حرب أسعار المحروقات في المغرب

يشهد جانب من الاقتصاد المغربي، حاليا، سجالا حادا، تخللته كثير من الردود والردود المضادة، بين مؤسستين دستوريتين، حول كيفية معالجة الأزمة غير المسبوقة التي عرفها القطاع المرتبط بتجارة المحروقات السائلة، مند إصدار قرار حكومي سابق بتحرير أسعارها كليا. السجال، مازال حاميا بين مسؤول من الحكومة الحالية، ورئيس مجلس المنافسة المرسم مؤخرا، من طرف عاهل البلاد، حول مدى صلاحية فرض تقنين، يحدد تسقيفا لهامش أرباح كل الشركات المستوردة والموزعة للنفط داخليا.

 

وذلك بعد مرور شهور، على تلك الظرفية العصيبة، التي عرفت توترا صعبا كان من وراءه احتجاج المستهلكين المغاربة، على ارتفاع أثمنة المحروقات، سيتصاعد الى ان يصير استنكارا غاضبا أدى بهم إلى إعلان حملة مقاطعة شاملة لمحطات وقود تابعة لشركات توزيع، كانت اتهمت بأنها هي السبب في اجهاض مبدأ التنافسية، واحتكار قيادة القطاع النفطي، وفرض على الجميع غلاء هذه المادة السائلة الأساسية والمهمة في تحريك دينامية قطاعات حيوية وحساسة في عصب الاقتصاد الداخلي.

 

وجدنا أن مالات هذا السجال، رغم النيات السياسية المغرضة والمبيتة، التي تحيط به من كل جانب، ستؤدي إلى الطريق الذي يخدم مصالح شركات المحروقات، والتي قبل أن نبين كيف تحول هذا لصالحها، سنعرض أيضا مدى الحنق الشديد، الذي سجل تجاه نشاطها المشتبه فيه، فلقد اتهمت بدون مهادنة انها استغلت بشكل غير مقبول، تدهور شركة تكرير واستيراد النفط الوحيدة، التي كانت تملكها الدولة، قبل أن تضطر هذه الأخيرة، في بدايات مسلسل الخصخصة في التسعينات من القرن الماضي، إلى تسليم تدبيرها إلى أحد الخواص الأجانب.

 

هذه المليارات التي لا تشكل سوى زيادة في الأرباح الخالصة، اعتبرت من طرف الكثيرين من المتتبعين الممتعضين، أنها إذا حصلت فعلا، فهي بدون شك إثراء غير مشروع، لأصحاب هذا التكتل الطارئ

ثم اتهمت أيضا أنها تصرفت بشكل انتهازي، بينما هذه المصفاة المغربية اليتيمة معطلة، وملفاتها بين أيدي القضاء. بالإضافة، إلى أن من بينها شركة كبرى مملوكة لأحد الساسة الأثرياء، تسيطر على 40٪ من السوق، وصفت بأنها متواطئة مع أخريات مماثلة، ذات حصص أقل، وتشتغل مجتمعة وفقًا لمنطق الكارتل. أي على طريقة التكتلات الاقتصادية المتحالفة والمتواطئة على اتخاذ قرارات غير معلنة تخدم مصالحها العينية، سرا دون إثارة انتباه المراقبين الاقتصاديين.

 

فلقد سمح قرار تحرير أسعار المحروقات السائلة، الذي لم يتم استشراف عواقبه السلبية، والتفكير جيدا في آثاره الاقتصادية، من طرف الساسة، بتقديم فرصة ذهبية لا تعوض، لموزعي النفط القلائل، وذالك في عز غياب مصفاة تكرير النفط شبه العمومية التي كانت تلعب دورا في ضبط التوازن التنافسي وسمح كذلك بحصولهم على هامش ربح فاحش، بقيمة المليارات من الدراهم، وفي غضون زمن قياسي؛ حسب ما أدلى به وتوصل إليه تقرير لجنة برلمانية خاصة حققت في الأمر باحتساب الأرقام والنقط والفواصل.

 

هذه المليارات التي لا تشكل سوى زيادة في الأرباح الخالصة، اعتبرت من طرف الكثيرين من المتتبعين الممتعضين، أنها إذا حصلت فعلا، فهي بدون شك إثراء غير مشروع، لأصحاب هذا التكتل الطارئ، تم حصد أمواله رغم أنف الرقابة غير اليقظة المسرنمة، وعلى حساب القوة الشرائية للمستهلكين المغبونين، وردعا للقدرة التنافسية لأي مقاولة جديدة دخيلة تتغيا الاستثمار في قطاع توزيع النفط. هذا الوضع بالنسبة لنا هو النتيجة المنطقية لانعدام استراتيجية محكمة في اتخاذ القرار الصائب ودراسة أثاره المستقبلية على قطاع حيوي كهذا، فالسلطة التنفيذية المتجلية في الحكومة ملزمة أما بتصحيح الخيارات السياسية السيئة السابقة وعلى رأسها قرار تحرير الأسعار أو ترك مجلس المنافسة لممارسة صلاحياته كاملة دون تشويش في دراسة أبعاد الملف مع تفويضه إيجاد حل ناجع لذلك.

 

لكن ما الذي خلصت إليه الحكومة الحالية بعد انتهاء مدة استشارتها لمجلس المنافسة بخصوص اقتراح تسقيف هامش أرباح الشركات؟  الحكومة المخضرمة تشدد على أن مجلس المنافسة باعتباره هيئة استشارية لن يستطيع التدخل إذا أقرت مستقبلا شركات التوزيع زيادات بينة في أسعار المحروقات نظرا لأن قانون تحرير أسعار المحروقات قائم به العمل والفاعلين الاقتصاديين في قطاع النفط لهم الصلاحية فيه تحديد السعر الذي يناسب مصالحهم، فإذن مجلس المنافسة لا يتوفر على الآليات التشريعية اللازمة لإرغام شركات التوزيع على الحد من الزيادة في هوامش ربحها، وأكثر من هذا حكومتنا المرتبكة صارت توضح الان بما يكفي أن التسقيف لا يعني الحد من الزيادة في الأسعار بتاتا مبررة ذلك بأنها تظل متوقفة على تطور الأثمنة في الأسواق الدولية، مؤكدة ألا أحد يمكنه أن يتدخل لتحديد سعر سلعة معينة إذا كان السوق محررا سواء كانت حكومة أو أي مؤسسة أخرى.

 

الشركات بدورها تتظاهر بهالة النزاهة وبحمل إكليل خدمة الصناعة للوطنية والأدهى انها تدافع بقوة عن المكاسب التي حققتها الدولة بعد التحرير وتستنكر استخدام السلوكيات السياسية المغرضة ضدها

بدوره مجلس المنافسة الذي انتظرنا كثيرا تعيين اعضاؤه الجدد باعتباره سلطة مراقبة وتنظيم وليست خاصة بشؤون تقنين الأسعار يصرح علانية في وجه كل المؤسسات الرسمية الأخرى أن ليس من اختصاصه لا تحديد المستوى الأقصى للأسعار ولا الهوامش القصوى في سوق المحروقات وينتقد الحكومة المرتجلة باعتبارها السلطة الوحيدة التي لها مسؤولية تسقيف هوامش الربح معتبرا أن ذهابها في اتجاه اتخاذ هذا القرار غير كاف ومجد لا من الناحية الاقتصادية ولا التنافسية.

 

فلقد قدم فعلا مجلس المنافسة رأياً مدعوماً بتحليل دقيق مستفيض توصل إلى أن مقترح تسقيف الأسعار ليس هو الوصفة السحرية للخروج من عنق الزجاجة بل حلا ظرفيا لن ينزع جذر المشكل من اساسه ولهذا ينبغي الدفع بالتفكير أبعد من منطق الحلول الظرفية المرقعة، فمشكلة قطاع المحروقات هي مشكلة بنيوية تهيمن عليه احتكارات نابعة من قلة من التجمعات التكتلية تضع حواجز لا مرئية أمام دخول مستثمرين جدد ولا تكثرت بتاتا بالشروط المطلوبة للمنافسة العادلة مادامت هي اللاعب الأكبر في الحلبة والإحباط بدأ نتيجة التخلي تدريجيا للخواص عن المصفاة المغربية الوحيدة: مصفاة " لا سمير" التي كان فخر الصناعة المغربية.

 

أنشئت بعد الاستقلال من قبل تخطيط رجال يساريين مسؤولين في الدولة (عبد الرحيم بوعبيد وزير الاقتصاد والمالية في حكومة عبد الله إبراهيم ومهندس المعادن إبراهيم السرفاتي الخ) هذه المصفاة النفطية ساعدت على ضمان السيطرة على احتياجات الطاقة النفطية في المغرب وساهمت في التنمية الاقتصادية والصناعية المحلية وتمت إدارتها بشكل جيد لأكثر من ثلاثة عقود من قبل اناس وطنيين غيورين لكن المشاكل بدأت بالظهور بمجرد أن تمت خصخصتها في أواسط التسعينات. هذا التخلي الذي لم يجد أي مسؤول عذرا لتبريره أو حتى مناورته كان له في الواقع عواقب مباشرة على القوة الشرائية للمغاربة وأكثر على المنافسة في قطاع التوزيع الشيء الذي سيسمح ببيع محروقات أكثر تكلفة في الأسعار.

 

إذن القضية أكبر من أن تكون محصورة في دائرة التراشقات السياسية.  كال مسؤول حكومي اتهامات قاسية لمجلس المنافسة معتبرا رأيه سياسيا ويعبر عن موقف المعارضة واضعا لهذه المؤسسة الدستورية حدود مجال اشتغالها. وبالمقابل هناك من اتهم الحكومة في شخص وزيرها المكلف بالملف أن الغرض الحقيقي من القرار هو استثماره سياسيا بالسعي من خلاله إلى استدرار عواطف المصوتين المستقبليين بالاصطفاف إلى جانب المحتجين على ارتفاع أسعار المحروقات وتمثيل دور المدافع عن مصالحهم لاستعادة الشعبية المفقودة.

 

الشركات بدورها تتظاهر بهالة النزاهة وبحمل إكليل خدمة الصناعة للوطنية والأدهى انها تدافع بقوة عن المكاسب التي حققتها الدولة بعد التحرير وتستنكر استخدام السلوكيات السياسية المغرضة ضدها من طرف الخصوم المحزبين، لكن الأمر الأكثر إغفالا هو عدم الكفاءة والارتجال وحتى تواطؤ الجهات الفاعلة السياسية والحكومية المسؤولة عن قرار تحرير أسعار النفط. في النهاية لا يمكن تبرئة المسؤولين من تنفيذ هذه السياسة التحريرية بشكل متسرع ومرتجل فلقد تم تحذيرهم من الخطر الذي ستشكله مستقبلا من طرف هيئة رقابية عليا كمجلس الحسابات، مع أنهم لم يجروا أي دراسة جادة وشاملة للقطاع لتقييم نتائج هذا التحرير بل تركوا غازات أوهامهم تحلق بعيدا فوق تكهنات الواقع الصلب بعيدا إلى الأعلى مع دخان المحروقات.



حول هذه القصة

راوية الموريسكي استطاعت أن تضطلع بمهمة توضيح العوامل، الأسباب، الظروف، والحيثيات التي جعلت الإنسان الموريسكي والأمازيغي يعيشان حالة من التيه الهوياتي خصوصا في جوانب الانتماء الديني والجغرافي والأسري والاجتماعي.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة