على غفلة من توقعاتنا.. هكذا يمكنك الشعور بإعجاز القرآن

إننا في زمن فِتنٍ عظيمة تختبر صدق إيماننا أصعب اختبار، وكأننا بين جند طالوت وقدِ اختبرهم الله ليصطفي من عباده من سيُحمّلهم مسؤولية المواجهة الكبيرة مع الباطل وأهله، الذين ما لبثوا إلا قليلا وقد فازت القلةُ المؤمنة الصابرة باقتدار يأخذ بالألباب ليس على عدوهم وحسب بل وعلى منطقيات من شربوا وحساباتهم السخيفة.

في القرآن مَعِينٌ لا يَنضب لمثل تِلكمُ التأسيسات الإيمانية التي تُحافظ على بوصلة المسلم وتُعمّق تسليمه بالسّنن الإلهية التي تتعدى المظاهر المحسوسة للمنطق الإنساني المحدود، ولذلك ولأبعد منه ينبغي أن نؤسس مَنهجية مُيسرة وفاعلة لكل البشر؛ ليستوعبوا إعجاز القرآن الكريم ويُعايشوه حقيقةً. فلا أعمق من المشاعر التي تَسطع من مصابيح تجارُبنا فنعيش إشراقاتها بذواتنا لتقودنا أنوارها في تلك المواقف التي لا يَصمُد فيها إلا الصفوة. تحدثت في تدوينتي السابقة (إعجاز القرآن البلاغي جوهر الإعجاز القرآني الخالد) عن الأحاسيس التي حلّقت بي وأنا أستشعر إعجاز القرآن الكريم وكمالَه المطلق ودوافِعها، وأستدرك هنا بخجل وتعجّب خطأي في المدة التي نزل بها القرآن فقد تشكل على مدار ثلاثة وعشرين عاماً وليس ثلاثين عاماً، وكأن ذلك الخطأ الواضح يُؤكد لي مدى ضَعفي وعجزي رُغم حسابي للمدّة واهتمامي بها فسبحان العليم الحكيم.

على غفلة من توقعاتنا لم يغمُرني إعجازه أثناء قراءته حيث يبدو لنا أننا أقرب ما يكون لذلك ونحن نحاول تدبّر آياته وحسن بيانه. ولم أصل لذلك الشعور المَهيب وأنا أبحث بجد ويأس مسافراً بين الكتب مستجوبا كلماتها ومتأملا أساليبها ومواضيعها سائلا الأكثر مني ارتحالا بينها عن شعورهم تجاه القرآن وهم يتذوّقون أعمالا أدبية وفكرية أخرى. هل تُراهم شعروا بذلك الفرق الذي أحرج بلاغة العرب وأرغم عُنفوان أشعارهم؟ ولكنني لم أجد جوابا ولم يُشرق أفق.

الشعور بالإعجاز ليس نِتاج فكرة تَخطُر أو منطقاً يُنظر بل هو وحق من أنزل القرآن وحفِظه ثمرة تجربة لم تدع لها جهداً ولم توفر عنها سبباً ولم تترك من أجلها صعباً

مع ما تحمله قراءة القرآن وتدبره من أهمية تأسيسية محورية للشعور بإعجاز القرآن الكريم ووعي موسوعية النص ومدى كماله وأوجه تميُّزه فأقصى ما قد تشعر به وأنت تقرأ أو تتأمل أو تتدبر هو الانبهار والافتتان والإكبار والإجلال. حيث يتعلق العجز الذي يُرافق القراءة بالقارئ وليس بالنص. فقد تعجز عن الفهم لمحدودية مستواك العلمي أو تعجز عن المتابعة لتعبك الجسدي أو النفسي ولكنك لن تشعر بإعجاز النص المطلق.

لذا فإن تلهف العرب على الأشعار وتعلّقهم بها كأبهى مفاخِرهم ليس الأمر الذي جعلهم يستشعرون بذلك الإعجاز الذي أخذ بعقولهم وأبكم كبرياء فصاحتهم؛ فالجوُّ العام لنزول القرآن كان جوَّاً مختلفاً تماماً اختلاف التحدي الذي أطلقه الله بالقرآن الكريم، فقد نزل القرآن في أكثر البيئات اهتماماً ودفعاً وتحفيزاً ورعايةً وتحميساً لإبداع الكلام المنظوم الكامل، ولم تكن تضاريس التوجيه الاجتماعي مُجرد دوافع لتذوّق الكلمة البليغة وحسب وإنما ميدان منافسةٍ محوريةٍ مفتوحةٍ على صَوْغ الجديد والفريد في قوالب بلاغيّة بديعة تجلّت بأسمى أشكالها بالشعر العربي المنظوم ضِمن إيقاعٍ موسيقي لطيف بين حركات الأحرف وسكونِها. وهي بيئة أشبه ما تكون في الحاضر داخل المؤسسات العلمية التي تصب كل اهتمامها لدفع الباحثين على إبداع الجديد والفريد.

وفعلا فإن الشعور الحقيقي بإعجاز القرآن الكريم المطلق لا يُمكن أن تعيشه وأنت مستلقٍ تتأمّل ولا وأنت مُتكئٌ تُطالع ولا وأنت جالس تتدبّر، إن الشعور الحقيقي بإعجازه لا يأتينّك إليه بل أنت من تصل إليه، أنت من يجب أن تسعى له بكل قوّتك، وأنت من يجب أن تتعب من أجله كل التعب، وأنت من يجب أن تُقدّم له كلّ ما لديك من قدرات ومكرٍ ودهاءٍ ومهارات. فلا يُمكن أن تصل للشعور بالعجز دون أن تنتهي كلّ عزائمك ولا تَجد لك أيّ قدرة على المتابعة. فالشعور بالإعجاز ليس نِتاج فكرة تَخطُر أو منطقاً يُنظر بل هو وحق من أنزل القرآن وحفِظه ثمرة تجربة لم تدع لها جهداً ولم توفر عنها سبباً ولم تترك من أجلها صعباً ولا سهلاً ولا صغيراً ولا كبيراً إلا واستخدمته وذللته.

وعليه فإنك لتشعر بخلود القرآن وإعجازه عليك أن تواجه بنفسِك جوهره فتتعب وترهب وينقطع منك النّفَس. عليك أن تجرب إدارة مشروع خطاب إبداعي متكامل لتتعامل بشكل مباشر مع احتياجات الرسالة التي ترغب في توضيحها وتحدياتها الوجودية التي ستجثم على عقلك وتستنفر كل قدراتك الذهنية والمعرفية لقيادة الخطاب وتوجيهه والسيطرة عليه، ستجتاحُك آلاف الأسئلة وتنقضّ عليك سهام الشك من كل جانب، هل استخدمت الكلمة المناسبة؟ أهُناك أفضل منها؟ هل الأسلوب الخطابي مؤثر؟ هل السياق مُنساب ويقوي بعضه بعضاً؟ هل وهل وهل؟ فمن ذا الذي يمكنه أن يكتب بثقة مطلقة مهما بلغ علمه من موسوعية وإتقان.

إن الشعور بإعجاز القرآن الكريم عن طريق محاولة كتابة نص بديع -كما حدث معي- يبدو أكثر سهولة ومنطقية ومُناسبة وانسجاماً مع التحدي القرآنيّ المفتوح والمستمر إلى أن يَرث الله الأرض ومن عليها من محاولة تدبر آيات القرآن الكريم التي لا يستطيع إتقانها وسَبْر غور أسرارها إلا المتخصصون باللغة العربية والشرعية والمتضلّعين بأحد العلوم الإنسانية المختلفة.

أتعلم أنني أقصد الكتابة فقط بتسهيلاتها اللوجستية للتعامل مع النص وعناصره المختلفة بالمراجعة والمشاورة والتعديل والتغيير والإضافة والحذف، فقل لي بربك كيف لرجل مثل محمد (عليه الصلاة والسلام) لا يعرف القراءة والكتابة أن يأتي بمثل هذا الكمال والموسوعية والثقة المطلقة لتحدي الإنس والجنّ وما استطاعوا عليه.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة