تسلط الضوء على تونس.. الإرهاب والبطالة والجنس في رواية "جهاد ناعم"

عندما قرأت رواية جهاد ناعم للروائي التونسي محمد عيسى المؤدّب، تذكّرت قول جاك داريدا مؤسس المدرسة التفكيكية: وإنّنا عندما نريد أن نكتب فإنّنا في الحقيقة نكتب ما لا نريد أن نقوله. وللأمانة أمام الله وأمام التاريخ وأمام ضمير الأدب، كنت قد قرأت هذه الرواية بعيد فوزها بجائزة الكومار الذهبي. فكانت بالنسبة لي رواية كلّ شيء في لا شيء، فهي سرد الاستعجال لي بالمفهوم الزمني للكلمة ولكن تواتر القضايا التي طرحتها رواية جهاد ناعم بدءا بالإرهاب ثمّ الفقر والبطالة والجنس… وصولا إلى الحرقة، والحرقة مصطلح في اللهجة التونسية يطلق على من يجتاز الحدود البحرية خلسة في اتّجاه أوروبا.

لقد كانت رواية جهاد ناعم أحد أهمّ السيالات السردية الضابطة في تسريد القضايا الاجتماعية الشائكة، كونها أفرزت واقعا روائيا تجاوز مداه الورقي وعرج نحو الراهنية التي تستهدف الإنسان في أبعاده المتعددة النفسية والوجدانية والروحية والعقلية في اتّزان مدروس بين الإرهاصات الروحية من جهة والاحتياجات الجسدية والعقلية من جهة أخرى، فلطالما كان الأدباء والمفكّرون والفلاسفة المصباح الذي يضيء دروب البشرية ويهديها سواء السبيل. وتستنقذ به نفسها من أوحال الواقع وتترفع به عن إكراهات المادة وخور النفس وجمود العادة وشبق الشهوة وتعانق به فضاء الوجدان والمثل العليا… فلغة محمد عيسى المؤدّب داخل رواية جهاد ناعم، كانت لغة الواقع والخيال في آن، ولغة البياض والسواد في آن، ولغة الخوف والتمرّد في آن أيضا.. وليس ذلك من باب اللعب على المتناقضات كخاصّية لغوية فنّية بل جعل رواية: الرواية المناهضة للرواية. وقد ظهر هذا المصطلح لأول مرّة سنة 1633 على لسان الكاتب تشارلز سوريل لوصف الطبيعة الحكيمة لخياله النثري. ثمّ اعتمده فيلسوف الوجودية جون بول سارتر في تقديمه لكتاب ناتالي ساروت صورة رجل غير معروف حيث تحدّث عن الرواية المناهضة للرواية انتي نوفل.

 

الكاتب أراد أن يكون يخلق خلقا جديدا داخل المدوّنة الأدبية وهو الأديب المراسل الذي يكتب ما يرى ويرى ما يسمع ويسمع ما يُكتب

فالروائي محمد عيسى المؤدّب جعل من رواية جهاد ناعم رواية مناهضة للرواية في مفهومها التقليدي، فقد خرج منها ليعود إليها عبر بطل الرواية نضال، ولنا أن نفهم حنكة المؤلف في اقتناص الاسم المناسب لهذه الشخصية المحورية، فكانت ترجمة العنوان داخل النص، أي بين الجهاد والنضال تتولّد النعومة فكانت جهادا ناعما. وفي هذا الإطار يقول الكاتب جان ريكاردو في كتابه الشهير قضايا الرواية: إنّ تأثير وفاعلية النص السردي إنما ينبعث أصلا من الإزاحة التي يعملها النص عن الواقع، وليس في نقل هذا الواقع أو محاكاته. وهذا ما حدّده عيسى المؤدّب في بنك أهداف الرواية، ذلك أنّه تحدّث عن كلّ شيء بلا شيء، وأعطى كلّ شيء دون أن يأخذ شيء، وجمع كلّ شيء دون أن يحتفظ بشيء..

 

ولكن كان هذا كلّه داخل فضاء سردي أولّ ما يشدّك إليه هو الامتلاء التعبيري الذي انتظم حول ثلاثة محاور رئيسية في الرواية: المقاطع والوقائع والدوافع. المقاطع بما هي بناء لغوي فنّي يعمل على تنظيم الدورة الدموية للنص، والوقائع بما هي استحضار للواقع والانطلاق منه كمصدر أساسي للتشريع السردي داخل النص، والدوافع بما هي القضايا الرئيسية التي تناولها المؤدّب كالإرهاب والفقر والبطالة والحرمان.. أي ما دفعه للكتابة داخل الكتابة. ومن هذه الزاوية أذكر قولا طريفا للكاتب الأمريكي جيمس بالدوين حيث يقول: إنّ الواحد منا يكتب عن شيء واحد فقط، هو التجربة الشخصية، فكل شيء يعتمد على مدى مثابرة الشخص في استخلاص الحلو والمر من التجارب حتى آخر قطرة.

 

وقد صرّح الكاتب أنّه فعلا عاش هذه التجارب حيث أبحر مع الصيّادين على مراكبهم، وجلس إلى الصعاليك، واستمع إلى خرّيجي السجون ممن ارتكبوا جرائم كبيرة وحوكموا بعشرات السنين.. فالكاتب أراد أن يكون يخلق خلقا جديدا داخل المدوّنة الأدبية وهو الأديب المراسل الذي يكتب ما يرى ويرى ما يسمع ويسمع ما يُكتب. فأمين الزاوي مثلا وهو المدير الأسبق للمكتبة الوطنية في الجزائر، قال ذات مرّة في معرض حديثه عن العشرية السوداء في الجزائر: إنّ أغلب الكُتاب الجدد قد نقلوا شهاداتهم من خارج البلاد، فقد سافروا إلى فرنسا وكندا وبلجيكا وأمريكا، وكان إصدارهم يُعبِّر في الغالب عن حالة شخصية عاشوها، فقد كان همهم التعبير عن هول الوقائع الذي صدمهم. أمّا الكاتب محمد عيسى المؤدّب فقد كتب روايته من داخل الداخل وليس بعيدا عن التجربة أو القضية.

في الختام، ربّما ما يعاب على معشر الروائيين والكتّاب عموما أنّه اكتفوا فقط بتشخيص الواقع دون تقديم حلول، فماركس يقول: لقد اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم بشتّى الطرق لكن المطلوب تغييره. لكن في المقابل يردّ بعض الأدباء بأنّه ليس دورهم أن يقدّموا حلولا، فهناك جهات أخرى مدعوّة لذلك وعلى رأسها السلطة السياسية.



حول هذه القصة

راوية الموريسكي استطاعت أن تضطلع بمهمة توضيح العوامل، الأسباب، الظروف، والحيثيات التي جعلت الإنسان الموريسكي والأمازيغي يعيشان حالة من التيه الهوياتي خصوصا في جوانب الانتماء الديني والجغرافي والأسري والاجتماعي.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة