عالم الصحافة العجيب بالمغرب.. إلى أين؟

blogs الصحافة

تعلمنا في حجرة الدرس مع أساتذتنا الأجلاء، ضمن المحاضرات الخاصة بفصول الصحافة المكتوبة، أن كلمة الصحافة هي مصدر ثلاثي يدل على المهنة، أي إنه على وزن "فِعالة"، مثل حدادة ونجارة وزراعة.. وكل هذه المهن تحتاج إلى نوع من الصبر والدقة والتأني، كما أقنعونا بكل المعطيات العلمية والأكاديمية، كوننا في المغرب نتوفر على الحق الدستوري في نشر الأخبار والأفكار والآراء التي تتيح للمواطنين التعرف على سياسات دولتهم التي يعيشون وسطها، وعلى سلطة ثالثة مستقلة ونابعة من دستور مستفتى حوله بنسبة كبيرة، لها القدرة الكاملة في الفصل الحق، ونشر العدل عند التعرض لأي تدليس أو احتيال أو اختلاق أو افتراء أو تضليل أو تلفيق…من قبل بعض المدعيين اللذين تم كشف حقيقتهم. فأعطونا صورة وردية حول الحرفة وحول ممتهنيها كونهم يعيشون وسط بدلتهم الأنيقة ورابطة عنقهم المزركشة.

لكن أن تكون صحفيا وفي بلد مثل المغرب، فذلك يتطلب منك أن تكون ملما بجميع خصائص المهن وصفات أصحابها؛ كأن تتسلح بقدرة بدنية كالحداد لتجاوز الصعوبات المحدقة بك وتحمل الأخطار الناجمة عنها أحيانا، مع قدرة في تطويع الكلمات وحشدها لمبارزة الخصوم، وبهبة ربانية في صقل الجمل والتعبيرات وجعلها في قالب فني محبوك وسهل، لإيصال المعنى ولإفهام المغزى للقارئ بلغة بسيطة وميسرة كالنجار، ثم بالمواظبة والمثابرة والصبر على الوصول لنتائج ما تكتب أمام الشعب والتاريخ.

في المقابل وما لم نتعلمه في حجرة الدرس هو حجم التجارب المهولة التي ارتطمنا بها مع بدايتنا داخل هذا المشوار لصحفيين ذنبهم الوحيد أنهم حاولوا تنوير الرأي العام بما يدور في دهاليز سياسيينا، وكون أساتذتنا المحترمون نسوا أن يذكرونا باستمرار كون الصحافة مهنة المتاعب بامتياز، وأن واقع الصحافة والصحفيين بالمغرب، واقع مر ويستنزف من ممتهنيها كل القوى النفسية والعقلية والعلمية ثم البدنية. لكن ورغم ذلك قررنا الدخول في غمارها، إيمانا منا بقيمة الموضوعية في نقل المعلومة للرأي العام، إلى جانب ثقتنا في قضائنا وتحقيق الأهداف المرجوة من الصحافة كسلطة رابعة لكشف خبايا بعض القضايا الشائكة، والتي تتطلب نوعا من الحيطة والحذر ونوعا من المغامرة المشروعة.

عمق حرية التعبير هو أن تعطي للصحفي مساحة وضمان يجعلانه يشتغل في ظروف مواتية للتعبير عن كل القضايا والانتهاكات والتجاوزات الناشئة عن شراهة بعض الساسة والمسؤولين

أمام هذا الاندماج المفروض مع الواقع المعاش لصحفيينا والذي يتميز بكونه غير سار ولا يبشر بالخير، فالصحافة المغربية ظلت تعرف طريقها للقضاء في الآونة الأخيرة، والصحفيون أصبحوا «يجرجرون» في المحاكم. فكل يوم نشاهد تضييقا على حرية الصحافة والرأي، ونسمع عن اعتقال صحفي ما هناك، أو مثول أخر هنا، والغريب في الأمر عندما تسمع أن صحفيا تم اعتقاله لمجرد انه أدلى برأيه تجاه قضية معينة أو حدث معين، أو محاكمة مجموعة من الصحفيين بتهمة نشر أخبار صحيحة، بدعوى أنها لا يجب أن تكشف للرأي العام، أو تغريم آخر ومتابعته قضائيا بادعاء أنه أثار قضية تهم تدبير السياسات العمومية والمال العام والعلاقة بين رئيس الحكومة ووزرائه… وما يزيد من رفع سقف التخوف على مصير هذه الحرفة أيضا هو الرتبة الذي حضي بها المغرب ضمن التصنيف العالمي الذي يصدر من طرف منظمة "مراسلون بلا حدود" في عام 2018، حيث وضع المغرب مع الدول التي تعيش وضعيات صعبة في حرية الصحافة برتبة 135 من التصنيف العالمي لحرية الصحافة .

كلها مؤشرات توحي لك بضبابية الحقل الإعلامي بالمغرب، والتي تضرب كل المخططات والاستراتيجيات المطروحة عرض الحائط من طرف القطاع الوصي، كونه يهتم بالرفع من حرية التعبير المتمثلة في حرية الإعلام بشكل جلي، هذا الأخير يُعد بمثابة العمود الفقري لأي نظام ديمقراطي، وهو الشريان الرئيسي في قاعدة الحريات.

 

فعمق حرية التعبير هو أن تعطي للصحفي مساحة وضمان يجعلانه يشتغل في ظروف مواتية للتعبير عن كل القضايا والانتهاكات والتجاوزات الناشئة عن شراهة بعض الساسة والمسؤولين على بعض القطاعات والمؤسسات أمام قضايا مجتمعية تكون مهمة أحيانا، ومصيرية أحيانا، لكن في غياب هذا المطلب أو تغييبه يجعل المتلقي المغربي مقصي من الحصول على أخبار نابعة من مصادر مستقلة وحرة. عندها تضع نفسك أمام واقع تكون مضطرا فيه لتحمل الكثير من الصعوبات والمتاعب، الناتجة عن تناقضات موجودة داخل هذه الحرفة، وترحب بنفسك في عالم الصحافة العجيب بالمغرب، طارحا تساؤلك الجريح إلى أين؟



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة