوى من بعدها الليالي والأيام، تموت على أثرها في جوقة من ألوان خدودهن التي تكاد تنفجر بالدماء من قبلة واحدة. يا لضعفي أمام هذه اللحظات التي تحلل أوصالي وتذيب مخيلتي الجائعة.

لقد اعتدنا خلال السنوات الأربع الأخيرة الخوض في أحاديث الموت والأجل بلا حسبان ولا ندامة وكأنه مقضي علينا الحديث عن المفازع، إذ لم يكن محمد الأهدل وحده من خضع لتقليد المستقبل المجهول الذي يقذف بك بين خيارين كلاهما مر لا يقبل الحياد معهم، لا يمكن أن يمنحك سوى المزيد من العذابات والاستغلال والاحساس المقلق إزاء المصير في بلد الحرب فيها مطاطية رغم قسوتها، ونسبة بطالة قد تصل إلى 75 بالمئة، وقد سبقه إلى ذات المصير في فترة سابقة 5 شبان ماتوا غرقًا قبالة السواحل الليبية فانهدم معبد الإنسانية، لقد ماتوا حاملين فصاحتهم الملتهبة حماسًا وكأنه العقاب لحملة أحلام خطيرة يميل كل شيء إلى الوقوف ضدها بالتطهير وإعادة البناء، لقد مات هؤلاء الأطهار وبقي أولئك المتسكعون بجشعهم، ولا شيء يمكن أن تقرأه في وجوههم غير "إني أفزع من الوطن ولا أفضل لي من نومة الثمل على شاطئ البحر" ولو ميتًا.