ما الذي يجب الانتباه إليه خلال التحولات التاريخية؟

blogs كتب إسلامية

إذا كان لنا أن نعتبر أن التعارضات تشكل أهم مظاهر التحولات التاريخية داخل الجماعات الإنسانية، فإنه علينا أن نعتبرها في الوقت ذاته مظهرا من مظاهر التنافس المستمر داخل الجماعة الواحدة، التنافس الذي سوف لن ينتهي بانتهاء مرحلة التحول، إذ ومن رغم ما ينتج عنه من حالة جديدة فإن التنافس سيستمر ويأخذ أبعادا جديدة كل مرّة، لذلك فمن المفيد جدا الانتباه إلى أن الذي يحدث بعد المنعرجات التاريخية ليس القضاء على المنافسة بقدر ما يتعلق الأمر بحصول تجديد نوعي لها من حيث الأشخاص والجماعات وحقول المنافسة وطبيعتها، لذلك كان من الجدير محاولة فهم ما الذي يحصل فعلا بين بداية المنعرج ونهايته، حيث الوعي بذلك قد يختصر الطريق كثيرا، والسؤال البدئي هنا هو حول ماذا تحدث المنافسة؟

التحولات تبدأ بإرادة مبطنة مفادها إعلان المنافسة الفعلية على التسيّد؟ أو من يفرض إرادته على من؟ والواقع أن البشر يستبقون شعورهم الخفي بانفلات الأمور عن السيطرة، سواء سيطرتهم هم أو سيطرة من يدير شؤونهم، بإعلان طوعي وقصدي وواع للتنافس، إلا أن الطوعية والقصدية هنا لا تتجاوز افتعال التنافس الذي كان في مرحلة خمود، بينما يبقى الوعي لا قدرة له على الالمام بجملة الدوافع الكامنة وراء الإقدام على الفعل التغييري.

ما يجب إعادة تأسيسه هو الهيكلة الاجتماعية العامة، بدءا بتقديم الكفاءات الرمزية التي تتكفل بالتفكير في بناء الهرم مجددا ووفق التراتبات الصحيحة

والواقع أن افتعال التنافس أو إحياءه، لا يحدث إلا بعد سيطرة الخوف على ما يتجاوز مشكلة البقاء إلى مشكلة التسيّد في المجتمع الإنساني، ذلك أن الخوف باعتباره مبدأ التحضر الإنساني لا يخرج عن أن يكون خوفا من الموت والجوع والعراء، بحيث يصبح لا معنى للبقاء في ظل شعور عام بعدم وجود حام، فمما انغرس في وعي الإنسان المدني أنه يضمن الأمن على مستويين: أ-مستوى سعة الانتشار، حيث ضمان الأمن الفردي يقتضي ضمان أمن الآخرين راهنا، ب- وعلى مستوى دوام استمرار، حيث شموله على الذرية مستقبلا. وعلى ذلك فإن الاستباق بما هو افتعال للمنافسة قبل حصول الخطر المباشر -الذي يكون بالفعل مس فئة معينة مهما تكن محدودة لكنها تكون كافية لدفع الفئة الأكبر إلى الاستباق- هو جوهر الإدراك الغريزي للمصلحة التي تتجاوز الفرد إلى محيطه حيث الجماعة الأكبر، وإلى المستقبل حيث الذرية. 

وذلك معنى أن يصبح تهديد البقاء لصاحب الفعل الاستباقي أمرا ثانويا مادام الوعي الباطن قد رسخ في نفسه أن السعي المباشر للبقاء سيكون أقل شأنا بالنسبة إلى السعي غير المباشر لحفظ الحياة الإنسانية، وذلك ما جبل عليه الإنسان، أعني أنه يجد في السعي إلى حفظ الحياة الإنسانية السيدة على نفسها أجدى وأمتع وأكثر جاذبية من السعي لمجرد حفظ البقاء المباشر، وهذا من حيث الإنّية النابعة من العمق الوجودي التطوري للبشر.

أما من حيث المادة المتنافس عليها فهي منقسمة إلى شكلية ومضمونية، أما من حيث الشكل فهو السعي لافتكاك المكانة التي تخوّل التحكم والهيمنة على المقدّرات الواقعة في المساحة التي تضمّ الجماعة الأهلية، ومن حيث المضمون المقدّرات أو الثروات بما هي مصدر طاقة الحياة من غذاء وماء وطاقات باطنية تفيد الصناعة والتكنولوجيا ذات العلاقة بالاكتفاء في الملبس والمسكن وغيرهما، وهنا أصِل إلى الجواب على سؤال المقال الوارد في العنوان، فما يجب التنبّه إليه وعدم الغفلة عنه هو أن مادة التنافس هي المضامين لا الأشكال.

وعلى ذلك كله فإن الثروة الرئيسة في المضامين المتنافس حولها هي الطاقة الأولى أو "الكفاءات العقلية" التي تنفع في الإرشاد إلى كيفية تصريف كل تلك المقدّرات، بالإحصاء والتخطيط السليم لتوزيع المقدّرات التوزيع الأمثل، وقبل ذلك الاحتياط من تحويل استغلالها إلى جماعات لا تنتمي للمساحة الأهلية، وكذا التحرز من تركزها في يد فئة قليلة، وبعد ذلك سوف لن تكون المادة الشكلية للمنافسة التي هي المكانة إلا تحصيل حاصل، فهي أولا قد تتغير من حيث طبيعتها بنهاية التحول، ذلك أن السير نحو الطريق السديدة يقتضي إعادة بناء الهرم الاجتماعي مجددا ليقوم على ركائز متينة.

ذلك أن ما يجب إعادة تأسيسه هو الهيكلة الاجتماعية العامة، بدءا بتقديم الكفاءات الرمزية التي تتكفل بالتفكير في بناء الهرم مجددا ووفق التراتبات الصحيحة، ثم السعي لاستخلاص القيم الرئيسة الحاكمة للجماعة الأهلية باستخراجها من الفسيفساء السياسية الظاهرة واستدعاء غير الظاهرة منها، وأخيرا اعتبار الفئات التي حازت السيادة سابقا، فهي ماتزال تنطوي على القوة سواء من حيث كفاءتها التي تفتقدها النخب الجديدة، أو من حيث حيازتها للقاعدة الاجتماعية التي لا بد أنها ما تزال مرتبطة بها.

ذلك ما يمكن أن يكون الوعي به منذ اللحظة الأولى لأي تحول تاريخي حصانة للسفينة التي تحمل الجميع ضد أي نكوص بكل أنواعه، وهو ما يقتضي حتمية التفاوض مع الجميع والتي يجب أن لا تنقطع ولو للحظة خلال من مرحلة الانعراج منعا لكل تهور واستفراد فردي أو جماعي تكون عاقبته وخيمة. والله أعلم 



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة