الحضارة الإسلامية على ميزان ابن خلدون

مدونات - ابن خلدون

حيثما ذكر علم الإجتماع إلا وذكر معه منظره الأول ابن خلدون الإشبيلي التونسي الذي كان أول من أسس مملكة مفاهيمية مصطلحية واسعة مترامية الأطراف في علم الاجتماع. فكان أول من حلل أسباب قيام الحضارات واندحارها وأبدع في ذلك فكان لقوله عند من خلفوه من الغرب مكانة ووزن، وإذا أردنا الربط بين تاريخ الحضارة الإسلامية (التي عاش فيها ابن خلدون) وبين نظريته كان علينا لزاما الانطلاق من مقدمات منهجية وجب الاتفاق عليها قبل الشروع في وزنها على ميزانه ومحاولة إخضاعها لقواعده.

 

الأولى: أن منهج ابن خلدون يبقى اجتهادا بشريا بناء على أوضاع اجتماعية وسياق تاريخي معين وليس منزها عن الزلل والشطط.

الثانية: أن الخطأ في تنزيل التصورات وانحراف التصرفات عن المبادئ لا يطعن فيها بأي حال، إذ يحصر العيب في التطبيق لا في المبدأ.

الثالثة: أن عدم العلم لا يقتضي علم العدم.

  

إن الخطوات التي حددها ابن خلدون لقيام الحضارات والدول تصلح ان تؤسس لنموذج متكامل والتي نجملها في: "عوامل جغرافية طبيعية" ثم "الانتقال من البداوة إلى الحضر" إضافة إلى "وجود سياسة ينتظم بها أمر العمران" و"الثروة" و"العدل" لا تحيط تمام الإحاطة بما انبنت عليه حضارة الإسلام قبل قيامها، فهي إضافة إلى كل ماتم ذكره تحوي عنصرا ضاربا في عمق الغيب وهو النبوة والوحي، فإن هذا المكون الرئيسي لا يحيط به نظر ولا تحليل لا نه قادم من وراء المادة وخارج الطبيعة، وبالتالي فكل الوسائل المادية للتحليل لا تتيح الوصول إلى كنهه العميق، فلا يمكن للمادة يوما أن تصل إلى مرحلة الإحاطة الغيب، ولا يمكن أبدا حصر الوحي والنبوة في القيم والاخلاق المترتبة عنها فقط (المقدمة الثالثة والتي تفسر ان عدم العلم بشيء ما لا يعني بالضرورة عدم وجوده) إنما لها تمظهرات غيبية أخرى.

 

كل محاولة لإعادة صياغة نموذج حضاري إسلامي جديد تقابل بالتآمر الخارجي بل وحتى التدخل العسكري في كثير من الأحيان، ولكم في التاريخ العبر

والعصبية كما يعرفها ابن خلدون والتي يعتبرها عنصرا مهما في قيام الدول والتي تعني "العلاقة التي تنشئ بين الأفراد الذين تجمع بينهم رابطة الدم أو رابطة الحلف أو الولاء بالإضافة إلى شرط الملازمة بينهم من أجل أن يتم التفاعل الاجتماعي، وتبقى مستمرة ومتفرعة بوجود هؤلاء الأفراد واستمرار تناسلهم، فينشأ بين أفرادها شعور يؤدي إلى المحاماة والمدافعة وهم يتعصبون لبعضهم حينما يكون هناك داع للتعصب" لا تحيط بمفهوم العصبية المنبثق من التصور الإسلامي الذي في أصله يذم فكرة التعصب للقبيلة والرأي والدم ويصهر جميع أفراده في قالب الوحي والتعصب المطلق له دون باقي الموجودات ويجعل السيادة للمبدأ لا للقبيلة، وهذه العصبية لا تنتهي بانتهاء تناسل أولئك الأشخاص لا نها ليست منبثقة عن نظرة شحصية إنما مصدرها الوحي الذي كان ولا زال وسيبقى حيا في النفوس مؤثرا منذرا ومبشرا وهاديا إلى سبيل الرشاد.

 

فمن شاء أن يلحظ الاختلاف بين حضارة الإسلام وغيرها من الحضارات كالرومان والفرس سيجد الفرق شاسعا، حيث كان قيامها في الأصل مبنيا على سيادة عرق على آخر ورسوخ فكرة استعباد الناس في ذهن وتصور منظريها الأوائل. وإن حضارة الإسلام كانت أرحم الحضارات بالخلق، فبالرغم من التجاوزات التي حدثت في عصور مختلفة من التاريخ الإسلامي والتي سادت في بعض الفترات من حكم الدولة الأموية والعباسية بعد بزوغ فجر الإسلام بقرون قليلة كان بارزا أن المبدأ المرسخ في الوحي ينافي تماما التطبيق المحرف (المقدمة الثانية) وبالتالي لا يصح بأي حال التنقيص من المبدئ بل الأصل أن ينتقص ممن انتسب اليه وعمل بغيره.

  

عوامل السقوط عند ابن خلدون وتفرد الحضارة الإسلامية

يعتقد ابن خلدون أن للحضارات أعمارا كما للأشخاص أعمار، ومراحل قوتها وضعفها مشابهة تماما لحياة الانسان الذي يولد ضعيفا فيقوى ثم يضعف آخر عمره مطبقا بذلك سنة الله في الكون والتي تؤسس لفناء الخلق وبقاء الخالق، لكنه يعطي خطوات من الواقع للاندحار الحضاري نجملها في تغلب الأعراب على الأوطان والاستبداد بالملك وحصول الترف وأن الظلم مؤذن بخراب العمران وأن الوصول إلى قمة الحضارة هي غاية العمران وهي مؤذنه بفساده. لكن تعميم هذه النظرة على مجمل التاريخ قد يكون من الإجحاف بما كان، فمن لا يعتقد اليوم أن الأمة الإسلامية في حضيض مطلق وأن السلطان والغلبة في يد الغرب وأن القرارات الكبرى تدبر وتدرس خارج أرض الإسلام، لكن في المقابل من يستطيع ان يجزم أن الحضارة الإسلامية قد ماتت موتة أبدية لا يمكن بتاتا ان يحيى منها؟ وهل مكون الوحي الذي هو ازلي باق في الناس لا يغير من المعادلة شيئا؟

   

قد يقول البعض إننا قد خرجنا بهذا السرد من علم الاجتماع إلى اللاهوت، ومن العلم إلى الخيال والإيمان، ولكن الواقع يشهد بعكس هذا، فالأمة الإسلامية اليوم التي هي من مخلفات الحضارة الإسلامية سابقا تتعرض لأشد أنواع إعادة القولبة بعيدا عن الوحي، وبعيدا عن الأصل الإسلامي الأول، لأن الغرب يدرك تمام الإدراك، أن هذه الأمة لا زال فيها بصيص من روح، لا ينقطع ولا يفنى، وبالتالي فكل محاولة (كانت جادة أم لا) لإعادة صياغة نموذج حضاري إسلامي جديد تقابل بالتآمر الخارجي بل وحتى التدخل العسكري في كثير من الأحيان، ولكم في التاريخ العبر.

 

إن روح هذه الأمة هو الوحي، وهو عنصر لم يمت ولن يموت، وحتى إن تحققت كل مراحل خطوات ابن خلدون يبقى القرآن حيا عصيا شامخا، بمبادئه وبطريقة تحليله وفكره العميق في التنظير لدولة حضارية جديدة تنبعث مرة أخرى تقود العالم كما كان قبل، ولا غالب إلا الله.