الإسلاميون.. من منظومة الشعارات إلى منظومة القِيَم

بدوري مؤمن بالإسلام ودوره العظيم في توجيه السلوك البشري للرشد وبفلسفته التركيبية المزدوجة بين الروح والمادة، وبدوري إسلامي بالمعنى الذي اصطلح عليه المفكرون المعاصرون فإنني أريد في هذا المقال أن أضع بعد الملامح للتحوّلات التي جرت ولا زالت تجري على سير الحركات الإسلامية في بلداننا العربية والإسلامية.

الإسلاميون من المكية إلى المدنية

لمّا نشأت الحركات الإسلامية كانت نشأتها عبارة عن روح دافعة انطلقت من جسد الأمة ومناعته الذاتية، إنطلقت هذه الروح لتصويب المسار المنحرف الذي ظلت تعاني منه الأمة منذ عقود فمنذ اندثار منهج الخلافة واستحكام منطق المُلك والجبر ظلت الامة تنبعث حيناً بعد حين فلم تكف الامة عن الثورة ضد الاستبداد منذ أن استقرت الفتنة الكبرى لحكم تأسس على القهر والاستبداد بدلاً عن المنطق الشرعي الشوري التداولي الذي ساد منذ فجر النبوة الى الخلفاء الراشدين الأربعة، فقد وضعت الحرب اوزارها بعد الفتنة الكبرى على جثة الشرعية السياسية للأمة لكنها لم تستطع أن تقتل (ضمير الأمة وإمكانها المكنون) – بتعبير الشنقيطي في كتابه الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية.

تواجه الحركات الإسلامية الراهنة تحدياً عظيماً يتمثل في جوهره في انتقالها من منظومة الشعارات الحماسية لتبني القيم المبثوثة في الوحي والاجتهاد في ضوء بلاءات الواقع لإنزالها للأرض عبر وسائل معاصرة

فقد ظلت الأمة تثور وتثور وما بذرة الحركات الإسلامية المعاصرة يوم نشأت إلا استئناف لحركة الضمير المسلم الذي تؤرقه قيمه المفقودة في تاريخه الأليم. لكن الحركات الإسلامية نشأت روحاً ولم تنشأ منذ بدايتها على بصيرة حقيقية ودراسات عميقة فهي أشبه بالثورة التي تدرك أفقها السياسي مع التجربة والمجاهدة. فمراحل الحركات الإسلامية أشبه بمرحلة الإسلام الأولى حيث نشأ الإسلام روحاً تفجرت في مكة وما اكتملت دائرته إلا بعد الهجرة للمدينة وإلا بعد التجربة والمجاهدة. إن الحركات الإسلامية يمكن اعتبارها قبل ثورات الربيع في مرحلتها المكيّة ذات الطابع الروحي الثائر أما بعد ثورات الربيع فقد آن للتجربة أن تبني ذاتها في الدولة والمجتمع.

قال تعالى: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (البقرة 177).

تدل الأية على البعد الواقعي في الحياة الإسلامية ليس البعد الظاهري الذي يغلب عليه الشعار والمظهر، والحركات الإسلامية تطورت وستتجه بعد ثورات الربيع العربي لدعم عنصر القيمة أكثر من عنصر الشعار الظاهري، أي أنها ستنتقل من اللفظ للمدلول.

التحدي المعاصر للحركات الإسلامية

نعني هنا بالحركات الإسلامية الحركات التي جعلت من الإسلام مثالاً تنطلق منه لتحقق قيمه ومضامينه وأفكاره مجاهدة في مشكلات الحياة الاجتماعية من إقامة للعدل ونشر لمفهوم التشاور وتحقيقاً للعدالة الاجتماعية وترسيخاً لقيم التعايش السلمي والتداول السلمي للسلطة والحريات وصوناً لمظالم الناس، ولا نعني هنا بالحركات الإسلامية نمطاً دينياً منزوياً عن عالم الحياة الطبيعي.

تواجه الحركات الإسلامية الراهنة تحدياً عظيماً يتمثل في جوهره في انتقالها من منظومة الشعارات الحماسية لتبني القيم المبثوثة في الوحي والاجتهاد في ضوء بلاءات الواقع لإنزالها للأرض عبر وسائل معاصرة تتقدم من الإطار القديم وتستأنِف تهذيب سيرها كما ذكر إقبال في ختام كتابه – تجديد الفكر الديني قائلا: "فأستأنِف تهذيب إطارك القديم وأقِم كيانياً جديداً، مثلُ هذا الكيان هو الكيان الحق وإلا فذاتُك لا تزيد على أن تكون حلقةٌ من دُخان".

الكِيان الجديد

التقطتُ فقرة عظيمة للدكتور الترابي في كتابه – السياسة والحكم متحدثاً عن روح البعث المتجدد في الدين فقال: "وينبغي الا تحجر الخلف المنقولات التقليدية التي تتراكم عليهم عن أن يتيمموا الأصول وألا يُقعدهم التعويل عليها عن الاجتهاد في ضوء البلاءات الجديدة ووجوه الرأي النابتة".

ينبغي أن تؤكد الحركات الإسلامية على صلابة قيمها منطلقة من الدين حتى تكتسب مناعة من أي داء اجتماعي قد يسرب لها قيماً مغايرة لقيمها الإسلامية الأصيلة

من السذاجة التي لا تتوائم مع روح الإسلام التجديدية الباعثة، أن تظل الحركات الإسلامية في محطة واحدة وما هجرة النبي عليه الصلاة والسلام إلا تجسيد لمعنى التجديد بكل جوانبه النظرية والواقعية لتحقيق غايات الإسلام السامية في تحرير الناس وصون كرامتهم وإقامة القسط بينهم. ومن هنا فإنني أنوه لمقال سابق لي على مدونات الجزيرة بعنوان (الهجرة النبوية مضامين وتحوّلات).

إن الإسلاميين لابد لهم خاصة بعد ثورات الربيع من جهود عظيمة في مجالات السياسة والفكر الدستوري والقانوني والتشريعي بما يحقق قيم الدين وقيم الحرية والكرامة والحقوق للشعوب في العيش الكريم ولن تقوم للأمة الإسلامية قائمة بفقه موروث منعزل عن واقع الشعوب ولا بفقه منبتر عن أصول التجربة التاريخية، فينبغي أن نكون على مسافة متزنة بين تاريخنا وواقعنا فلا نقدس تجربة تاريخية غطت على القيم ولا نُعدِم تجربة تاريخية ساهمت في بناء تلك القيم، وينبغي للإسلاميين بناء كيانات جديدة تُهذب إطارها القديم لتستوعب الحركة الديناميكية للمجتمعات المعاصرة فغاية الدين صبغ الحياة بروح القيم لا الشعارات الجوفاء.

كما ينبغي لهذا الكيان الجديد ألا يجعل بينه وبين المجتمع حاجزاً وأن يثق بالمجتمع فالمجتمع هو الحر وكلما كان المجتمع حراً كلما اتجه صوب قيم الدين، كما أن الكيانات الإسلامية ليست وصية على المجتمع بل هي جزء من تكوينه تلبي حاجاته الدنيوية والدينية وتكتسب منه قوة حركتها في ذات البنية الاجتماعية كما يقول بيجوفيتش: "لكي يؤثر الدين في العالم الدنيوي ينبغي أن يكون دنيوياً".

إن إكبر التحديات التي تواجه الحركات الإسلامية هو العمل على بناء مجتمع مسلم يؤمن بقيم الإسلام في الحرية والكرامة قبل أن تغشاها غواشي التاريخ المتلطخ بالقيم الدخيلة على ثقافة المسلمين الأوائل، فالمجتمع الحر هو المدخل الأول لقضية الشريعة الإسلامية دون نمط الاستبداد وسيفه المسلط على رقاب الناس، وقد ذكر الدكتور الشنقيطي في مقاله للجزيرة – الشرعية قبل الشريعة قائلاً: "إن ﺇﻗﺎﻣﺔ ﺣﻜﻢ ﺩﻳﻤﻘﺮﺍﻃﻲ ﻳﺤﺘﺮﻡ ﺇﺭﺍﺩﺓ ﺍﻷﻣﺔ ﻭﺣﺮﻳﺔ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﻫﻮ ﺍﻟﺴﺒﻴﻞ ﺇﻟﻰ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﺑﻞ ﻫﻮ ﺃﻫﻢ ﺟﺰﺀ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﻓﻲ ﺃﺧﻄﺮ ﻣﻨﺎﺣﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﺃﻛﺜﺮﻫﺎ ﺇﺛﺎﺭﺓ ﻟﻠﺨﻼﻑ".

ومن هنا فإن حركة الإسلام اليوم خاصة بعد ثورات الربيع العربي وقدرة الشعوب على إدراك قيم الدين، فإنه لا يسعف الحركات الإسلامية التنظيم الضيق الصفوي ذو النمط المحدد بل ينبغي العمل اليوم على كيانات مفتوحة على حركة المجتمع المتجدد الفسيح لتصيب منه الحركة قوةً ديناميكيتها وتمدّه بقيم الحق وتبادله الخبرة في بناء المجتمعات الحرة. وينبغي أن تؤكد الحركات الإسلامية على صلابة قيمها منطلقة من الدين حتى تكتسب مناعة من أي داء اجتماعي قد يسرب لها قيماً مغايرة لقيمها الإسلامية الأصيلة، كما ينبغي ويجب أن تتوب الحركات الإسلامية عن أخطاء وخطايا سيرها الماضي فلا تستأنِف سيرها الجديد مثقلة بعناد الضلال فإن ذلك بُعد عن قيم الدين يستجلب الاستبدال من الله في شؤون دينه الممتد الخالد، فهل تمضي الحركات الإسلامية "مهذِّبةً لإطارها القديم مقيمة كياناً جديداً يمثل الحق أم تصير ذاتها حلقة من دخان" بتعبير إقبال – فتدور في دائرة واحدة تاركة المجتمع يتجاوزها فتغدو باهتة ميتة؟!

إن الحركات الإسلامية تمتلك الإمكان الذي يبعثها متجددة قوية ماضية واثقة إن هي ادركت قيم الدين الحق وطهرت مسيرتها وتوكلت على الله وتابت إليه لتمضي طاهرة من جديد تمد المجتمع وتستمد منه.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة