ما مدى مسؤولية الإخوان فيما آلت إليه أوضاعهم؟

أعادت صدمة إعدام تسعة من الشبان الإسلاميين من طرف نظام السيسي الجدل الداخلي مجددا في أوساط الإخوان المسلمين في مصر والمتعاطفين معهم حول تقييم أداءهم في مرحلة ما بعد 25 يناير ومدى مسؤوليتهم عما آلت إليه أوضاع الجماعة، وهل كان بالإمكان تجنب الفاتورة القاسية التي دفعتها أم أنها كانت أمام مصير محتوم لا سبيل لتجنبه فرضه واقع لا يرتفع.

  

وكالعادة فإن السمة البارزة في هذا السجال هو الانفعال الناجم عن الضغط العنيف وكثافة الظلم المسلط الذي خلق جوا عصبيا أرخى بظلاله على التعاطي مع هذا الموضوع وأفرز اتجاها ينحو نحو تنزيه الذات من أي خطأ طيلة الثمانية السنوات الماضية ويعتبر كل ما حدث قدرا مقدرا، وفي المقابل ثمة من يتجاهل التحديات الموضوعية ويلقي باللائمة على العامل الذاتي محملا المسؤولية الحصرية لقرارات الجماعة التي ورطت أبناءها في معارك خاسرة ودفعتهم إلى الهاوية حسب رأيهم.

 

مشكلة الإخوان أنهم عالجوا لحظة ثورية بأدوات إصلاحية ظنا منهم أن مناوراتهم تلك قد تجنبهم ما يكيده النظام العسكري لهم

 

الواقع، وبالعودة إلى الوراء فإن مجريات الأمور في مصر لحظة 25 يناير وضعت الإخوان المسلمين في موقف لا يحسدون عليه وفرضت عليهم خيارات لا تنسجم مع تصوراتهم، فالجماعة التي كانت تمني النفس بوضع خال من المتابعة وبتثبيت وضعها القانوني ونيل بضعة مقاعد برلمانية فقط وجدت نفسها أمام اختناق الشارع وأمام لهيب متنام من الاحتجاجات في ظل استعصاء الإصلاح من داخل بنية النظام المصري الذي تحول إلى محض أوهام، الشيء الذي عجل باندلاع الثورة المصرية. وهذا أدى إلى خيارين أمام الإخوان أحلاهما مر، إما إدارة ظهرها للغضب الشعبي ومحاولة تسوية أوضاعها مع النظام بما يعني ضرب رمزيتها الأخلاقية والمبدئية، وإما التفاعل الإيجابي مع الحراك الثوري والدفع به مستغلة زخمها الشعبي وقدراتها التنظيمية الكبيرة.

 

يحسب للإخوان اختيارهم الاصطفاف مع الثوار وسيبقى هذا الاختيار صفحة مشرقة في تاريخهم، غير أن لهذا الموقف كلفة، وقد أدركت الجماعة ذلك مبكرا وهو ما كبح سيرها وعرقل أداءها وجعل من ضربات العسكر المحتملة لها كابوسا مؤرقا يمنعها من اتخاذ مواقف جريئة تناسب المرحلة، مثلها مثل جل النخبة التقليدية المصرية بمختلف تشكيلاتها، الشيء الذي أعطى النظام المصري فرصة لالتقاط أنفاسه واستلام زمام المبادرة بعد ذلك من أجل تصفية الحسابات مع كل مكونات ثورة 25 يناير بأريحية تامة.

 

لذلك فإن النقاش لا يجوز أن يقتصر على جزئية الاستهداف فهو تحصيل حاصل، ذلك أن الثورة ليست نزهة ومن قرر المشاركة فيها عليه أن يتوقع استهدافه، فالمشكلة ليست في الفاتورة بل في مدى تناسب تلك الفاتورة مع طبيعة مواقف وأفعال الطرف الذي سيدفعها، وإنه لمن المؤسف أن يقضي الإخوان جل مرحلة ما بعد الثورة إلى حدوث الانقلاب في البحث عن تسويات وإرضاء للقوى المتنفذة ثم تقلب تلك القوى الطاولة عليهم بل وتمارس بحقهم بعد ذلك واحدة من أبشع التصفيات السياسية في التاريخ الحديث.

 

مشكلة الإخوان أنهم عالجوا لحظة ثورية بأدوات إصلاحية ظنا منهم أن مناوراتهم تلك قد تجنبهم ما يكيده النظام العسكري لهم، وأن بإمكانهم أن يجعلوا البلاد ترسو إلى بر الأمان بمهادنة العسكر وبالانخراط في المسار الذي اختطه والذي استدرج به مختلف المكونات السياسية والمجتمعية في مصر، فقد كان هذا الخيار في نظر الجماعة الخيار الوحيد الكفيل بتسليم البلاد من أيدي عسكرية إلى أخرى مدنية.

 

لقد خلق هذا الوضع حالة من الاستقطاب الحاد في المجتمع وأدى إلى تشرذم قوى الثورة بانخراطهم في صراع وهمي أفاد منه معسكر النظام الذي دفع إلى تحويل الصراع من صراع ثوري إلى إديولوجي، فاخترقت قواه وإعلامه الصف الثوري بجرها لبعض مكونات الثورة وتوظيفها إياها في معاركها الإعلامية ضد الإسلاميين، فيما عملت من جهة أخرى على استخدام التيار السلفي لاستدراج الإخوان إلى تحالف يمكن اعتباره كارثة سياسية كبرى، حيث أغرق الإخوان، بمزايدته عليهم، في تفاصيل لا لزوم لها أبعدتهم عن أولوياتهم وأولويات البلد الحقيقية.

 

وما زاد الطين بلة كذلك مواقف الإخوان الملتبسة من سلسلة المجازر التي ارتكبها العسكر بحق بعض أطياف الثورة التي كانت ضربة قاصمة لهم، حيث تم تصويرهم لدى الكثيرين كتيار انتهازي لا تهمه إلا مصالحه ومصالح المنتسبين إليه. طبعا تلك الاتهامات لم تكن صائبة وقد اتسمت بالمبالغة في التشهير بطرف لا يمكن إنكار مبدئيته والذي يشهد تاريخه بتضحياته إلا أن تلك الصورة ترسخت عند رفاق الثورة وحتى عند فئات واسعة من الشعب، فبقدر ما كانت تحاول الجماعة التقرب من النظام العسكري بقدر ما كانت تبتعد عن الشعب، ثم لما وجدت نفسها بحاجة إلى دعم الجماهير لها انفض الكثيرون من حولها وردوا لها الصاع الصاعين. لقد صدق الإخوان وعود العسكر في تسليم البلاد إلى القوى المدنية فاستغرقوا كل جهودهم في مؤسسات صورية وأهملوا مزاج الشعب الذي وجد من يؤلبه عليهم وعلى تجربتهم ليجدوا أنفسهم عارين من أي دعم معزولين تماما عن المجتمع.

 

من المثير أن يتم استئصال تيار قوي ومنظم فتستمر حياة المصريين بدونه كأن شيئا لم يكن، وهو ما يفرض طرح أسئلة عميقة في طبيعة اشتغال الجماعة

الحقيقة أن ما يفسر تقديرات الإخوان غير الموفقة هو تماهيهم مع التجربة الأردوغانية ومحاولة استنساخهم لها في ظرف مختلف تماما عن الظرف التركي، فتجربة العدالة والتنمية هي محاولة إصلاحية من داخل النظام التركي في ظل استمراريته ومحاولة تجديده، وقد حظيت بدعم أمريكي استثنائي في بداياتها مما حال بينها وبين إجهاضها، في حين أن وضعية الإخوان مختلفة تماما فمن دفع بهم إلى واجهة الحكم ثورة شعبية بما يعني أن ممارستهم كان لا بد لها أن تنحو منحى جذريا وألا تعيد إنتاج ذات المواقف القائمة، ورغم مهادنتهم للقوى الغربية فقد ظلت تلك القوى متوجسة منهم، ولم تكن بضعة لقاءات لرموز الإخوان مع عدد من المسؤوليين الغربيين كافية لتغيير صورتهم مثلما توهموا، بل إن تلك اللقاءات بالإضافة إلى تصريحات ومواقف أخرى كانت وبالا عليهم على المستوى الشعبي مثل تلك الرسالة المشؤومة التي وجهت إلى شمعون بيريز.

 

نعم لا يمكن إنكار دور الإخوان في التخفيف من حصار غزة وفي عدد من القضايا الأخرى، لكن هذا لم يكن كافيا بالنظر إلى انتظارات الناس منهم. النتيجة أن الإخوان قد وقعوا في فخ الازدواجية والظهور بمظهر التيار البراغماتي الصرف الذي جعل دعاية النظام سريعة النفاذ إلى فئات واسعة من الشعب المصري مما عجل بطي صفحتهم سريعا. لقد أدرك الإخوان بعد فوات الأوان بألا مناص من مواجهة شاملة مع حكم العسكر وتأكدوا كذلك من الدعم الغربي المطلق له، غير أنهم لو اتخذوا هذا القرار في عز فورة الشارع في أشهر الثورة الأولى لما احتاجوا لكل هذه التضحيات الجسيمة، ولو أنهم تحدوا إرادة الخارج بمواقف أكثر جرأة مثل مراجعة معاهدة كامب ديفيد أو إلغائها لكان أشرف لهم وأكثر نجاعة ولتجاوز التعاطف معهم دائرة الإسلاميين الضيقة.

 

ومع ذلك يجب أن نقدر نضج الإخوان عاليا في عدم جر البلاد إلى مستنقع الدماء، بتشبثهم بمسارهم السلمي، رغم الأهوال التي يتعرضون لها، حتى وإن بدا خيار العنف خيارا جذابا للبعض والذي ينتقد بقسوة سلمية الإخوان ويعتبرها سببا في تفاقم معاناتهم، ذلك أن كل من جرب هذا الخيار لم يحصد غير الخراب خصوصا إذا كانت تحيط به بيئة خارجية معادية مثل تلك التي تحيط بالإخوان والتي ستفشل بالتأكيد أي مسعى في هذا الاتجاه اللهم إلا إذا كان القصد من تبنيه تفعيل منطق "علي وعلى أعدائي" وهو منطق مدمر لا يبني شيئا.

 

لعله من المثير أن يتم استئصال تيار قوي ومنظم فتستمر حياة المصريين بدونه كأن شيئا لم يكن، وهو ما يفرض طرح أسئلة عميقة في طبيعة اشتغال الجماعة التي وإن فرضت نفسها كواحد من أكبر التنظيمات العالمية غير أنها لم تستطع اختراق المجتمع اختراقا حقيقيا وظلت أقرب للطائفة منها إلى التنظيم المجتمعي.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة