كيف يمكن للإيمان الوراثي أن يقود صاحبه للإلحاد السياسي؟

الإيمان الوراثي التقليدي -القائم على التقليد دون تفكير سليم- والإلحاد السياسي كلاهما لا يرتكز على أرض صلبة من العقل والمنطق؛ يجمع أصحابهما التحمس الشديد لما يحملون من أفكار دون أي محاولة حقيقية للحصول على برهان أو دليل يدعم وجهات نظرهم. بينما يعتمد الإيمان الوراثي على العقل الجمعي ويعتبره هو المرجع الرئيسي لأفكاره، فإن الإلحاد السياسي يقتات على الشعور بالتمرد ورفض الواقع بكل ما يحمل هذا الواقع من انهزام وتراجع.

الفرضية الأساسية التي يقوم عليها الإلحاد بصفة عامة في محاولةٍ منه لنفي وجود الإله الخالق المدبر، هي ادعاء منطقية الصدفة وقدرتها على إنشاء نظام غاية في الدقة والانسجام. الملحد التقليدي الذي ألجأه الواقع إلى التخلي عن فكرة الإله، عندما عجز تفكيره عن تفسير كل هذا الانهزام وهذه العشوائية التي تحيط به، رأى أن الصدفة ربما تكون أكثر قبولا ومنطقية من فكرة إله غير مكترث بما يحدث حسب اعتقاده.

الصدفة هي المؤسس والمدبر لهذا الكون دون أدنى معرفة حقيقية باحتمال حدوث الصدف هو نوع من الكسل الفكري والعجز المعرفي لا يمكن قبوله في قضية مصيرية مرتبطة بالخلق والخالق

إنها محاولة للفرار من التفكير والبحث والتدبر لفهم السنن الإلهية لتسيير الكون التي لا تتغير ولا تتبدل إلى مرفأ يحسبه أكثر أماناً وأكثر هدوء. إنه يرغب بشدة في التخلص من نصيبه في الفشل الذي أصاب مجتمعه ويرغب بشدة في إسناد الأمر برمته إلى الصدفة والعشوائية. إن كان الآخرون هم السبب المباشر الذي دفعه لرفض فكرة وجود الإله بسبب تصورات طفولية عن الإله جعلت من البشر أدوات دون أي إرادة؛ فقد وقع في الفخ اللعين مرة أخرى عندما صدر له الآخرون فكرة الخلق بالصدفة دون دليل أو برهان، هكذا يفر هذا المسكين من فكرة الإله الغيبي إلى فكرة الإله العشوائي ومن أرض التدبر إلى فضاء الحيرة.

إذا كان المؤمن الوراثي مطالب بالتحري والبحث والصبر وعدم التسرع حتى لا يقع في فخ السذاجة والقول على الله ما لا يعلم؛ كذلك الملحد الهارب من مجتمع الإيمان الوراثي والمتمرد على المعارف التي تسمح بها السلطة ويظنها الناس كل المعارف، مطالب بإثبات أن الصدفة يمكن أن تُنشئ نظاما محكما بشكل علمي ومنطقي. اعتبار الصدفة هي المؤسس والمدبر لهذا الكون دون أدنى معرفة حقيقية باحتمال حدوث الصدف هو نوع من الكسل الفكري والعجز المعرفي لا يمكن قبوله في قضية مصيرية مرتبطة بالخلق والخالق.

العلم لم يدع المجال مفتوح لكل مقهور معرفياً أن يقول ما يشأ فقط لأن ما يقوله مريح وغير مكلف فكرياً. لك كامل الحرية أن تؤمن بما تشاء ولكن على الأقل لابد أن تفهم ما الذي تؤمن به وما مدى معقوليته وسلامته العلمية. السؤال الذي ينبغي الإجابة عليه الآن هو: هل ينطبق قانون الصدفة على هذا النظام الكوني المنضبط أم أن الأمر مجرد كلمات تقذفها الألسنة دون وعي وإدراك حقيقي لمعناها؟ 

في كتاب "علم الإله" قام عالم الفيزياء النووية جيرالد شرودر من جامعة MIT الأمريكية بتفنيد برهان ما يسمى ببرهان القرد المتعلق بمدى معقولية حدوث الصدفة، وإلى أي مدى يمكن للصدفة أن تُنشئ نظاماً. 

برهان القرد هي التجربة التي صممها المجلس القومي البريطاني للفنون، في محاولة للإجابة على سؤال في غاية الأهمية: هل يمكن لمجموعة من القردة أن تكتب شيء مفهوم وذو دلالة معينة إذا أُعطيت لها الفرصة لفعل ذلك؟ لقد تم وضع مجموعة من القرود عددها ستة قرود في غرفة مزودة بلوحة مفاتيح جهاز كمبيوتر وقد سبق التجربة تدريب هذه القرود على استخدام لوحة المفاتيح بشكل تستطيع من خلاله القرود الضغط على الأزرار بمنتهى السهولة واليسر. خمسون صفحة مكتوبة هي نتاج شهر كامل لدق هذه القرود على لوحة المفاتيح؛ خمسون صفحة لا تحمل كلمة واحدة صحيحة؛ لقد تم اعتبار حرف A كلمة بشرط أن تسبقه مسافة وتأتى بعده مسافة، ومع ذلك لم تستطع القرود كتابة حتى هذه الكلمة المكونة من حرف واحد.

بحسب علم الإحصاء فإن احتمال كتابة كلمة واحدة تتكون من حرف واحد بواسطة لوحة المفاتيح تحوي 26 حرف تساوى: 1 مقسوماً على 19683، أي أن كل 19683 محاولة هناك احتمالية أن تكون هناك محاولة واحدة صحيحة لكتابة كلمة من حرف واحد. حاول عالم الفيزياء شرودر تطبيق هذه الاحتمالات على قصيدة لشكسبير تحتوي على 488 حرف، فوجد أن احتمالية كتابة قصيدة لشكسبير عن طريق لوحة مفاتيح والنقر عليها بطريقة الصدفة يساوى 1 مقسوم على 10 مضروبة في نفسها 690 مرة؛ أي أنه محاولة واحدة من محاولات عددها 10 أمامها 690 صفر قد تعطي قصيدة لشكسبير. هل هذا الرقم يمكن تحقيقه عملياً؟ الرقم كما يقول العلم كبير للغاية، لا يمكن للكون بمكوناته الحالية ومداه الزمني المعروف تحقيقه.

عندما أحصى العلماء الجسيمات الموجودة في الكون من البروتونات والإلكترونات والنيترونات وجدوها 10 مرفوعة للقوة 80 أي 1 وأمامه 80 صفر. هذا يعنى أنه من غير الممكن الحصول على احتمال كتابة القصيدة والتي يبلغ احتمالها 1 مرفوع للقوة 690؛ بمعنى حتى يتحقق مجرد الاحتمال بكتابة القصيدة نحتاج لمزيد من الجسيمات تصل إلى 10 مرفوعة للقوة 610 أي 1 واماماه 610 صفر. 

واستكمالا لنتائج البروفيسور شرودر فإنه إذا أمكننا تحويل مادة الكون إلى رقائق ذكية بحيث كل رقيقة تزن جزء من المليون من الجرام؛ وبالتالي كل رقيقة من الرقائق تستطيع إجراء المحاولات بدلا من القردة وبسرعة مليون محاولة في الثانية فإن عدد المحاولات التي تمت منذ نشأة الكون بحساب الفيزياء لا تتعدى 10 مرفوعة للقوة 90 أي 1 أمامه 90 صفر. هذا يعنى أننا نحتاج لكون أكبر من كوننا هذا بمقدار 10 مرفوعة للقوة 600 (10 أمامها 600 صفر) حتى يتحقق مجرد الاحتمال بكتابة القصيدة عن طريق الصدفة. 

حدد علم الإحصاء احتمال الصدف بقيمة محددة إذا زاد عنها الاحتمال لا يمكن وصفه بالصدفة. وقوع أمر ما مصادفة يساوى 1 إلى 10 مرفوعة للقوة 150 (أي عشرة أمامها 150 صفر)؛ أي أنه يمكن اعتبار الأمر صدفة إذا وقع في هذا المدى الحسابي وكل ما يقع بعد هذا الاحتمال لا يمكن اعتباره صدفة أبدا. فهل يمكن الادعاء أن أمر ما احتمال حدوثه 1 إلى 10 مرفوعة للقوة 690 يمكن أن يحدث صدفة؟ هناك فرق جوهري بين أن أتحرك بين حدود العلم والمنطق وبين أن اعتقد أن العلم يتمحور داخل حدود تفكيري وان الفكرة تولد على مقاس منطقي. بالحسابات وبدون أي مسحة دينية؛ قانون الصدفة يفشل فشلا ذريعا في تفسير نشأة الكون بهذه الدقة المتناهية. 

إذا كان قانون الصدفة يقف عاجزا تماما أمام تفسير النشأة المادية للكون فالقول بأن الصدفة ايضا أنشأت الوعي والإدراك ومن ثم الحياة، وما تبع هذه الحياة من ترقي في سلاسل منتظمة ثم نشأة اللغة لدى الإنسان هو ضرب من الخبل الذي لا يستقيم معه أي دليل علمي. الاعتقاد بأن بداية الأشياء سار هكذا عن طريق الصدف بدون تقدير وتدبير هو عين العشوائية التي يرفضها العلم ويأباها العقل. إذا كانت الحرية هي الباب الوحيد للإيمان بالله إيماناً لا ريب فيه فإن الدكتاتورية المتمثلة في العشوائية السياسية هي الباب الخلفي للتخلي عن فكرة الخالق ومن ثم الإيمان بالعشوائية ذاتها. 



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة