الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بين مفهومي الحل والإدارة

قد يوحي هذا العنوان إلى مسألة غاية في الأهمية وهي القناعة بحصر الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين وتجريده من أي أبعاد قومية ودينية أخرى، وفي الحقيقة هذا مخالف لما يطرحه مضمون المقال، ولكنه تأصيل لأزمة حقيقية أصبحنا نعاني منها -كفلسطينيين-؛ وهي عدم التفريق بين المرحلية والاستراتيجية في التعامل مع طبيعة الصراع، وفي أساليب استخدام الأدوات الفاعلة لكلٍ من المرحلتين. وهذا شكَّل معضلة كبرى تُرجمت في ازدواجية الأهداف والرؤى والأدوات؛ بل وفي ضبابية الغاية المنشودة من وراء أي عمل نضالي يمارسه الفلسطينيون، هل غايته التحرير والعودة أم غير ذلك!

إذا رددنا الصراع إلى أصله نرى جلياً أنه لم يكن صراع على حدود أو أرض يمكن أن يتقاسمها طرفي النزاع، بل هو صراع وجودي يحاول فيه كل طرف من الأطراف أن ينتصر في هذه المعركة الصفرية، عبر امتلاك أدوات القوة التقليدية؛ العسكرية والأمنية -الاختراق الداخلي- والدعم الخارجي، وتوظيفها في تحقيق أهدافه وتطلعاته، وهذا ما مكن الاحتلال من بسط سيطرته على الأرض بل وامتداده إلى أقطار عربية أخرى، فالقوة العسكرية التي يمتلكها، مع الدعم الخارجي بأشكاله العديدة، إضافة إلى حالة الاختراق في الوطن العربي التي أنتجها الاستعمار، هي التي مكنته من تحقيق أهدافه الاستراتيجية.

عملية "الحل" لن تأتي إلا في سياق تبدلاتٍ وتحولاتٍ في موازين القوة على المستوى الإقليمي والدولي؛ وهي تحتاج إلى العمل على امتلاك أدوات القوة التقليدية وإدارتها بطريقة مركزية شديدة وفقاً لأبجديات العمل الأمني والعسكري

وهذا الأمر يقودنا إلى حقيقة أن الاحتلال الآن هو في مرحلة هجوم دفاعية، إذ يعتمد بشكل كبير على نتائج انعكاسات امتلاكه لتلك الأدوات، فهو لا يحتاج الآن إلى خوض معركة وجودية ليحقق هدفه الأسمى وهو المحافظة على استمرار قوته في المنطقة، بل يكفيه أن يستخدم من الأدوات التي استطاع امتلاكها مسبقاً لتحقيق هذه الغاية، وهذا ما يعطيه مساحة كافية للتعامل وفق استراتيجية "إدارة الصراع" المغلفة بوهم "حل الصراع" الذي يُسوِّقهُ للفلسطينيين والعالم عبر مبادراتٍ وصفقات واتفاقيات. وعلى الصعيد الآخر -وفي نفس سياق الرؤية الوجودية- كانت نظرتنا نحن الفلسطينيون والعرب والمسلمون للصراع أيضاً، ولكن الفرق بيننا وبينهم هي أننا لم نستطع امتلاك أدوات القوة تلك، بالإضافة إلى أننا كنا المفعول به لا الفاعل في مسألة الاختراق التي أحدثها الاستعمار، وهذا الأمر انعكس بشكل جذري على توازنات الصراع ومآلاته.

بقينا نحن نتعامل وفق هذه الرؤية –الصراع الوجودي- دون امتلاك أدوات القوة، إلى أن وصلنا إلى مرحلة أوسلو التي تغيرت فيها سياقات الصراع لتتحول من صراع وجودي إلى صراع حدودي، وهو الأمر الذي هيأ لتلك الازدواجية في فهمنا لأزمة (الحل – الإدارة) للصراع، ثم تُوِّج هذا المأزق في حالة الانقسام التي أحدثتها معضلة الصراع الداخلي على (سلطة دون سلطة) وتبريراتها في ضرورتها لامتلاك أدوات القوة تلك؛ في إطار الرؤية التقليدية –الصراع الوجودي- لحل الصراع، وهو ما تم التعبير عنه بمفهوم "السلطة المقاومة" والتي تتبنى استراتيجية عدم التمييز بين طبيعة الكيانية التي تعمل في إطارها وغائية الهدف المنشود –على الرغم من تضاربهما-، وهو ما أثبت أنه لم يخرج عن سياق عملية "إدارة الصراع" المغلفة بطموح "حل الصراع" وفق المنظور الصفري؛ ولكن عبر مؤسسة انعكاساتها لا تخدم طبيعة الهدف المنشود، وهو الفخ الذي أوقعنا الاحتلال فيه واكتشفناه متأخراً.

ولنا أن ننظر في حالة المقاومة المسلحة في قطاع غزة والتي على الرغم من أنها تمتلك بعضاً من أدوات القوة تلك –التي من المفترض أن تكون صلب عملية الحل-؛ إلا أنها غير قادرة الآن على حسم الصراع وفق منطق "الحل"، والمشكلة التي نرى بوادرها أنه يتم العمل –من قبل الاحتلال- على تهيئة الظروف لربطها بالكيانية الإدارية التي تنخرط في صلب العملية الإدارية اليومية لحياة الفلسطينيين؛ نظراً لحالة الفراغ والعجز في المكونات الأخرى لـ "السلطة المقاومة"، إضافة إلى رسوخ قناعة حقيقية لدى الناس بأن القيادة العسكرية للمقاومة هي المؤهلة والقادرة على سد هذا الفراغ، وذلك من منطلق الإحساس بالتطور الملموس الذي حققته المقاومة المسلحة، في مقابل الترهل الذي أصاب الكيانات الأخرى، وهو ما يمكنه أن يُحدث حالة من التشتيت تؤثر بشكل سلبي على حالة الصعود التطويري لقدرات المقاومة، إضافة إلى تقييدها ضمن نطاق استحقاقات تلك العملية الإدارية، بحيث تتحول المعادلة من كيانات داعمة لتلك المقاومة إلى مقاومة داعمة لتلك الكيانات؛ وفق منهجية التداخل لا التكامل –أي بدلاً من استخدام أدوات الإدارة للوصول إلى الحل، تستخدم أدوات الحل للدخول في عملية الإدارة-.

ولذلك؛ يتحتم علينا أن نعيد النظر في طبيعة المؤسسات التي نعمل في إطارها، وآليات العمل التي نستخدمها، وطرق وأساليب إدارة هذه الكيانات سواء "الحكومية" أو "التنظيمية"، الأمنية والعسكرية؛ أو السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفق التفريق بين هذين المفهومين (الحل – الإدارة) لعملية الصراع، وطبيعة الأدوات اللازمة لكل مرحلة، وأساليب إدارة كل منهما.

فعملية "الحل" لن تأتي إلا في سياق تبدلاتٍ وتحولاتٍ في موازين القوة على المستوى الإقليمي والدولي؛ وهي تحتاج إلى العمل على امتلاك أدوات القوة التقليدية وإدارتها بطريقة مركزية شديدة وفقاً لأبجديات العمل الأمني والعسكري، وهي تحتاج إلى كيان تمثيلي -مستقل عن أدوات العمل الإدارية للحياة اليومية- يجمعها وفق رؤية استراتيجية واضحة وضمن خطة تتبنى عملية الدفاع عن الشعب في حالات الاعتداء عليه، وترتكز على مراكمة امتلاك وتطوير أدوات القوة لاستخدامها في الوقت والظرف الذي يمكنها من تحقيق غايتها.

أما عملية "الإدارة" التي نحن بصددها –حتى ضمن ما يسمى بصفقة القرن- فتحتاج إلى إعادة تشكيل مؤسساتنا المدنية (الاقتصادية – السياسية – الاجتماعية…)، وطريقة العمل داخل التنظيمات؛ وفق استراتيجية اللامركزية الإدارية، وهذا يتأتى من خلال إعطاء أدوار –حقيقية- أكثر فاعلية للمؤسسات الاقتصادية ومؤسسات المجتمع المدني والاتحادات والتكتلات الشبابية والطلابية والنقابية، مما يعطي مساحات أوسع ومرونة أكبر لإدارة الحياة اليومية التي يجب أن تُنبى وفق استراتيجية تعزيز صمود الإنسان. إضافة إلى ضرورة خلق حاضنات شبابية مكونة من جميع أطياف الشعب؛ ومدعومة من التنظيمات، تعمل وفق منهجية العمل التخصصي خارج الحسابات السياسية، وتعمل على إعطاء مساحات أوسع للعمل المشترك خارج إطهار المنهجية المركزية التي تتبناها التنظيمات.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة